دراسة بعنوان ” أوروبا وحيدة: ماذا يأتي بعد التحالف الأطلسي” Europe Alone What Comes After the Transatlantic Alliance للباحثة Alina Polyakova مديرة مشروع الديمقراطية والاستبداد والزميلة ببرنامج السياسة الخارجية بمعهد بروكينجز وأستاذ مساعد للدراسات الأوروبية بكلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز، والباحث Benjamin Haddad وهو مدير مبادرة مستقبل أوروبا بالمجلس الأطلسي Atlantic Council، بالعدد الجديد يوليو / أغسطس 2019 التابع لمجلة Foreign Affairs.

يناقش الكاتبان العلاقات المضطربة بين الولايات المتحدة وأوروبا ذلك التحالف عبر الأطلسي الذي حدد حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وأكد الكاتبان أن الصدع لم يبدأ بين الولايات المتحدة وأوروبا بترامب ولن ينتهي به، وأنه ينبغي على القادة الأمريكيين والأوروبيين البدء بتقييم صادق للطريق الذي أدى بهم إلى الأزمة الحالية، وهو ما يعد الخطوة الأولى لبناء شراكة عبر الأطلسي أكثر نضجا.

وطرح الكاتبان تساؤلا على شكل العلاقة التي يتصورها كلا الطرفين، فالطرف الأمريكي يجب أن يحدد: هل يريد شريك أوروبي منقسم وضعيف ولكن معتمد عليه ويتبعه؟ أم شريك يتقاسم الأعباء ويكون له أراء أقوي ويحفظ له مساحة استقلالية؟

وكذلك الجانب الأوروبي يجب أن يحدد هل تريد حقاً دوراً مستقلاً فيما يخص عبء القيادة العالمية؟ وهي لا تستطيع حتى حماية جوارها الإقليمي المباشر؟

وأكد الكاتبان أن قارة قوية قادرة على الدفاع عن مصالحها وخوض معاركها ستفيد واشنطن أكثر من كونها منقسمة وضعيفة، حيث أن تحالفهم هو حجر الأساس للنموذج الغربي للقيم والمبادئ الديمقراطية الليبرالية وبخاصة في وجه التهديدات الروسية والصينية.

          إعادة فتح لجرح قديم

يسرد الكاتبان عديدا من الحوادث التاريخية التي تثبت أن العلاقة كانت دوماً مضطربة، فالخلاف حول الاتفاق النووي الإيراني يعد باهتاً مقارنة بمعارضة واشنطن للغزو البريطاني والفرنسي لمصر عام 1956، والحرب على العراق في عام 2003، والخلافات المتكررة حول الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

وكذلك في عام 2001، قام الرئيس جورج دبليو بوش بسحب الولايات المتحدة من بروتوكول كيوتو لعام 1997 على الرغم من الضغوط الشديدة التي قام بها جيرهارد شرودر المستشار الألماني وتبع ذلك رفض فرنسا وألمانيا الانضمام للتحالف مع إدارة بوش في حرب العراق. وأكمل الرئيس الأمريكي باراك أوباما التصعيد، حيث وجه أوباما كلمات قاسية لأوروبا، حيث وصف فرنسا والمملكة المتحدة بأنها “راكب حر”.

إلا ان كلمات ترامب كانت تمثل كبش الفداء المناسب الذي يلقي عليه الأوروبيون ضعفهم، لذا أكد الكاتبان بأن يجب على الطرفان قبول حتمية تغير التحالف بأن التحالف نحو علاقة أكثر توازناً.

    المأزق الأوروبي؟

اعتبر الكاتبان أن مأزق أوروبا واضح، وأكدا أنها إن لم تواجه مواطن ضعفها ستصبح مسرحا لتنافس القوي العظمي.

فمن جانب لا تتوانى روسيا عن دعم عدم الاستقرار في القارة بالإضافة لاجتياحها العسكري للمناطق التي تؤثر على الاستقرار في أوروبا سواء أوكرانيا وسوريا.

وفي جانب أخر، تتوغل الصين بتدخلاتها الاقتصادية في القارة، التي تؤثر على وحدة قرارها وإضعاف تحالفها مع الولايات المتحدة من جهة أخري.

يؤكد الكاتبان ضرورة تخلي أوروبا عن ثقافة الرضا على الذات والاتجاه لحكم ذاتي أكبر وتوحيد السياسة الخارجية وحماية جوارهم الإقليمي. ولكن هذا لا ينفى أن هناك العديد من الملفات التي يُجمع عليها الأوروبيون منها العقوبات على روسيا ومواجهة التهديدات الهجينة التي تمارسها روسيا وأن تعمل على كشفها، بالإضافة لمحاولاتها المستمرة لإبقاء الاتفاق النووي الإيراني حياً بالعديد من السبل برغم الاعتراضات الأمريكية. وأخيراً، رفع انفاقها العسكري حيث ارتفع الإنفاق لـ 22 دولة من 28 دولة من دول الاتحاد دفاعياً وخلق تنسيقات لتجنب التعارض بين سياستهم العسكرية وانشاء صندوق للدفاع وإن ظلت كل تلك الجهود محدودة مقابل التهديدات التي تواجه القارة، كما يري المقال.

