نشر مركز الأمن الأمريكي الجديد  The Center for a New American Security دراسة بعنوان: ضرب الأمريكيين في لعبتهم “Beating the Americans at their Own Game” للباحثان  روبرت وورك Robert O. Work، الزميل البارز بالمركز والذي عمل كنائب وزير الدفاع الأمريكي سابقاً ، وجريج جرانت Greg Grant، الباحث البارز بالمركز وسبق له العمل كمساعد خاص للسيد وورك والمسئول عن تطوير استراتيجية الإزاحة الثالثة Third Offset Strategy.

تدور الدراسة حول الاستراتيجيات التي تعتمد عليها كلاً من الولايات المتحدة والصين لتحقيق التفوق على الطرف الآخر واستيعاب تمدده ونفوذه، كما تناولت مقترحات بشأن تطوير استراتيجية أزاحة Offset Strategy أمريكية جديدة.

اتجهت أغلب التحليلات إلى انحسار النظام الدولي الأحادي القطبية الذي تسيطر فيه الولايات المتحدة على مجريات الأمور، في مقابل تزايد دور أطراف دولية أخرى، وعلى رأسهم خصما الولايات المتحدة الآساسيين روسيا والصين.

وفي هذا السياق، تبرز الصين كقوة دولية مرشحة بقوة لأن تُصبح قوة مهيمنة، وذلك بفضل النمو الاقتصادي المُتسارع والتطور التكنولوجي الفائق؛ وكذا القوة العسكرية المتزايدة، لذلك، يُمثل تزايد القوة الصينية الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية تهديدًا للقوة والنفوذ الأمريكي حول العالم، بطريقة أصبحت تتطلب استراتيجية أمريكية مُبتكرة للتعامل معها.

الحرب الباردة:

أوضحت الدراسة أنه خلال الحرب الباردة تبنت الولايات المتحدة استراتيجيتين للإزاحة Offset Strategies للتعامل مع خصمها الأساسي “الاتحاد السوفيتي”. تقوم الاستراتيجية الأولى، طبقًا لما تبناه أيزنهاور، على الاعتماد على الأسلحة الذرية لمواجهة تهديدات حلف وارسو. وقد تم تقويض القوة الرادعة لهذه الاستراتيجية لسببين، الأول: تزايد قوة الترسانة النووية السوفيتية، الثاني: قيام الإتحاد السوفيتي بتحديث قوته الهجومية التقليدية. الأمر الذي دفع الولايات المتحدة إلى تبني الاستراتيجية الثانية كنتاج لبرنامج التخطيط طويل المدى الخاص بالبنتاجون للبحث والتطوير (LRRDPP).

ولم تضطر الولايات المتحدة إلى اختبار هذه الاستراتيجية في مواجهة حقيقية مع الاتحاد السوفيتي في أوروبا. لكنها اختبرتها في حرب الخليج الثانية 1991، استنادًا إلى أن العراق يحارب بأسلحة وعقيدة سوفيتية. ومن ثم، فإن التخطيط للحروب في ظل ظروف التكنولوجيا المتقدمة أصبح قائمًا على افتراضين رئيسيين، أولاً: الحروب محدودة في النطاق الجغرافي والمدة والأهداف، ثانيًا: استخدام أسلحة عالية التقنية وموجهة، كتلك التي ظهرت خلال عاصفة الصحراء.

الصين كقوة دولية:

أشارت الدراسة إلى أنه على الرغم من أن الصين كانت شريكًا استراتيجيًا بحكم الواقع للولايات المتحدة خلال العقدين الأخيرين من الحرب الباردة، إلا أن انهيار الاتحاد السوفييتي جعل من الولايات المتحدة تهديدًا استراتيجيًا للمخططين العسكريين الصينيين.

