نَظّم الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين احتفالاً بمقر إقامته (يوليو 2019) بمناسبة مرور 40 عاماً على توقيع اتفاقية السلام التاريخية بين إسرائيل ومصر. وقال الرئيس الإسرائيلي:” تم توقيع معاهدة السلام بين إسرائيل ومصر بعد 6 سنوات فقط من حرب مروعة بين بلدينا في 1973، لم يكن من الممكن أن نتخيل أنه فقط بعد بضع سنوات سيكون بيننا هذا السلام”.

في هذا المناخ يعرض أستاذ العلوم السياسية بجامعة بار إيلان جيرالد م. شتاينبرج وزميل تدريس بمعهد إسرائيل بجامعة ولاية سونوما زيف روبينوفيتزكتابهما رحلة بيجين الدرامية نحو السلام”  أو BEGIN’S DRAMATIC JOURNEY TO PEACE.

ويعد الكتاب موردا علميا يضاف إلى الكتب التي اشتبكت مع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل ودور “مناحيم بيجين” في نجاح التوقيع، إذ يعد بيجين أول رئيس وزراء إسرائيلي محسوب على التيار اليميني والذي في عهده وقّعت إسرائيل أول معاهدة سلام في تاريخها مع الدولة الجارة مصر في 26 مارس 1979.

واجه المؤلفان تحديًا ملحوظًا من البداية؛ إذ لم يحتفظ بيجين بمذكرات، ويعتمد الكثير من الكُتّاب على حسابات الآخرين. بالاعتماد على الموارد التي لديهم، قد يكون لهذا الكِتاب بعض الملاحظات والاستفهامات، لكنهم انتهوا في النهاية إلى إنشاء دليل مفيد لمن يأملون في دراسة اتفاقيات كامب ديفيد.

سيناء والضفة الغربية في أيديولوجية بيجين

أشار الكتاب في صفحاته الأولى أن المكاشفة الكاملة لنشوء الأيديولوجية في ذهنية بيغن “تتجاوز نطاق الكتاب”، واختار المؤلفان عدم الإجابة عن الارتباط الأيديولوجي بالسلوك السياسي لـ “بيجين”، خاصة عند الإشارة إلى تعجب الأمريكيين من عدم مرونة بيجين في التفاوض حول الانسحاب الإسرائيلي من الضفة الغربية، الأمر الذي يعود إلى ارتباط بيجين العميق بأرض إسرائيل.

على الرغم من أن نشأة ايديولوجية بيجين لم يتم تناولها بشكل واضح، إلا أن المؤلفين لاحظا أن السبب الكامل لوجود اتفاق كان ممكنًا هو أنه لم يعتبر سيناء جزءًا من أرض إسرائيل التوراتية. نتيجة لذلك، أيّد رئيس الوزراء مسعى التسوية في شبه جزيرة سيناء (قبل القمة التي تعهد بالانسحاب منها)؛ لأنه لم يكن ملتزمًا أيديولوجيًا بالحفاظ على سيناء.

يساعد هذا أيضًا في توضيح سبب تعثر المسار الفلسطيني في اتفاقية السلام مع مصر؛ لأن بيجين اعتبر الضفة الغربية وقطاع غزة جزءًا لا يتجزأ من أرض إسرائيل. ولأنه جادل بأن “مفهوم الحكم الذاتي سيؤدي إلى قيام دولة فلسطينية”، والتي شعر أنها ستهدد أمن إسرائيل، فقد ركز على المضي قدمًا في اتفاق السلام مع مصر بينما كان يُحيّد القضية الفلسطينية جانبا.

الرفض والخوف من زيارة السادات

نجح الكتاب في الإشارة إلى المشاعر المضطربة التي أحاطت النخبة السياسية والعسكرية في إسرائيل، إذ راهنت رئيس الوزراء الإسرائيلية آنذاك “جولدا مئير” على عدم مجيء الرئيس المصري “أنور السادات” إلى إسرائيل، بعد الإعلان عن زيارته ومخاطبة الإسرائيليين في الكنيست ذاته. بينما رفض زعيم المعارضة آنذاك “شمعون بيريز” الزيارة وخطاب رئيس مصر في الكنيست؛ بداع أن الزيارة والخطاب لن يمثلا داعما لعملية السلام.

بشكل أكثر دراماتيكية، اقترح رئيس أركان جيش الدفاع الإسرائيلي “موردخاي جور” الدعوة إلى حالة تأهب عسكري، محذرا من سيناريو يمكن أن تكون فيه زيارة السادات بمثابة غطاء لعملية اغتيال جماعية ضد كبار الشخصيات الإسرائيليين تجمعوا في المطار لتحية السادات”.

وفي السياق ذاته، أشار الكتاب إلى أن بيجين ذاته حذّر من أن “السادات يخدع العالم من خلال الحديث عن السلام بينما كان ينوي إبادة إسرائيل”

عزل المجال العام

أشار الكتاب إلى واحدة من أهم مرتكزات السياسة الأمريكية في إدارة السلام بين مصر وإسرائيل تحت إدارة “جيمي كارتر” الرئيس الأمريكي آنذاك، وهو فصل قادة الدول عن المجال العام الداخلي الذي يحيط بهما سواء في مصر أو في إسرائيل، بالتحديد في الأخيرة، حيث لم تهتم إدارة كارتر بالتفكير في الوضع السياسي الإسرائيلي الداخلي، وفضلت الإدارة الأمريكية التعامل مع السادات ومناحم بيجين وحدهما كرئيسين يعملان في فراغ سياسي داخلي، وهو ما أذكى التوترات بين بيجين وكارتر.  ويشير المؤلفان إلى أن هذه السياسة الأمريكية لم تؤت ثمارها، وتم تصويرها على أنها غير مُهيِّئة تماما لمساعدة بيجين على الفوز بانتخابات 1977.

اقتراح كارتر“: دولة للفلسطينيين

أشار الكِتاب إلى رغبة كارتر “غير المتوقعة” “والتي لم تأت بتنسيق مع المسؤولين الأمريكيين”، أثناء المباحثات حول الاتفاقية بإقامة دولة مستقلة للاجئين الفلسطينيين، “يجب أن يكون هناك وطن يُقدم للاجئين الفلسطينيين”، مما أغضب الحاضرين من المسؤولين الإسرائيليين والأمريكيين الذين تحفظوا على إقامة دولة فلسطينية بدون مقابل، مما عده الإسرائيليون تنازلا غير مقبولا و”غبيا”. وهو نفس الرد الذي دار بين أروقة وزارة الخارجية الامريكية بعد قرار “ترامب” بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس.

ختاما، يمكن الإشارة مجددا إلى أن السياسة الأمريكية تنتهج دوما تبني مبادرات سلام لحل القضية الفلسطينية تشمل ضمانات سياسية لنجاح القائد سياسيا، وعدم عزله عن المجال العام لضمان نجاحه في الاستحقاقات الانتخابية المقبل عليها. كذا رغبة كارتر في إقامة دولة فلسطينية مستقلة (ولكن بمقابل لم يتم تحديده)، مما يمكن القول إن المبدأ يتواجد في الذهنية الأمريكية ولكنه مرهون بتقديم تصورات تمنح مقابل محدد.

Scroll Up