عرض: هبه شكري

يعد الصراع العربي الإسرائيلي أحد أهم الصراعات التي شهدها القرن العشرين، وما زاد من تعقيده هو تشابك العامل التاريخي بالسياسي بالديني في سياقه؛ ومن هذا المنطلق تنبع أهمية كتاب “عرين الأسود: الصهيونية و اليسار من حنة أرندت إلى نعوم تشومسكي” والذي يحمل بين طياته أفكارا و رؤى حول علاقة اليسار السياسي بالصهيونية و من ثم مع دولة إسرائيل. وتلقي سوزي لينفلد الضوء من خلال كتابها  على تحول مثقفي اليسار اليهود في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية عن الدعم الثابت لإسرائيل، وتؤكد أن احتلال إسرائيل الأراضي التي استحوذت عليها في حربي 1967 و1973 كان عاملا رئيسيا في هذا التحول.

ويركز الكتاب على تعامل أبرز المثقفين حول العالم في منتصف القرن الماضي لأفكار الفلسفة الصهيونية ثم قيام دولة إسرائيل وصراعاتها مع العالم العربي عبر رصد نضالهم وتعاملهم مع بعض المفاهيم السياسية، مثل الاشتراكية والقومية والديمقراطية والاستعمار والإرهاب ومعاداة السامية، من بينهم: فرِد هاليداي، وألبير ممي، وآرثر كوستلر، وماكسيم رودنسون، إلى جانب أرندت وتشومسكي.

‏سوزي لينفلد، مؤلفة الكتاب، هي صحفية يسارية تعمل أستاذة بمجال الصحافة بجامعة نيويورك كما تعمل بمجلس إدارة مجلة “ديسنت”، وقد أصدرت العديد من الدراسات ذات الصلة باليسار والصهيونية، وكان أبرزها الدراسة المنشورة في ‏مجلة “ديسنت” بعنوان “هل اليسار الصهيوني ممكن؟” بالإضافة إلى مقال آخر لها بعنوان “الصهيونية وسخطها”.‏

الكتاب عبارة عن سلسلة من الأمثلة الفردية لمفكري اليسار البارزين الذين كتبوا باستفاضة عن واقع الدولة اليهودية، وترى الكاتبة العديد من العوامل المشتركة بين المفكرين الذين تم ذكرهم في الكتاب، حيث قتلت عائلات ‏كويستلر ودويتشر ورودنسون في معسكر أوشفيتزبألمانيا، كما عانى ألبرت ميمي من معاداة السامية التي نشأت في تونس، وعانت أردنت من الأمر نفسه في ألمانيا.

وكان العامل المشترك بين كافة المفكرين هو الشعور بالتهديدات التي تواجه الشعب اليهودي. ومع ذلك ، عارض العديد منهم الممارسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين ورفضوا الاحتلال الإسرائيلي، وألقوا باللوم على إسرائيل وحملوها مسئولية الرفض العربي لها.

                من الدعم إلى معاداة الصهيونية‏

يركز الكتاب على تحول آراء مثقفي اليسار اليهود في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية من “دعم حازم” ‏لإسرائيل إلى “التنصل الغاضب” من الممارسات الإسرائيلية، واعترف العديد من المفكرين اليساريين بأن احتلال إسرائيل لبعض الأراضي بعد حربي 1967 و ‏‏1973 كان عاملا رئيسيا في هذا التحول، كما رأوا أن السياسات الإسرائيلية الحالية لا تعبر عن أفكار الحركة الصهيونية ولكنها أضرت بها وأثرت على إقامة دولة ديمقراطية كما كانوا يأملون.

وأدانت لينفيلد، التي تصف نفسها كـ”صهيونية يسارية”، الممارسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في كتابها ووصفتها بـ “انتهاكات حقوق الإنسان المروعة”.