منذ حوالي عام 1885، لم تواجه الولايات المتحدة مطلقًا منافسًا أو حتى مجموعة من المنافسين يتجاوز إجمالي الناتج المحلي (GDP) الخاص بهم الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة سوى الصين. وأوضحت الدراسة أنه منذ الحرب العالمية الثانية، إعتمدت الولايات المتحدة على التوازن التقني العسكري لتعويض الميزة العددية في القوى التقليدية التي غالبًا ما يتمتع بها خصومها ومنافسوها. لذلك، قرر الصينيون تطوير استراتيجية إزاحة Offset Strategy ذات خصائص صينية، تقوم على تجنب تعويض المزايا العددية للولايات المتحدة، مقابل تعويض الميزة التكنولوجية التي تتمتع بها الولايات المتحدة بطريقة أو بأخرى.

أوضحت الدراسة أن القيادة الصينية حددت مجموعة من الأهداف، أبرزها، وصول جيش التحرير الشعبى الصينى إلى التحديث الكامل Fully Modernized بحلول عام 2035، ورفع جيش التحرير الشعبى الصينى إلى القوة العسكرية الأولى في العالم بحلول الذكرى المئوية لجمهورية الصين الشعبية في عام 2049. كما وضعت خطة الجيل التالي من تطوير الذكاء الاصطناعي The Next Generation Artificial Intelligence Development Plan  كون الصين ستصبح دولة رائدة عالميًا في مجال الذكاء الإصطناعي والتقنيات المرتبطة به بحلول عام 2030، وهي خطوة حاسمة في طريق تحقيق “قوة ذكية”. كما تتجه لتطوير جيش حديث للقتال لكسب ما تسميه “الحرب الذكية” القائمة على المنافسة الخوارزمية، والتي يرى قادة الجيش الصينى أنها طريقهم إلى التفوق التكنولوجي المباشر.

كما ذكرت الدراسة أن نفقات البحث والتطوير في الصين شهدت “زيادة تقارب 30 ضعفًا من عام 1991 إلى عام 2015 – من 13 مليار دولار إلى 376 مليار دولار – بمعنى أنها تُنفق على البحث والتطوير أكثر من اليابان وألمانيا وكوريا الجنوبية مجتمعة. بالإضافة إلى سياسة الانصهار المدني – العسكري، حيث لم تعد الصين مجرد مُقلد وناقل سريع للتكنولوجيا، إذ أصبح ابتكار “صنع في الصين” حقيقة قائمة.

على نطاق أوسع، يبدو أن الصين تقود المنافسة التقنية العسكرية في مجالات مهمة مثل علوم الكم، والتكنولوجيا الحيوية، والصواريخ الباليستية والصواريخ كروز. كما أصبحت رائدة في مجموعة من التقنيات الجديدة، بما في ذلك الحوسبة الكمومية، والروبوتات، والجينات، وغيرها.

أوضحت الدراسة أن استراتيجية الإزاحة Offset Strategy الصينية تدور في 5 خطوط رئيسة:

–       التجسس الصناعي والتقني والانصهار المدني – العسكري.

–       تطوير المفاهيم والقدرات التي تُمكنها من شن “حرب تدمير النظم”، نظم القيادة والسيطرة والاتصالات والاستخبارات.

–       القدرة على الهجوم بشكل فعال أولاً عن طريق ترسانة الصواريخ ذات الدقة الطويلة وأنظمة الاستهداف المتقدمة التي توفر احتمالًا كبيرًا لاختراق دفاعات الشبكة الأمريكية في المراحل الأولى من الصراع.

–       تطوير قدرات “Assassin’s Mace” – ما تسميه وزارة الدفاع الأمريكية بـ “القدرات السوداء” – التي يتم الاحتفاظ بها كإحتياطي حتى يتم الكشف عنها في حالة الحرب، لمفاجأة الخصم بهجمات غير متوقعة.

–       ريادة العالم في مجال الذكاء الاصطناعي، وتسخيره لتحقيق تفوق عسكري.

