ساهمت حالة الفراغ الأمني وغياب دور الدولة وهشاشة المؤسسات في عدد من الدول خاصة في أعقاب أحداث 2011 في بروز عدد من التنظيمات والجماعات الإرهابية، وكان على رأس هذه الجماعات تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام ” داعش”، وقد مر التنظيم بعدد من المراحل بين السيطرة والتمدد مرورا بالانحسار وإعلان المجتمع الدولي القضاء عليه وصولاً لمحاولة استعادة التموضع والعودة مرة أخرى، ومن خلال هذه المراحل والتطورات وجدنا من الأهمية بمكان التعرض للظروف والسياقات التي نشأت فيها الدولة الإسلامية وذلك من خلال الوقوف على الوثائق والملفات والمستندات التي وجدت في مناطق سيطرة التنظيم وهو ما تعرض له ” توم ستيفنسون” في دراسة بعنوان* ” كيف تدار الخلافة. قراءة في ملفات الدولة الإسلامية، وذلك فيما يلي:

·       الدولة الإسلامية.. التمدد وسياسات التمكين      

    أشار ” توم ستيفنسون” إلى بداية ظهور الدولة الإسلامية ” داعش” تحت قيادة زعيمها أبو بكر البغدادي في 29 يونيو 2014، ومنذ ذلك الحين وقد سعى البغدادي لتدشين الخلافة الإسلامية باستخدام عدد من التكتيكات العنيفة، فضلاً عن اتساع سيطرة التنظيم على مساحات واسعة من الأراضي التي بسط نفوذه عليها، حيث سيطر التنظيم على مساحة أكبر من مساحة المجر، وقد بلغ عدد السكان الذين ينتمون لهذه المناطق نحو ثمانية ملايين نسمة، وقد اتخذ التنظيم من  الموصل في العراق والرقة في سوريا معقلاً رئيسياً له، ناهيك عن سيطرته على عدد كبير من القري والبلديات الصغيرة والمناطق في سوريا والعراق، وقد لفت الكاتب إلى نجاح التنظيم في جذب واستقطاب عدد من المقاتلين الأجانب إلى صفوفه بالتحديد من شمال افريقيا وأوروبا.

      وقد ألمح الكاتب إلى أن داعش قد عملت على وضع مجموعة من الأطر الحاكمة والضابطة للمناطق التي وقعت تحت سيطرته سواء فيما يتعلق بفرض الضرائب، وتفعيل مبدأ ذبح المشركين واحياء العبودية، فضلاً عن سيطرة التنظيم على مكاتب الزواج ووكالة الاتصالات وسجلات الميلاد، ناهيك عن اصدار لوحات سيارات تحمل شعار التنظيم، كما نشطت دائرة الصدقات والتضامن التابعة للتنظيم في عملية توزيع الثروات على الفقراء وغير ذلك من الإجراءات التي تساعد على مزيد من التمكين وتفعيل سيطرة التنظيم على المناطق التي تقع ضمن نفوذه.

     وسعى الكاتب إلى تسليط الضوء على الضوابط والإجراءات التي صاغها تنظيم الدولة الإسلامية في المناطق الواقعة تحت قبضته من خلال عدد من الوثائق والمستندات التي وجدت في مناطق سيطرة داعش، والتي قام بجمعها عدد من الباحثين والصحافيين، ومن بين ما تم الكشف ما كان يسيطر عليه التنظيم من مراكز للشرطة والسجون والمحاكم، فضلاً عن الإجراءات المتعلقة بصيانة الشعر، والتسعيرات الخاصة بالولادات القيصرية وتحديد ارباح الصيادلة، كما حظر التنظيم استخدام GPS على الهواتف، بالإضافة إلى حظر بيع الملابس الجاهزة ما لم يتم طباعة كلمة تقليد بجوار العلامة التجارية، كما قام التنظيم بحظر تربية الحمام على أسطح المنازل خشية أن يقوم مربوا الحيوانات باستخدام علاقاتهم للنظر إلى النساء في منازلهم، بالمثل أقر التنظيم في ديسمبر 2014 حكماً يحظر لعبة البلياردو.

·       الخلافة وأركان تثبيتها

     ونوه الكاتب إلى أن تنظيم الدول الإسلامية قد استلهم من أفكار ” أحمد أبن تيمة” حول السياسة الشرعية، وفكرة الخلافة، وقد برز ذلك بشكل واضح في الاعتماد على مقاله بعنوان ” مبادئ في إدارة الدولة الإسلامية” لعضو بالتنظيم يدعى ” أبو عبدالله المصري”، والذى يبرز فيها حكايته مع الدولة الإسلامية منذ ظهورها في العراق، وقد أوضح “أبو عبدالله المصري” أن سيطرة الغرب على العالم الإسلامي عبر نظم حكم استبدادية ساهمت في نشر سلوكيات غير دينية، الأمر الذي يحتاج إلى محو وإزالة الحدود وتأسيس دولة الخلافة التي تحكم بالشريعة الإسلامية، وقد وضعت الوثيقة التي كتبها ” أبو عبدالله المصري” عدد من الضوابط من بينها مبادئ لإدارة الموارد الطبيعية، وانشاء نظام للمحافظات وآليات استقبال المهاجرين وإدماجهم، وكذا إدارة مؤسسة إعلامية مركزية.