اليسار والحداثة

 وخلال كتابها، تناولت لينفلد آراء بعض الفلاسفة والمؤرخين والصحفيين والناشطين، مثل حنة أرندت وآرثر كويستلر وإي إف ستون ونعوم تشومسكي في تعاملهم مع الحركة الصهيونية، كما ركزت على نضالهم مع أكبر المعضلات السياسية في تلك الفترة مثل الاشتراكية والقومية والديمقراطية والاستعمار والإرهاب ومعاداة السامية.

وتناول الكتاب اثنين من المفكرين الأوروبيين هما حنة أردنت وآرثر كوستلر الذين جاءوا مع صعود النازية؛ واشتراكيين وهم ماكسيم رودنسون وألبرت ميمي وفريد هاليداي؛ واثنين من الأمريكيين وهما ‏آي. ف. ستون ونعوم تشومسكي.؛ وهم جميعهم من اليهود الذين  كتبوا بشكل مطول عن التاريخ اليهودي الذي كان يتكشف أمام ‏أعينهم، كما كتبوا عن مكانة اليهود في العالم الحديث .وتحاول الكاتبة الإجابة على سؤال أساسي خلال الكتاب، ألا وهو كيف واجه هؤلاء المفكرون اليساريون الحداثة في تلك الفترة، وكيف أصبح اليسار المعاصر معاديا للصهيونية في ذات الوقت الذي تحولت فيه إسرائيل إلى اليمين.

السياق التاريخي للصراع

تتناول لينفلد الصراع العربي الإسرائيلي من خلال سياق تحليلي تاريخي، حيث ترى أن العودة للتاريخ هي الطريقة الأمثل لفهم السياسة الحالية، خاصة وأن هذا الصراع مرتبط بشكل أساسي بالتاريخ ولا يمكن مناقشته دون الأخذ في الاعتبار للظروف التاريخية.

وتشير الكاتبة في بداية الكتاب إلى مزج العديد من اليهود بين الهوية اليهودية وبين الاهتمامات اليهودية العالمية، وترى أن هناك إشكالية كبيرة حدثت بسبب هذا المزج. كما ترى أن إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية هو أمر لا بد منه لإحداث إصلاح سياسي و أخلاقي في إسرائيل.

حنة أردنت .. من التأييد للمعارضة

بدأت الكاتبة بذكر حنة أردنت، وهي منظرة سياسية و باحثة يهودية من أصل ألماني، وتعتبر الأكثر شهرة وتأثيرا بين المفكرين الذين تم ذكرهم بالكتاب. وقد تشكلت أفكارها تجاه الحركة الصهيونية أثناء حكم هتلر في عام 1933، حيث ‏هربت عبر أوروبا ، من الاحتجاز النازي مرتين، واستقرت  في نيويورك عام 1941 وبدأت مهنتها ‏الطويلة في الكتابة.

وتذكر أن أرندت دافعت عن حق اليهود في فلسطين وأصرت على أن الصهيونية لم تكن إمبريالية ولا استعمارية، و كتبت ‏أن “كل ما تملكه ثروات فلسطين هي حصريا نتاج العمل اليهودي”، كما أنها في عام 1948 وصفت الصهيونية بأنها ‏‏”الأمل والفخر الكبير لليهود في جميع أنحاء العالم.‏

إلا أنها بعد ذلك غيرت توجهاتها وفقا لما ذكرته الكاتبة، فبعد عام 1948 أصبحت ضمن الأصوات المعارضة لإقامة دولة يهودية في فلسطين، ودخلت في خلاف سياسي مع الحركة الصهيونية حول التعامل مع المسألة العربية، كما تشككت في الدول القومية وانتهاكاتها للسلطة. وقد أصدرت  كتابها “أصول الحكم الشمولي” في عام 1951  والذي ساهم في وضعها ضمن مصاف أبرز الفلاسفة السياسيين ‏في جميع أنحاء العالم.

