تعد محافظة الضالع جنوب اليمن من أكثر جبهات القتال اشتعالا في الآونة الأخيرة، حيث تشهد المحافظة تحولات ميدانية كبيرة إثر استمرار الاشتباكات بين قوات الجيش اليمني وجماعة ” أنصار الله” الحوثيين في عدة محاور مختلفة، فضلا عن تعقد وتأزم الوضع الإنساني في ذات المحافظة، بعدما أعلنت نحو 12 منظمة دولية تعليق برامجها  إثر استهداف 3 منظمات دولية تعمل في المجال الإنساني في الضالع بقذائف صاروخية يومي (21 و 22 ديسمبر2019).

وفي سياق متصل ، شهدت الضالع  مؤخرا هجوما صاروخيا على عرضٍ عسكريٍ استهدف تجمعا لمجندين في ملعب “الصمود” وسط المدينة وأنطلق الصاروخ من مدينة ” دمت” شمال الضالع الخاضعة حتى الآن للسيطرة الحوثية.

وفي هذا السياق ، قال “ماجد الشعيبي” رئيس المركز الإعلامي لجبهة الضالع إن الاستهداف الصاروخي جاء من جانب الحوثيين، وأسفر عن سقوط عدد من الضحايا والمصابين وأدى الهجوم إلى مقتل 7 بينهم أربع أطفال وثلاثة عسكريين، بالإضافة إلى إصابة أكثر من 25 آخرين.

اتصالًا بما سبق، يمكننا الوقوف على طبيعة الهجوم، مرورًا بالسياقات المُصاحبة له، وصولًا لدلالاته وذلك فيما يلي:

استهداف مُتكرر

     لم يكن الهجوم الذي استهدف العرض العسكري الأخير في الضالع الأول من نوعه خلال عام 2019، حيث شهد العام ذاته هجمات مماثلة أعلنت جماعة الحوثي مسؤوليتها عنها، ففي أغسطس 2019، أعلن الحوثي مسؤوليته عن استهداف عرض عسكريً اٌقيم في معسكر الجلاء بمدينة عدن جنوب اليمن، وذلك عبر هجوم مشترك استخدم فيه الحوثي الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية متوسطة المدى.

 وأسفر الهجوم عن مقتل نحو 36 شخصا من بينهم قائد عسكري بارز، في السياق ذاته مثل استهدف الحوثيين لقاعدة العند (يناير2019) تحولا نوعيا، خاصة وأن الهجوم –آنذاك- مثل تحديًا واضحًا ومبكرًا لاتفاق ستوكهولم الذي نص على وقف اطلاق النار في عدد من المناطق التي شملها الاتفاق.

 ولجأ الحوثيون إلى تنفيذ هذا الهجوم عبر استخدام الطائرات المسيرة” قاصف k2″ وقد حملت الطائرة وقتها كمية من المواد المتفجرة التي انفجرت قبل وصولها للمنصة بنحو 20 مترًا، وقد أسفر الحادث عن سقوط نحو 6 جنود و 20 آخرين من بينهما عدد من القيادات العسكرية والمحلية البارزة.

وما يمكن ملاحظته من الهجمات الثلاث غياب الحذر وعدم التأني وتكرار الأخطاء فيما يتعلق بإقامة العروض العسكرية في مناطق لا تزال تشهد حالات تنازع وحرب ميدانية بين الحوثيين والجيش اليمني، الأمر الذي نجمه عنه استهداف عدد من القيادات العسكرية والميدانية البارزة وهو ما تكرر في الحالات الثلاثة، ناهيك عن وجود قاسم مشترك آخر بين الهجمات الثلاث ويتمثل في استغلال الحوثي للمرتفعات والجبال التي يُسيطر عليه لتحقيق الهدف من هجماته المختلفة، حيث تم الهجوم على قاعدة العند من خلال اقلاع الطائرة المسيرة من الجبال المحيطة بمديرية القبيطة وجبل جالس، بالمثل استغل الحوثي سيطرته على العود الاستراتيجي لتنفيذ هجوم الضالع، كما أن الهجمات الثلاثة تحمل مؤشرات لتنسيق عملياتي بين الحوثين والإخوان في اليمن.

وتزامن الهجوم مع مجموعة من السياقات والتحولات في المشهد اليمني وخاصة محافظات الجنوب، وعليه فإن الهجوم يتماشى بشكل كبير مع التحركات الحوثية الأخيرة والتي تستهدف إعادة الانتشار في الجنوب ونقل الصراع لتلك المناطق، خاصة في أعقاب ترتيبات اتفاق الرياض والذي يسمح للمملكة العربية السعودية بتولي زمام الأمور واستعادة الأمن والاستقرار هناك، وهو ما يوفر على الحوثي ويسهل من مهمته في توجيه الضربات لأهداف سعودية، الأمر الذي قد ينتج عنه اشتعال المواجهة في الجنوب بشكل خاص والداخل اليمني بشكل عام خلال الفترات القادمة.

