تهدف الدراسة والمعنونة باسم “الحرب الجديدة للأفكار: دروس مكافحة الإرهاب لمواجهة حملات تضليل المعلومات” The New War of Ideas Counterterrorism Lessons For The Digital Disinformation Fight، والتي قامت بها كارا فريديريك Kara Frederick وأصدرها مركز الأمن الأمريكي الجديد CNAS، إلى الاستفادة من النجاحات ودروس مكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة لمواجهة حملات تضليل المعلومات لتحولها الدراسة إلى توصيات لتطبيق تلك الدروس في مواجهة الحملات الخارجية الساعية لهدم مفاهيم الثقة في العملية الديموقراطية، وتوجيهها إلى كل من القطاعين العام والخاص وذلك في إطار فكرة أن الشعوب هي محور استقرار النظام العالمي في ظل ثورة تطور تكنولوجي دخلت بدورها في المجال السياسي والصراع والتحكم.

أطلقت الأدارة الأمريكية إصلاحات جوهرية التنظيمية والتشريعية والسياسات على المستوى الفيدرالي عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، كان منها في المجال التكنولوجي ما قامت به شركات التوصل الاجتماعي إلى التوصل لحلول بشأن انتشار المحتويات الإرهابية على الإنترنت. وبالتالي، خلصت الدراسة إلى تقديم إطار منهجي لمواجهة حملات تضليل المعلومات الخارجية بناء على دروس مكافحة الإرهاب وهي: تحسين تكنولوجيا التعرف على محتوى حملات تضليل الخارجية، وزيادة التعاون بين الشركات، وبناء شراكات بين الحكومة والقطاع الخاص عبر تبادل الخبراء، التركيز على سياسة الهجوم وتكريس الموارد للحيلولة دون تقدم الخصم، والاستفادة من معارف الحلفاء الأمريكيين.

استراتيجيات التهديد

إرتكزت الدراسة على تعريف مفهوم تضليل المعلومات بأنه النشر المتعمد لمعلومات كاذبة أو مضللة، بناء على هذا المفهوم، يجب التركيز على الفاعلين والآليات والتقنيات التي يتبعونها مثل حملات التضخيم الإعلامي عبر السرديات والقصص، والاستهداف الدقيق من خلال تغذية إعلانات تمس التفضيلات الإيديولوجية لدى الأفراد. أما الفاعلين الواقفين وراء حملات التضليل، فقد تباينوا ما بين دول راعية لها، والتي ركزت عليها معظم الأبحاث ووسائل الإعلام، مشيراً إلى نماذج روسيا والصين والمكسيك، وفاعلين من غير الدول مثل المنظمات غير الحكومية والإعلام المحلي والقوي ذات التأثير الخارجي التي تستهدف دحض المؤسسات الديموقراطية وقيم المجتمع المفتوح مثل منظمة Legion Holk في المكسيك.

أما التهديد الثاني فهو تعميق حالة الاستقطاب السياسي، والموجودة بالفعل في المجتمع الأمريكي، الأمر الذي يمثل القابلية لدعم الدور الاستقطابي للمعلومات وخاصة الإشاعات في وسائل الإعلام التقليدية والتواصل الاجتماعي؛ فالاستقطاب السياسي يمنح الفرصة للهيئات الأجنبية لتحفيز الانقسام في المجتمع الأمريكي.

أما الاستراتيجية الثالثة فهي تعتمد ليس على الإشاعات وإنما المعلومات الحقيقية من خلال قرصنة البريد الإلكتروني وفضح تلك المعلومات الحقيقية وتمريرها في تيار معلومات مغلوطة بهدف هدم الثقة في المرشحين، والتي تعتمد على خداع الهدف للإفصاح عن معلوماته عبر البريد الإلكتروني والاستفسار عن المعلومات بصورة تبدو شرعية.

وأخيراً، تهدف الاستراتيجية الرابعة إلى قرصنة البنية التحتية للانتخابات مثل أجهزة التصويت أثناء عمليات فرز الأصوات وقواعد بيانات الناخبين ونتائج استطلاعات الرأي للتشكيك في سلامة العملية الانتخابية، حيث عملت التقنيات الرقمية الحديثة على استحداث نقاط ضعف جديدة وفتح طرقًا جديدة للتخريب على المستويين المعرفي والرقمي.

استراتيجيات المواجهة:

تعتمد تلك الاستراتيجيات على اقتراب خماسي لمواجهة حملات تضليل المعلومات وذلك من خلال تعرف شركات التواصل الاجتماعي على الآليات التي تجعل منصاتها معادية للمحتوى الإرهابي وتضييق مساحة عملها، ومن ثم تطبيقها على حملات التأثير التي ترعاها الدول، وذلك من خلال حث شركات التقنية، على المدى البعيد، على توجيه نسبة من قدراتها الفنية إلى عملية تحديد حملات تضليل المعلومات التي ترعاها الدول حيث يمكن لتلك الشركات الاستفادة من الممارسات والتقاليد الحالية، مثل Facebook

وHackathons  لتحديد النماذج الأولية المبنية لهذا الغرض المحدد.