واجتمعت كافة تناقضاتها عام 1961  بعد إرسالها من قبل صحيفة الـ”نيويوركر” لتغطية محاكمة القائد النازي “كارل أيخمان” المسؤول عن تنظيم نقل ملايين اليهود وغيرهم إلى معسكرات الاعتقال المختلفة، فوصفت أردنت المحاكمة بأنها محاكمة صورية وتحدثت آنذاك عن أطروحة “تفاهة الشر” والتي اعتبرت فيها أن أفعال ايخمان لم تنبع من شخص يحمل نوايا شريرة، وقد ترتب على هذا الطرح انطلاق حملة دعائية ضدها لتناقضها. كما تم انتقاد اردنت أيضا عندما كتبت عن الهولوكوست وما ‏أعقبها، حيث  اتهمها الكثير من اليهود بمعاداة السامية.

أردنت، التي كانت ذات يوم من دعاة القومية اليهودية ومؤيدة للـ”كيبوتسات”، أصبحت  بعد ذلك معارضة لمبدأ التقسيم، كما تنبأت بنهاية الدولة القومية وعارضت إقامة الدولة اليهودية. وفي عام 1948 ، حثت الرئيس هاري إس. ترومان على حجب الاعتراف الأمريكي بإسرائيل. وترى لينفلد أن أردنت ظلت تتصارع مع الصهيونية ، ثم مع إسرائيل ، لأكثر من ثلاثة عقود، كما رأت أن آرائها بدت متغيرة دائما، سواء فيما يخص الصهيونية أو الدولة القومية.

                    رودنسون ودعم الحقوق الفلسطينية

انتقلت  لينفيلد في كتابها إلى المؤرخ الماركسي الفرنسي ماكسيم رودنسون ، الذي دافع في البداية عن الوجود الصهيوني في فلسطين، ورأى أنه من وجهة نظر العرب  فتلك الخطيئة لا يمكن أن تغتفر وأن كل رد فعل سيتم اتخاذه من قبلهم هو أمر منطقي.

 وبشكل عام، فقد عرف رودنسون بمعاداته للصهيونية واهتمامه بالقضية الفلسطينية، وقد ترك رودنسون أثرا كبيرا على عدد كبير من المفكرين العرب وبشكل خاص اليساريين منهم، خاصة وأنه كان يعد من أبرز المفكرين في الشأن الإسلامي.

بالنسبة لرودنسون، فرأى أن عدم رضا اليهود عن أنفسهم يعد أمرا مشتركا دائما يعاني منه أغلب اليهود، واعتبر أن اليهود هم أنفسهم المسئولون عن كره العرب لهم بسبب أفعالهم، كما حمل إسرائيل مسئولية ما تشهده المنطقة العربية من تخلف، فوفقا لوجهة نظره، تم إهدار الكثير من موارد وطاقات العالم العربي على تلك الكراهية، وكان من الممكن استغلالها في أمور بناءة قد تعود بالنفع على تلك الدول، وأضاف أن معاناة الشعوب العربية قد ساهمت في تأجيج كراهيتهم لإسرائيل.

وأشارت لينفلد في الكتاب إلى أن رودنسون قد وصف الإسرائيليين بالكائنات الفضائية والمستعمرين الذين هبطوا على أرض ليست من حقهم. كما عارض إقامة دولة موحدة على أرض فلسطين وطالب بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين. وبشكل عام فقد وجه رودنسون انتقادات عنيفة للحركة الصهيونية و اتهمها بمحاولة اختطاف الديانة اليهودية، وأظهر دعما كبيرا للمطالب الفلسطينية.

                        هاليداي وستون رافضون للاحتلال

وفي حديثها عن هاليداي، أشارت الكاتبة إلى النقد الحاد الذي وجهه للاحتلال الإسرائيلي، ومساندته لحق العودة للفلسطينيين، ولكونه خبيرا في السياسية الإيرانية، كان هاليداي على دراية تامة بالكره العربي لإسرائيل وما ترتب على ذلك في إطار الصراع العربي الإسرائيلي.

