دخلت الازمة اليمنية مرحلة جديدة في اعقاب نجاح السعودية في التوفيق بين الحكومة الشرعية برئاسة “عبد ربة منصور هادي” والمجلس الانتقالي الجنوبي برئاسة “عيدروس الزبيدي” بعد عدد من المشاورات واللقاءات التي انطلقت في جدة منذ (اغسطس2019)، وقد أسفرت عن توقيع اتفاق الرياض الذي حمل عددا من الترتيبات والتفاهمات لما يمكن أن يكون عليه مستقبل الجنوب اليمني بشكل خاص والازمة اليمنية بصورة عامة.

    واتصالا بما سبق يمكننا الوقوف على تفاعلات ما قبل التوصل للاتفاق، مروراً بالترتيبات التي فرضها هذا التوافق بين الطرفين، وكذا الدلالات المتعلقة بالتوصل للصيغة النهائية للاتفاق، مع الإشارة الي التحديات المحتملة التي تواجه الاتفاق وذلك على النحو التالي:

إرهاصات ما قبل التوقيع

     شهد الجنوب اليمني نفوذا متزايداً في الفترات الأخيرة من قبل عناصر المجلس الانتقالي الجنوبي والذي تأسس عام 2017، وذلك عبر مكوناته العسكرية ويأتي في مقدمتها عناصر الحزام الأمني وملحقاته التي تُعتبر الكيان العسكري الأقوى في الجنوب والتي يتكون من نحو 100 ألف مقاتل، وقد بدى واضحا دور هذه العناصر في تطهير عدد من محافظات ومدن الجنوب سواء في عدن أو لحج او أبين سواء من عناصر داعش او القاعدة او مقاومة ميليشيا الحوثي.

    وقد تُرجم تنامي القوى العسكرية والسيطرة الميدانية للمجلس الانتقالي الجنوبي عبر عدد من التحركات والتي ساهمت في سيطرته على عدد من المؤسسات والمناطق التي كانت تخضع للحكومة الشرعية وذلك في يناير 2018، قبل ان تتمكن الحكومة الشرعية بمساعدة قوات التحالف العربي من استعادة زمام الأمور مرة أخرى، وقد تكررت محاولة مماثلة في أغسطس 2019 بعد صراع بين قوات الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي افضت إلى سيطرة الانتقالي على قصر معاشيق الرئاسي وعدد من المواقع العسكرية والمرافق الحيوية في محافظة عدن بعد صدامات دامية استمرت لمدة أربعة أيام واسفرت عن سقوط نحو 40 قتيلا و 260 جريحاً.

    كما شهدت الساحة الجنوبية في الآونة التي سبقت الاتفاق عدد من التفاعلات كان في مقدمتها الحديث عن إعادة انتشار القوات الإماراتية في الجنوب، فضلا عن محاولة الحوثيين وكذلك داعش في العودة مرة أخرى للساحة الجنوبية وذلك عبر قيام كل منهم بتبني عملية إرهابية كانت موجهة آنذاك لعدد من المواقع العسكرية والأمنية، حيث تبنت داعش مسؤوليته عن هجوم استهدف مركز شرطة الشيخ عثمان في محافظة عدن، وقد تزامن هذا الهجوم مع هجوم جماعة الحوثي على معسكر الجلاء (2 أغسطس 2019).

تصعيد كبير

ترتيبات جديدة 

   فرض اتفاق الرياض بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي برعاية السعودية والذي تم توقيعه (5 نوفمبر2019) في حضور الأمير “محمد بن سلمان” ولي عهد أبو ظبي “الشيخ محمد بن زايد” والرئيس اليمني “عبدربه منصور هادي” جملة من الترتيبات والضوابط الحاكمة على مختلف المستويات السياسية، الاقتصادية، العسكرية والأمنية وهو ما يمكن الوقوف عليه فيما يلي:

  •  شراكة سياسية، ضمن اتفاق الرياض ترسيخ مبدأ الشراكة في الحكم بين الشمال والجنوب حيث يتبنى الاتفاق فلسفة قائمة على المناصفة وتقاسم السلطة بين الشمال والجنوب في المناصب الحكومية والوزارات والهيئات، إذ نص الاتفاق على تشكيل حكومة لا تتجاوز 24 وزيرا على أن يمُنح الجنوبيين نحو 50 % من الحقائب الحكومية في مدة لا تتجاوز 30 يوماً من توقيع الاتفاق، كما سيصبح للمجلس الانتقالي دوراً في ترشيح قيادات السلطات المحلية والأمن بمحافظات الجنوب ومن اجل ضمان تطبيق الاتفاق تم الإعلان عن تشكيل لجنة مشتركة من الطرفين يشرف عليها التحالف العربي بحيث يصبح الضامن والخط الفاصل بين الطرفين حال تعثر المفاوضات بما يضمن الالتزام بالجدول الزمني وكذا البنود التي تم التوافق عليها. 
  • ترتيبات اقتصادية، فرض الاتفاق عدد من الترتيبات الاقتصادية من شأنه تفعيل دور المؤسسات المنوط بها إدارة الملف الاقتصادي حيث نص على إيداع جميع الإيرادات الحكومية وعائدات القطاعات النفطية والجمركية والضرائب في بنك عدن المركزي، والعمل على صرف الرواتب والمستحقات المالية لكافة الوحدات العسكرية والمدنية، على أن يتم تفعيل وإدارة الميزانية عبر تقديم المشورة من خلال المختصين الاقليمين والدوليين في هذا الشأن.
  • ضوابط أمنية وعسكرية، نص الاتفاق على صيغة من شأنها العمل على إعادة انتشار القوات العسكرية والأمنية في منطقة الجنوب، بحيث تصبح احتكار القوة في يد الدولة، وذلك من خلال نقل جميع الأسلحة المتوسط والثقيلة من جميع القوات العسكرية والأمنية إلى معسكرات خارج عدن، بحيث تصبح عدن خالية من اية مظاهر تسليحية وان أي استخدام لهذه الأدوات يجب أن يتم تحت اشراف قوات التحالف العربي، فضلا عن توحيد جميع القوات تحت قيادة وزارة الدفاع خلال شهرين من توقيع الاتفاق، الامر الذي من شأنه ان يمنع اية تصادمات او احتكاكات مستقبلية بين الطرفين، إذ ستقوم قوات التحالف العربي بدور شرطي المرور الذي سيحول دون وقوع تلك الصدامات.
https://www.skynewsarabia.com/images/v1/2019/11/05/1295805/2000/1125/1-1295805.jpg

مكاسب ودلالات

    لا شك أن بتوقيع اتفاق الرياض حصدت كافة الأطراف عدد من المكاسب التي كانت تتطلع اليها وان كافة هذه المكاسب تصب في نهاية المطاف في صالح الدولة اليمنية التي لا تزال تعاني من ويلات الصراع، حيث نجحت السعودية بتتويج جهودها التي انطلقت في اليمن بداية من عاصفة الحزم (مارس 2015)، كما تمكنت السعودية عبر وساطتها بين الطرفين من التأكيد على دورها الفاعل وجهودها في حلحلة الازمة اليمنية وتجنب النزاعات التي يمكن أن تؤدي إلى مزيد من الفوضى، من ناحية أخرى تمكنت الحكومة الشرعية عبر الاتفاق من تعزيز سلطتها ونفوذها في الجنوب اليمني واستعادة السيطرة على المؤسسات الحكومية هناك ومن ثم العودة لممارسة نشاطها من جديد، في المقابل نجح المجلس الانتقالي الجنوبي من حصد مزيد من الشرعية السياسية بعدما كان يُنظر اليه على انه فصيل انقلابي كما تمكن من أن يحجز لنفسه مقعدا في التسويات المستقبلية المتعلقة بالأزمة اليمنية عبر القنوات الدبلوماسية باعتباره ممثلا لقضايا الجنوب.

ومع هذه المكاسب العديدة تبقى هناك عدد من الدلالات الهامة التي يحملها هذا الاتفاق والتي يمكن الوقوف عليها فيما يلي:

  • تعزيز الثقة المُتبادلة، يشير اتفاق الرياض بصيغته المُعلنة على نجاح كافة الأطراف في الوصول إلى مرحلة من الثقة المتبادلة، بعدما كان المشهد المُسيطر والحاكم لطبيعة العلاقة بين المجلس الانتقالي الجنوبي والحكومة الشرعية في اليمن قائماً على التناحر والصدام والذي بلغ ذروته في أغسطس 2019، حيث جاءت مخرجات الاتفاق لتؤكد ثقة الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي في الوساطة السعودية وإمكانية لعبها لدور الطرف الضامن لنجاح الاتفاق، وكذا الثقة في ان تجميد او انهاء الصراع يعتبر السبيل الوحيد لمعالجة المشهد السياسي المتأزم في اليمن بشكل عام. 
  • بناء قوة صلبة، يعتبر الاتفاق بمثابة مقدمة لتأسيس قاعدة صلبة من التوافق يمكن أن يتم توجيها لمقاومة مشروع الحوثي، حيث يستهدف الاتفاق العمل على تصفية وتصفير المشاكل في الجنوب من أجل توحيد الجهود نحو مزيد من التماسك بهدف تطويق نفوذ الفواعل من غير الدول (الحوثيين، داعش، القاعدة)، وقد يكون هذا الامر ممكنا خاصة وان الاتفاق اوقف حالة من الصراع كان من الممكن ان تتسبب في تجزئة الدولة اليمنية بل واندلاع حرب أهلية بين الجنوبين والشماليين.
  • متانة العلاقات السعودية الاماراتية، يعتبر الاتفاق في شكله النهائي وما تم التوصل اليه تعبيراً عن حدود وطبيعة التنسيق الفاعل والمؤثر بين الدولتين، خاصة مع تزايد النفوذ الاماراتي في الجنوب وقدرته على التحكم في مجريات الأمور، وعليه جاءت جهود الدولتين والتي بدأت من خلال تشكيل لجنة مشتركة بدأت اعمالها في (26 أغسطس 2019) بغرض تثبيت وقف اطلاق النار في عدد من محافظات الجنوب، مرورا برعاية المفاوضات بين الطرفين وصولا للاتفاق بشكل النهائي، الامر الذي يدل على حجم التوافق بين الجانبين بعدما أُثير مؤخرا حديث عن الخلاف بينهما بشأن الملف اليمني خاصة بعدما أعلنت الامارات عن رغبتها في إعادة انتشار قواتها هناك الامر الذي سوق له البعض على أن الامارات تسعى للخروج من التحالف العربي في اليمن، وعليه جاء الاتفاق والتوافق السعودي الاماراتي لينهي هذه الادعاءات.
  • انهاء الدعوات الانفصالية، يُنظر لاتفاق الرياض على أنه خطوة جادة نحو ادماج قوى الجنوب ممثلة في المجلس الانتقالي في السلطة وإدارة الجنوب وهو ما يضفي عليهم مزيد من الشرعية السياسية والقبول المجتمعي، وعليه فمن الممكن أن تساهم هذه التطورات في انهاء الطريق امام الدعوات الانفصالية، خاصة وان الاتفاق لم يجعل المجلس الانتقالي شريكا في السلطة فحسب بل جعله مكوناً أساسيا في أية تسوية سياسية مُحتملة، الامر الذي يضمن له إيصال مطالبه والتعبير عن احتياجاته عبر النوافذ الدبلوماسية والمشروعة وتحت رعاية إقليمية ودولية بما يضمن مزيد من التعبير الفاعل والمؤثر عن قضاياهم.
Image result for ‫المجلس الانتقالي اليمني والحكومة الشرعية‬‎