ثانيا، بزيادة التعاون بين الشركات بين شركات فيسبوك ويوتيوب وتويتر وميكروسوفت عام 2016 وتكوين قاعدة بيانات مشتركة لتحديد المحتويات الإرهابية بشكل آلي ووقف بثها وتعقبها. وبالتالي يأتي تطبيق هذا الاقتراب في مجال مكافحة حملات تضليل المعلومات بتوصية شركات التكنولوجيا إنشاء وتمويل إتحاد دائم لإكتشاف المعلومات المضللة ووقف بثها قبل نشرها. ولن يكون الهدف هو زيادة الاكتشاف الآلي لمحتوى التضليل بين المنصات فحسب، بل التحرك أيضًا نحو وضع معايير بشأن أسباب تشكل المعلومات المضللة، كما يمكن أن يتبع التعاون على أساس تقني إمكانية التوسع في الكيانات الوظيفية ذات الصلة.

أما التوصية الثالثة، فهي موجهة إلى شركات التكنولوجيا والإدارة الأمريكية، من خلال تبادل المعلومات والمحللين، لتوجه هذه التفاعلات إلى إمكانية إنشاء هيئة شاملة تتمثل مهمتها في مواجهة التأثير الخارجي لحملات تضليل المعلومات والرد عليها بحيث يقوم مكتب مدير الاستخبارات الوطنية ODNI، بالتنسيق مع القطاع الخاص، بتعيين هيئة من ممثلي الوكالات المشتركة لإنشاء وتمويل خلايا تقوم بدمج محللي القطاعين العام والخاص على أساس طوعي.

كما ستعمل تلك الخلايا تحت مظلة ODNI وتكون بمثابة خطوة أولية للشروع تعيين هيئة مشتركة بمستوى أعلى لمعالجة تهديد حملات التأثير الأجنبية في المجال الرقمي، فضلاً عن إعارة شركات التواصل الاجتماعي خبرائها ومحلليها لهيئات الاستخبارات الوطنية.

كما وجهت الدراسة التوصيتين الرابعة والخامسة إلى هيئات الإدارة الأمريكية حيث إستندت الرابعة على منهجية تطبيق صانعى السياسات لفلسفة لمكافحة الإرهاب مبنية على الضغط المستدام لخلق بيئة تشغيل غير متهاونة في التعامل مع حملات تضليل المعلومات، وهو ما يشبه مفهوم الإحتكاك التكتيكي، المنصوص عليه في الرؤية الأمريكية في مارس 2018 للقيادة السيبرانية ، إلى جانب “الاشتباك المستمر” الذي يفرض تكاليف استراتيجية على الخصوم، وتضطرهم إلى تحويل مواردهم إلى الدفاع للحد من الهجمات، حيث ينبغي أن تتوسع السلطة التنفيذية في استراتيجيتها للأمن السيبراني وسلطات CYBERCOM للقيام بعمليات إلكترونية عاجلة هجومية تفرض تكاليف على الخصوم الأجانب.

أما التوصية الخامسة فهي المستندة على حلفاء الولايات المتحدة، مثلما يجري تعزيز مساهمات حلف الناتو في الحرب على الإرهاب خاصة عملية جمع المعلومات الاستخباراتية. وتقول الدراسة أنه ينبغي على الولايات المتحدة أن تتشاور مع حلفائها الديمقراطيين لتبادل تجاربهم الخاصة في مواجهة حملات التضليل المعلوماتية الخارجية والشروع في تخفيف القيود المفروضة على التدابير السيبرانية الهجومية. كما توصي أن تستخدم الولايات المتحدة الآلية نفسها لإنشاء إطار رسمي لتزويد آلية CYBERCOM بنتائج تبادل المعلومات وتوصيات العمل.

وفي الختام، فإن الملامح الرئيسية لاستراتيجية مكافحة الإرهاب الأمريكية يمكن أن تتماشى من الناحية النظرية مع مواجهة حملات تضليل المعلومات، لكنها لا تترجم بشكل كامل إلى ساحة المعارك الرقمية الأكثر ضبابية، حيث تلعب حملات المعلومات المضللة الواسعة النطاق على قابلية الأفراد علي القبول بعملية التلاعب وزرع الفتن وزعزعة الثقة في النظام الديمقراطي بأكمله، الأمر الذي يضع على الولايات المتحدة عاتق تعبئة العديد من جوانب المجتمع لمواجهتها، واستدامة الثقة في المؤسسات الديموقراطية.

Scroll Up