وفي أعقاب استيلاء التنظيم على الموصل في يونيو 2014، أصدر التنظيم ميثاقاً حاكما للمدينة، ومن بين ما أقره التنظيم حظر التدخين والكحوليات والمخدرات، تحذير النساء من الخروج من منازلهم أو الخروج بالحجاب المُحدد، حظر رفع أية اعلام غير اعلام دولة الخلافة، قتل المرتدون الذين يرفضون التوبة، وضع أسس إدارة الدولة ومن بينها حل الفصائل المسلحة، الغاء القوانين الوضعية، اغلاق عدد من الجامعات بحجة أنها غير شرعية.

        كما أوضح الكاتب طريقة إدارة التنظيم للمناطق الريفية التي وقعت تحت سيطرته وذلك وفقاً لما جاء في وثائق النيويورك تايمز والتي حصلت عليها من أحد المكاتب الإقليمية لوزارة الزراعة،  حيث بسط التنظيم يده على عدد من الأراضي الزراعية، ففي منطقة دير الزور طالب التنظيم بتخصيص 30% من الأراضي لزراعة المحاصيل الصيفية مقابل 70% لمحاصيل أخرى، كما تم فرض سجلات ضريبة معينة على المنتجات والمحاصيل الزراعية، خاصة تلك التي تم مصادرتها من الشيعة والمسيحيين، الأمر الذي من شأنه أن يضمن استمرار تدفق الأموال وتنوع مصادر الدعم للتنظيم، خاصة وأن هذه العائدات والضرائب قد تتجاوز في قيمتها الإيرادات الناجمة عن مبيعات النفط في السوق السوداء.

     وقد حدد التنظيم وفقا للوثائق التي تم الحصول عليها جملة من العقوبات التي قرضت على مرتكبي بعض الجرائم مثل عقوبات الإعدام والجلد على شاربي الخمور، فضلاً عن عقوبات التجسس والتي كانت تعتبر ضمن الجرائم الكبرى، بالإضافة إلى فرض عقوبات على جريمة الزنا تتراوح ما بين الرجم حتى الموت للمتزوج أو الجلد والنفي لغير المتزوج، ناهيك عن تطبيق حدود الوقوع في جرائم السرقة مثل قطع اليد اليمنى والقدم اليسرى، وقد خول للجهاز الأمني في التنظيم مهمة تطبيق هذه العقوبات، وقد أوضح الكاتب أن رواتب عناصر الجهاز الأمني في تنظيم الدولة تراوح ما بين 50 دولاراً شهرياً للجندي مع إضافة 50 دولار أخرى للزوجة و 35 دولار لكل طفل.

      كما لفت الكاتب إلى أن التنظيم عمل على الترويج لفكرة الخلافة والدولة الإسلامية عبر شعر الحماسة وإطلاق الأناشيد والكلمات البراقة وهو ما قامت بها مؤسسة اجناد للإنتاج الإعلامي حيث عملت على انتاج الأناشيد الجهادية والصوتية التي تروج للتنظيم وافكاره، وتبرز أمجاد الخلافة ونقاط قوة التنظيم.

·       تطويق التنظيم وفرص صعوده

       نوه الكاتب إلى قيام الولايات المتحدة الامريكية بحملة ضد الدولة الإسلامية بغرض تطويقها، حيث نفذت بجانب حلفائها نحو 34 ألف ضربة جوية ومدفعية، ونتيجة لذلك فقد أعلنت واشنطن النصر على داعش في مارس 2019، ومع ذلك فقد استمرت الضربات الجوية في كل من سوريا والعراق، ورغم اعلان القضاء على التنظيم إلا أن هناك وجود لبقايا التنظيم في عدد من المناطق، كما ان مقاتلي التنظيم ما زالوا ينفذون عملياتهم عبر التفجيرات وعمليات الخطف، ولفت الكاتب إلى أن ظهور أبو بكر البغدادي عبر شريط فيديو في 29 إبريل 2019 يأتي ضمن رسالة البغدادي التي تؤكد على بقاء التنظيم وسعي قيادته لاستعادة التموضع ومن ثم عودة الخلافة من خلال توسيع النشاط في عدد من المناطق ومن بينها ليبيا، اليمن، الصومال وعدد من الدول الأخرى.

وقد خلص الكاتب إلى أن ظهور الدولة الإسلامية كان نتاج الحركة الجهادية التي نشأت في سبعينيات القرن الماضي وذلك بفعل عدد من العوامل منها، الثورة الإسلامية في إيران، الغزو السوفيتي لأفغانستان، اتفاق كامب ديفيد، ولفت الكاتب إلى أن استراتيجية الدولة الإسلامية ارتكزت على استهداف العدو القريب على خلاف استراتيجية بن لادن وذلك بغرض اسقاط ديكتاتوريات الشرق الأوسط الفاسدة وفقا لوجهة نظر البغدادي. ونوه الكاتب إلى أنه على الرغم من تحجيم نفوذ داعش إلا أن محفزات ظهوره وعودته مرة أخرى لا تزال مطروحة.*Tom Stevenson, “ How to Run a Caliphate, London Review OF Book, VOL 41, NO 12, 20 June 2019

Scroll Up