استراتيجية الإزاحة المقترحة:

         قدمت الدراسة بعض المقترحات التي تُفيد في استراتيجية الإزاحة الجديدة باعتبار أنها يجب أن تكون جزء من مبادرة الإبتكار الدفاعي Defense Innovation Initiative، للحيلولة دون تراجع الردع الأمريكي ضد كلاً من روسيا العائدة والصين الناشئة. لذلك، رأت الدراسة أنه كان من الأحرى أن يكون إعلان وزير الدفاع السابق هاجل في نوفمبر 2014 إن الهدف الرئيسي لمبادرة الابتكار الدفاعي هو “قلب استراتيجية الازاحة الصينية” حيث تحتاج الولايات المتحدة إلى التفوق على الصينيين بل وأن تتجاوزهم.

       شددت الدراسة على ضرورة قيام الولايات المتحدة بتطوير المفاهيم والأنظمة والمنصات التشغيلية للسماح للقوات الأمريكية المشتركة بالإنتصار على المحاولات الصينية المنسقة لتفكيك وتدمير الشبكات الأمريكية. كما أكدت على ضرورة تطوير المفاهيم والأنظمة والمنصات التشغيلية للسماح للقوات الأمريكية المشتركة بإطلاق النار أولاً، وبطريقة فعالة. وبلورت ضرورة الاستجابة لتحدي الذكاء الاصطناعي الصيني وضمان التفوق الأمريكي في هذه المنافسة التكنولوجية الحرجة.

       وأوضحت الدراسة أنه للقيام بذلك، يجب على البنتاجون تكريس المزيد من الطاقة الفكرية لتحديد عدم التناسق في استراتيجية الإزاحة الصينية حتى يمكن استغلالها لتحقيق ميزة تنافسية. كما ينبغي وضع استراتيجية للكشف عن قدرات أو مفاهيم جديدة تهدف إلى إضعاف ثقة الصين في قدراتها على تحقيق نتائج عسكرية. كما يجب أن تستند هذه التحركات إلى فهم لحسابات صنع القرار التي تتبعها القيادة الصينية، وتقييم نظرية النصر في الصين وكيفية مواجهتها. من الأهمية بمكان لمثل هذا الجهد فهم تفصيلي لكيفية نظر الصين إلى نقاط القوة والضعف الخاصة بها.

       وشددت الدراسة على أنه لا يكفي امتلاك أفضل التقنيات،  مشيرة إلى ما ذكره المؤرخان وليامسون موراي وآلان ميليت، أثناء دراستهما للإبتكار العسكري قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية، أن “القضية الحرجة هي تحقيق”مؤامة” أفضل بين الأجهزة والمفاهيم والعقيدة والمنظمات أكثر من الخصوم المحتملين. في هذه البيئة الأمنية، حيث تسعى كل من الصين والولايات المتحدة إلى الحصول على ميزة عسكرية – تقنية مهيمنة، فإن الجانب الذي يجد “المؤامة” الأفضل بين التكنولوجيا والمفاهيم التشغيلية من المرجح أن يُهيمن.

وختامًا، يبدو من العرض السابق أن الدراسة استهدفت إبراز تراجع القوة والهيمنة الأمريكية، في مقابل صعود النفوذ الصيني وتزايد القوة الصينية. ومن ثم، فليس صحيحًا ما إدعاه بعض المحللين بأن الفضاء الإلكتروني السيبراني” سيُمثل ساحة جديدة من ساحات الهيمنة الأمريكية أو أداة جديدة من أدوات القوة الأمريكية، بل على العكس من ذلك، سمح الفضاء الإلكتروني لخصوم الولايات المتحدة بتجاوز الفروق في القوة التقليدية والنفوذ الميداني، بل وسمح أيضًا بتهديد الولايات المتحدة في عُقر دارها وداخل مجالها الجيوستراتيجي، لذلك، فعلى الولايات المتحدة أن تتعامل مع هذه البيئة الجديدة بإستخدام استراتيجية أوسع وأكثر مرونة، قائمة على حسابات مختلفة للضعف والقوة، والمكسب والخُسارة.

Scroll Up