وفيما يخص أي اف ستون، الصحفي الأمريكي، فقد قاوم في البداية كل الحملات التي تم شنها ضد إسرائيل، لكن في وقت متأخر في حياته المهنية اتجه ستون للدفاع عن المقاومة الفلسطينية، وأرجع ذلك إلى أنه لا يستطيع أن يتصور أن منظمة التحرير الفلسطينية التي يرأسها عرفات لا تسعى للسلام. وقد رأى ستون، مثله مثل تشومسكي، أن الفلسطينيين على استعداد للتعايش مع الإسرائيليين سلميا وأن ذلك من الممكن حدوثه حال توقف إسرائيل عن قمعهم.

              ألبير ميمي المناضل من أجل الصهيونية

يعد ألبير ميمي من أبرز كتاب الحركة الصهيونية، وهو عربي تونسي الأصل، تعرض للاضطهاد ومعاداة السامية في تونس وهو ما دفعه لتبني فكر الحركة الصهيونية والدفاع عنها. ووصف مرارا اليسار اليهودي بالخائن لليهود، ورأى أن إشكالية اليسار في المسألة اليهودية أمر محبط ويجب معالجته.

              تشومسكي الرافض للممارسات الإسرائيلية

نعوم تشومسكي ، أيقونة اليسار الأمريكي ، هو المفكر الآخر في هذه الأطروحة، وقد انتقدت لينفلد مواقفه في كتابها، بالرغم من ادراكها لوعيه الكامل بالصراع العربي الإسرائيلي. فرأت أن تشومسكي ينتقد حملة مقاطعة إسرائيل BDS، وحل الدولة الواحدة، وفي ذات الوقت يؤيد حق العودة و يتهم إسرائيل بالفساد الأخلاقي.

 ونفت لينفلد وجود أي أساس لادعاءات تشومسكي باعتراف منظمة التحرير الفلسطينية وبعض الدول العربية بقرارات الأمم المتحدة، ومن ضمنها قرار عام 1967، والذي يؤكد حق إسرائيل في الوجود وتأييدهما للحل السلمي لإقامة دولة يهودية، وترى أنهم انحرفوا عن ذلك في العقود التالية.

كما انتقدت اتهامات تشومسكي بأن كافة الرؤساء الأمريكيين والزعماء الإسرائيليين رافضون لتلك القرارات ولا يريدون الاعتراف بها. وبالإضافة إلى ذلك، فقد اتهمت لينفلد تشومسكي بتجاهله لما وصفته بـ”الأعمال الإرهابية الفلسطينية” وتقليله من خطورتها.

وتخلص لينفلد إلى أنه بالنظر إلى تعامل هؤلاء المفكرين مرارا وتكرارا مع مسألة الدولة اليهودية أو الصهيونية، يتضح ان اثنين منهما فقط ظلا محتفظان بآرائهما ‏بمرور الوقت، وهما رودنسون المناهض للصهيونية مدى الحياة وميمي المؤيد للصهيونية مدى الحياة.

وتغيرت مواقف المفكرين الأخرين ،فالبعض تحول من مؤيد للصهيونية إلى مناهض لها، والعكس. وتؤكد لينفيلد على أنها لا تعلم ما إذا كانت إسرائيل ستستعيد ديمقراطيتها بالكامل أم لا، لكنها على يقين من أن حدوث ذلك، ‏والوصول إلى حل مرضي للصراع الإسرائيلي  الفلسطيني يتطلب رفض الأحلام الوهمية واليقين ‏الزائف وتزييف التاريخ التعصب.

وترى انه في سبيل تحقيق السلام  فإن ذلك يتطلب الالتزام بالمسئولية الأخلاقية من قبل كل الأطراف. وتختتم لينفلد الكتاب بمقولة “أن رفض الواقع يحولك أنت وأبناؤك إلى عبيد للماضي وغرباء عن المستقبل‎”.


Scroll Up