عرض: عمر الحسيني

يحاول الكتاب شرح أزمة التعددية الثقافية في أوروبا وتطورها منذ بداياتها. وهو موضوع شاق ومليء بالرؤى والفرضيات المختلفة والتصادمية أحيانا. ويحاول الكتاب تصحيح المغالطات عن بعض المفاهيم الخاصة بالأزمة مع تأكيد أنها مشكلة متأصلة لم تظهر فقط مع موجات الهجرة القادمة من الشرق الأوسط مؤخرا بعد الربيع العربي ولا مرحلة 11 سبتمبر 2001 ولا حتى إنشاء الاتحاد الأوروبي بل تمتد جذورها منذ أصول القومية الأوروبية والحروب الصليبية.

ويأخذ الكتاب على عاتقه تحليل النقاشات الحالية في أوروبا حول الهجرة ومدى تعارضها وتوافقها مع القيم الغربية لخلق صورة حية لقارة تستهلكها التوترات الاجتماعية. وإن طرحت الكاتبة الماليزية ريتا تشين العديد من الأسئلة والأطروحات في كتابها الصادر عام 2017 ، إلا أنها لم تعط إجابات كاملة لها. تاركة الوضع القائم والأحداث المستجدة في قارة أوروبا لتجيب عنها. في إشارة من الكاتبة بالحنين الملح من الأوروبيين والأمريكيين بالعودة إلى مرحلة ماضية في التعامل مع التنوع والتعددية.

تعمل الكاتبة أستاذة للتاريخ بجامعة ميتشيجن منذ عام 2003 كما حصلت على دراساتها الجامعية والعليا من جامعات أمريكية أخرى. وهي مختصة بالتاريخ الأوروبي الحديث والهجرات السلالية والعرقية. كما يشغل اهتمام الكاتبة أوروبا ما بعد الحرب العالمية قضايا المساواة واليسار الأوروبي واليسار الجديد. وهو ما يفسر العديد من أرائها داخل الكتاب والتي تميل لوجهات النظر اليسارية عن الأخرى اليمينية.

إذ أن الكاتبة ترى أن السياسات الخاصة بالهجرة في أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم لم تركز على المصالح الاقتصادية لدول القارة العجوز بل وضعت بناء على المخاوف المتزايدة من الإسلام الراديكالي على سبيل المثال.

ويتناول الكتاب تساؤلات صاحبته عن كيفية تعامل الأوروبيين مع التعددية في الوضع الحالي بعد موجات الهجرات الأخيرة وعن استعدادهم للتعامل مع التعدد العرقي المنتشر في العديد من البلاد الأوروبية. كما سخرت فصول الكتاب الأخيرة لإبراز العيوب في نسخ التعددية الثقافية التي تعزز نظرة المجتمعات العرقية باعتبارها متجانسة وفي استبعاد الأقليات المهاجرة.

كما يتناول الأحداث التاريخية التفصيلية للمحطات المهمة لكل ما يتعلق بتلك القضية في تفصيل وربط علمي متقن لم يشوبه التحيز في سرده وإن اتجه كما أسلفنا الذكر للتفسير اليساري أثناء تحليل بعض هذه المحطات مع إغفال الطرح اليميني القومي المعبر عن بعض القوى السياسية والشعبية.

وهو ما جعل الكتاب يحصل على العديد من الاستحسان من الجمعيات والمؤسسات والأحزاب المائلة لليسار والداعمة للاجئين وسياسات دمجهم في المجتمع الأوروبي. واصفين إياه بالكتاب الذي لا غنى عنه والكتاب الذي جاء في الوقت المناسب.

ويبدو للوهلة الأولى أن ريتا تشين تقدم كتابها للأكاديميين بحكم عملها وبحكم اختيار الموضوعات والمصطلحات ومحاور الكتاب. إلا أن لغة الكتابة بسيطة وميسرة لكل قارىء مهتم بالأزمة, وهو ما دفع حتى المختلفين مع وجهة نظرها في مدح أسلوب العرض المبني على أدلة دون خطابات عاطفية وشعارات رنانة غير عملية.

وقارن بعضهم هذا الأسلوب الأكثر احترافا بكتب أخرى مثل “عصر الغضب: تاريخ الحاضر”Age of Anger: A History of the Present” لصاحبه الهندي الجنسية بانكاج ميشرا. مع الإشارة بأن ميشرا نفسه أعلن إعجابه الشديد بكتاب ريتا تشين في مراجعته عنه.

إن الأزمة المعني بها الكتاب تهم الطرفان المتضادين سياسيا بالفعل ، إلا أن طريقة تناول كل طرف للحل هي ما تزيد من عمق تلك الأزمة. وهي الأزمة التي انفجرت فعليا عندما أعلنتها أنجيلا ميركل وديفيد كاميرون في عام 2010، قبل أن يرددها زعماء أوروبيون آخرون، والتي أعقبت ستين عاما من الهجرة المتزايدة إلى أوروبا.

وبينما يخدم هذا الكتاب بشكل جيد تاريخيا المنظور الدقيق للعمل السياسي الرسمي المتصل بسياسات وقواعد الهجرة ، إلا انه ركز بالأساس على أربع دول أوروبية هم ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة وهولندا بين عامي 1950 و 2010 مع الاشارة لبوادر صعود الازمة مجددا في 2015. أي أنه تجاهل جميع البلدان الأوروبية الأخرى وتجاهل أي شيء لا يشكل جزءا من العمل السياسي الرسمي كما أهمل التركيز على كل ما حدث منذ عام 2010 حتى تاريخ صدور الكتاب عام 2017. ولكن من ناحية أخرى، فإن الكتاب يقدم رؤية واحدة ذات صلة وثيقة للغاية ببعضها البعض على مدار التطور التاريخي. وربما كانت تلك أكبر نقاط قوته.