ويقول الكاتبان إن المخاوف الأمريكية من أن النزعة الدفاعية المحلية لأوروبا تتعارض مع الناتو تعد مسألة مبالغ فيها، حيث تهدف جهود أوروبا إلى معالجة أوجه القصور في المناطق التي أصبحت ضعيفة بسبب انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة منذ نهاية الحرب الباردة.  فقد بذل القادة الأوروبيون قصارى جهدهم للتأكيد على أن محاولات دمج الدفاعات الأوروبية سوف تقوي حلف الناتو بدلاً من أن ينافسه،  ومن ثم بدأت عملية تعزيز التحالف منذ هجوم روسيا على أوكرانيا. ويشير المقال إلي نتيجة هامة وهي أن رغم رفض ترامب العلني للتحالف، فإن إدارته رفعت الإنفاق على مبادرة الردع الأوروبية، التي تخدم بوضوح غرضًا مشابهًا لهدف الناتو إلى 6.5 مليار دولار في السنة المالية 2019، بزيادة قدرها أكثر من 3 مليارات دولار في غضون عامين.

           إتباع سياسات حازمة:

قدم الكاتبان العديد من التوصيات للجانب الأوروبي للتغلب على ما يوجهه من ضعف كان أبرزها:

فيما يتعلق بالدفاع، ينبغي أن تواصل أوروبا الاستثمار في حلف الناتو وتطوير سياسة خارجية تضع المصالح الأمنية فوق استدراج القارة لعمليات عسكرية في الخارج، ثم التدخل في المناطق التي تهدد استقرارها المباشر. الأمر الثاني، تعزيز مصادر القوة حيث يتمتع الاتحاد الأوروبي بالفعل بميزة عالمية نسبية: وزنه الاقتصادي، وعملته الموحدة، وقوته السياسية والناعمة. ومن ثم، جهود أوروبا يجب أن تتضمن فهمًا للدور الجيوسياسي الذي يمكن أن تلعبه السوق الموحدة في ضمان السيادة الأوروبية.

ولتحقيق ما سبق، بدايةً يجب كسر احتكارات الغاز الروسية حتى عرقلة الاستثمارات الصينية، ويمكن للمفوضية الأوروبية استخدام أدواتها التنظيمية البيروقراطية لتحقيق ذلك. الأمر نفسه ينطبق على قوانين الهجرة واللجوء، فمن شأن الضوابط الحدودية الأكثر صرامة، وهي الركيزة الأساسية للسيادة، أن تساعد في سد الفجوة بين بروكسل والمواطنين في جميع أنحاء القارة، والكثير منهم قلقون من أن مؤسسات الاتحاد الأوروبي لم تكن قادرة على حمايتهم ضد من يرون أنهم “مهاجرون جامحون”.

           التخلي عن الحنين إلى الماضي: هو بداية الحل

أكد الكاتبان أن رفع أوروبا لقدراتها الدفاعية سيخفف إلى حد كبير من الاستياء والإحباط الأمريكي بخصوص القيادة الحرة لأوروبا، وكذلك في العديد من الحالات ستستفيد الولايات المتحدة بشكل كبير من الجهات الفاعلة الأوروبية التي تدافع عن أمنها بمفردها في المناطق التي تكون فقط هامشية مع المصالح الأمريكية، وكذلك قضايا الشرق الأوسط الذي أبدي الرأي العام الأمريكي شهية قليلة للانخراط بشكل أكبر في نزاعاته. وجود قدرة أوروبية أكبر على تعزيز الاستقرار في منطقة غالباً ما تؤثر فيها أوروبا مباشرة على مشاكلها، سوف يسمح لواشنطن بأن تقود من الخلف.

يختتم الكاتبان بالقول إنه إذا تمكنت أوروبا من اختيار طريقها، فستنضج العلاقة بين ضفتي الأطلسي إلى تحالف أكثر توازناً. وبحلول عام 2030 قد يكون حلف الناتو أقوى وأكثر قدرة مما هو عليه اليوم. ويمكن للاتحاد الأوروبي حينها القيام بأعمال عسكرية لإنهاء الحروب المستقبلية على أطرافه، فيمكن أن يستثمر في بيلاروسيا ومولدوفا وأوكرانيا ومنطقة البلقان، مما يوقف النفوذ الصيني والروسي هناك، ويخدم بذلك مصلحة كلا الطرفين، وهذا ما يجب أن تدعمه الولايات المتحدة وتتقبله.

Scroll Up