تحديات قائمة

   على الرغم مما يمثله الاتفاق باعتباره تحولا نوعيا نحو مزيد من التماسك الداخلي في مواجهة الفواعل من غير الدول، وكذا تهدئة الوضع في الجنوب بما يحدد ملامح وشكل التسوية المستقبلية في اليمن، إلا أن هناك مجموعة من التحديات التي يجب الالتفات اليها والعمل على تجنبها ومعالجتها ومن بين هذه التحديات، ان العامل الزمني المحدد لتطبيق كافة بنود الاتفاق والذي يتراوح ما بين 15 إلى 60 يوم قد يصبح مُعرضا للتمديد وقد يواجه مشكلة عدم الالتزام به، الأمر الذي يحتاج الى مزيد من المرونة للتعامل مع هذه الإشكالية حال بروزها في المشهد، كما ان الاتفاق لم يضع اية قيود او عقوبات على أي طرف لا يلتزم بتطبيق بنود الاتفاق وبالتالي يمكن أن يؤدي غياب الضامن إلى تعثر التطبيق.

    كما انه لا يمكن تجاهل رفض عدد من مكونات الجنوب للاتفاق على اعتبار انه يختصر القضية الجنوبية في فصيل بعينة دون الاخذ في الاعتبار باقي مكونات الحراك الجنوبي، الامر الذي يحتاج إلى معالجة اكثر شمولا وادماج باقي الفصائل في الاتفاق بما يضمن مزيد من الاستقرار، كما ان موقف حزب الإصلاح الاخواني في اليمن رغم إعلانه الموافقة على الاتفاق يظل يمثل تحدياً خاصة وان الاتفاق من شأنه ان ينهي جزء من سيطرة الحزب على الحكومة، كما يظل رفض بعض المسؤولين الحكوميين للمجلس الانتقالي الجنوبي محل تساؤلا بل يعتبر تحدي آخر قد يظهر في المشهد، خاصة بعدما أعلن وزير الداخلية” احمد الميسري” رفضة اتفاق الرياض مُهدداً بمواصلة الحرب ضد المجلس الانتقالي. 

في ظل هذه التحديات يبقى تحدي الحوثي ومحاولاته لأفشال الاتفاق عبر زعزعة الاستقرار ونشر الفوضى في الجنوب أمراً متوقعاً خاصة في ظل احتمالية التنسيق بين الحوثي والقاعدة من أجل تحقيق هذا الغرض الامر الذي كشفته عملية تبادل الاسرى بين الجانبين والتي تمت في (سبتمبر2019) إذ تبادل الطرفان نحو 115 اسيراً من الجانبين، حيث أفرج الحوثي عن نحو 50 شخص مقابل قيام القاعدة بتسليم نحو 65 اسيرا للحوثي وهو ما قد يكون مقدمة لتعاون مستقبلي يؤدي إلى مزيد من الفوضى. 

مجمل القول، يظل توقيع اتفاق الرياض بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي نقطة تحول ومحطة فارقة من محطات التسوية المستقبلية للازمة اليمنية خاصة وان الاتفاق حال نجاح تنفيذه سيعمل على استعادة الدولة في الجنوب، تمهيداً لتسوية اشمل وأعم تستعيد من خلالها الدولة اليمنية مؤسساتها وقوتها.

Scroll Up