يبدأ الكتاب بالحديث عن ولادة أوروبا متعددة الثقافات، والتي حددتها المؤلفة في فترة إعادة البناء مباشرة بعد الحرب. وبينما تتحدث تشين فقط عن ما يتعلق ببلدان تركيزها الأربعة، كانت القصة نفسها صحيحة في جميع أنحاء أوروبا بدرجات. كانت أوروبا الغربية بحاجة إلى عمالة منخفضة المهارة ومنخفضة التكلفة، لذلك تم استيراد العمال من دول بها فائض من هذا القبيل – كل من البلدان الأوروبية الأكثر فقرا، مثل إيطاليا ويوغوسلافيا، وكذلك الدول الإسلامية، وخاصة تركيا.

وازدادت الهجرة بنهاية الاستعمار، حيث عاد المستعمرون السابقون إلى وطنهم، سواء الجزائريون إلى فرنسا، أو الأفارقة والآسيويون الغربيون والهنود الشرقيون إلى المملكة المتحدة، أو من إندونيسيا إلى هولندا. وترى تشين أن الهجرة الحديثة اليوم تختلف عن ابقتها بعد الحرب العالمية وما قبلها واصفة إياها بأنها لم يسبق لها مثيل من حيث الكم والجودة.

ثم قضت المؤلفة وقتا طويلا في تحديد تفاصيل تعامل كل بلد تجاه هذا السيل ، مع ذكر الكثير من الأمور التقنية من الاشارة لمختلف المكاتب الحكومية. لكن النقطة الأساسية هي أنه لم يكن هناك أي إعلان عام من قبل أي فرع من فروع الحكومات في أي مكان على الطيف السياسي لصالح الهجرة من حيث المبدأ. على العكس من ذلك تماما كان العمال المهاجرين يتوقعون اعترافا رسميا وصريحا من قبل المسئولين بأن يكونوا من السكان المؤقتين. وذلك رغم السماح لهم باستدعاء أسرهم. وربما باستثناء فرنسا، كان من المتوقع في معظم الدول أن تتغير ثقافة المهاجرين وأن يحاولوا التتطبع، أو على الأقل التوافق مع الثقافة المحلية. إذ لم يكن هناك مفهوم بأن ثقافات المهاجرين كانت بأي حال من الأحوال شيئا مرغوبا في الحفاظ عليه أو يمكن أن تضيف قيمة إلى أوروبا.

واستمرت هذه المقاربات خلال الستينيات من القرن الماضي – حتى مع تزايد الشعور المعادي للهجرة في بعض المناطق ، لم يكن للحكومات مصلحة في طلب الهجرة إلى الخارج ، لأسباب متشابكة مختلفة تراوحت بين النفعية الاقتصادية البسيطة وعدم الرغبة في غضب بلدان المهاجرين الأصلية.

وفي نهاية الكتاب تشير ريتا تشين إلى التنافر الذي حدث على اليسار، حيث وجد أولئك الملتزمون لعقود من الزمن بـ “النسبية الثقافية والتعددية” أنه ليست كل الثقافات متساوية. هذا الصوت المنبثق الذي تسمعه هو رؤساء المفكرين اليساريين ينفجرون في جميع أنحاء أوروبا ، لا تستخلص المؤلفة من تلقاء نفسها أي استنتاجات قاطعة وذلك على الرغم من إيماءاتها الواضحة في اتجاه الحريات لإعطاء المزيد من السلطة للمهاجرين).

وفي نهاية المطاف ، تنكر الكاتبة نفسها وجود أي أزمة للتعددية الثقافية في أوروبا ما بعد 2010. على الرغم من التصريحات التي صدرت عن ميركل وكاميرون  والتي أشارت لها وبنت عليها جزء كبير من كتابها. فقد توسعت الهجرة الأجنبية وخصوصا من الدول العربية والإسلامية بشكل كبير منذ ذلك الحين، بناء على رغبة متعمدة وبتشجيع من جميع النخب الأوروبية لأسباب عديدة سياسية وثقافية.

كما أنها تثبت بشكل قاطع استمرار وتوسع سياسات الحكومة الأوروبية في الستين سنة الماضية في تشجيع الهجرة. ويبدو أن وجهة نظر الكاتبة هي أنه لا ينبغي القيام بأي شيء تجاه هذه الهجرة وأن هذا الوضع هو الأفضل ربما لأوروبا بشرط القبول الثقافي والنجاح في الدمج بصورة أفضل.

الكتاب بوجه عام يلخص لكل مهتم بالقضية وجهة النظر السياسية لمتبني الافكار اليسارية والليبرالية. كما يوضح بطريقة أكاديمية مبسطة كيفية تطور الوضع لهذه الازمة عبر التاريخ. وتبقى نقاط ضعفه في عدم الرد على الفرضيات التصادمية من وجهة نظر اليمينيين القوميين وعدم التركيز على الفترة بين 2010 و2017 رغم أهميتهم وغزارة الأحداث المتعلقة بتلك الازمة وازدياد مشاهد المواجهات حولها حتى وصلت للعنف المباشر في بعض الأحيان وفي بعض الدول التي لم تكن متعرضة لتلك المواقف قبلا.

 ومن هنا فان هذا الكتاب ، رغم فائدته الكبيرة وأسلوبه العلمي الشيق والمحترف في نفس ذات الوقت ، غير كاف للحكم على هذه الأزمة دون مراجعة شاملة وعرض لوجهات النظر الأخرى في الدول المذكورة والدول الأوروبية الأخرى لاسيما في مرحلة ما بعد 2015.


Scroll Up