انطلاقا مما سبق يمكننا الوقوف على جملة من الدلالات الناجمة عن هجوم الضالع وذلك فيما يلي:

  • الحاجة لتعويض الخسائر الميدانية، تمثل الضالع جبهة ومحورًا استراتيجيًا مهما لمن يسيطر عليها، وتشكلت خارطة النفوذ فيها حتى وقت قريب بصورة أشبه بتقاسم النفوذ بين الحكومة الشرعية وجماعة الحوثي، إلى أن حدث عدة تطورات ميدانية اسفرت عن تراجع نفوذ الحوثي الميداني مقابل سيطرة الجيش اليمني والحكومة اليمنية على مساحات أوسع في الضالع، فخلال المرحلة الأخيرة تمكنت القوات الجنوبية المشتركة من تحرير عدد من المناطق الاستراتيجية شمال وغرب الضالع والتي كانت تقع تحت سيطرة الحوثيين وعليه تأتي هذه الهجمات وما يقوم به الحوثي مؤخرًا من نشر منصات صواريخ له في الضالع تماشيًا مع رغبته في تعويض الخسائر الميدانية التي مُنيت بها الجماعة، في محاولة لإرباك المشهد وخلط الأوراق في ظل عزم القوات اليمنية على تحرير كافة المناطق شمال وغرب الضالع وصولًا لتأمين إب وعدد من المناطق الحيوية التي يسيطر عليه الحوثي وفي مقدمتها جبال العود الواقعة بين محافظتي إب والضالع.
  • استمرار التصعيد، يُعد الهجوم الحوثي على العرض العسكري في الضالع فصلًا جديدًا من تصعيد متوقع خاصة في مناطق الجنوب، وهو ما يدعم الفرضية الرامية إلى تحول الصراع جنوبًا في الفترات القادمة، خاصة وأن طهران باعتبارها الوكيل الحصري لجماعة الحوثي تستهدف السيطرة على المناطق الحيوية في الجنوب، إذ أن مزيدًا من النفوذ في الجنوب قد يحقق الكثير من أوراق الضغط والمساومة التي يمكن أن تعزز من موقف إيران في الملفات المستقبلية، خاصة إذا ما تمكنت عبر الحوثي من مواصلة تهديدها لحركة التجارة العالمية عبر باب المندب.
  • اختبار القدرات العسكرية، يمكن النظر للهجوم وتداعياته والنمط الذي تم به، على أنه محاولةً حوثية لتأكيد على قدراتها العسكرية المتنامية واختبارًا لما قد تكون عليه المواجهة في المراحل القادمة، خاصة بعدما أعلن الحوثي أن عام 2020 سيكون عامًا للدفاعات الجوية، الأمر الذي يحتاج إلى مزيد من الإجراءات الاحترازية خاصة في يرتبط بالمناطق والمنشآت والاهداف الحيوية التي يمكن أن تصبح هدفًا للحوثي، في ظل ما وصفه يحي سريع -المتحدث العسكري لجماعة الحوثي- باستراتيجية ” الوجع الكبير” والتي تقوم بالأساس على تطوير استراتيجيات الردع وتعزيز الصناعات العسكرية والمخزون الاستراتيجي للجماعة، مع توسيع قاعدة وبنك الأهداف الموجهة للداخل أو الخارج، حيث تم تقسيم هذه الأهداف إلى ثلاثة مستويات بحسب الأهمية، وقد أشار في حصاد الجماعة العسكري لعام 2019 إلى أن هناك 9 أهداف تقع ضمن المستوى الأول للجماعة في المرحلة القادمة من بينها 6 أهداف في الداخل السعودي مقابل 3 في الإمارات.
  • إرباك المشهد الجنوبي، يأتي الهجوم الحوثي والتصعيد في الجنوب بشكل عام كمحاولة لإرباك المشهد والحيلولة دون جني ثمار مرحلة ما بعد اتفاق الرياض الذي من شأنه أن يستعيد الأمن والاستقرار في الجنوب، خاصة في ظل الانفراجة الأخيرة والأحاديث حول تشكيل لجان مشتركة بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه في الرياض والعمل على توحيد الجبهات والفواعل الرئيسية في المشهد ضد الحوثيين من أجل انهاء الانقلاب الحوثي ومن ثم تسوية الأزمة، وعليه يعمل الحوثي عبر هذه الهجمات على استعادة التوتر في الجنوب واستثمار المشهد في تحقيق انتصارات ميدانية تخدم اغراضه، الأمر الذي يحتاج إلى الإسراع في تنفيذ الترتيبات الأمنية والعسكرية والسياسية التي فرضها اتفاق الرياض، خاصة في ظل تلاقي عدد من المصالح والأطراف التي تسعى للنيل منه، وهو ما برز مؤخرًا عبر ما يُعرف بــــــ ” مجلس الإنقاذ الوطني الجنوبي” المدعوم من تركيا وقطر والذي تأسس في(اكتوبر2019) ويضم أصواتًا تعارض جهود التحالف العربي في استعادة الأمن والاستقرار في اليمن، وعليه يمكن أن تشهد الفترات القادمة مزيد من التنسيق الميداني المعتاد بين الحوثي والإخوان من خلال هذا الكيان، بحيث ينتج عن هذا التنسيق سيطرة حوثية على جبهات أب والضالع مقابل تمتع الإخوان بنفوذ كبير في تعز.

مجمل القول، يظل المشهد اليمني معقدًا ومتشابكًا بشكل كبير، وتظل عمليات تبادل النفوذ والسيطرة الميدانية قائمة دون قيام طرف بالحسم والسيطرة الكاملة على حساب الأخر، فعلى الرغم من بسط التحالف العربي والحكومة الشرعية نفوذها على مساحات شاسعة من الجنوب والشمال اليمني، إلا أن سيطرة الحوثي على بعض المناطق الحيوية والاستراتيجية تساهم بشكل كبير في استمرار تأزم الموقف.

Scroll Up