تعد الدولة الروسية من الدول الرائدة على مستوى العالم في امتلاك القوة النووية، وتكنولوجيا بناء المفاعلات النووية، فهى من أهم آليات التحرك الخارجي بالنسبة لموسكو، وقد شهدت تحولاً كبيرًا في مرحلة ما بعد الحرب الباردة وإنهيار الاتحاد السوفيتي، نتيجة خطط التوسع التي وضعتها القيادة السياسية لزيادة القدرات النووية، وتطويرها لخدمة المصالح الروسية، على الصعيدين الداخلي والخارجي.

بالإضافة إلى زيادة حجم الصادرات النووية، من خلال إبرام اتفاقيات للتعاون في بناء المفاعلات النووية، لتعزيز مقدرات الدول لإنتاج الطاقة النووية بشكل سلمي.  فبحلول أواخر التسعينيات، تم التفاوض على تصدير مفاعلات إلى عدد من الدول مثل إيران والصين والهند، علاوة على إحياء برنامج البناء المحلي المتوقف في روسيا بقدر ما تسمح به الأموال. 

وحاول الكاتب الإسرائيلي “ديمتري أدامسكي”، والأستاذ في مدرسة “لودر للحكم والدبلوماسية والاستراتيجية” التابعة لمركز “هرتسيليا” في إسرائيل، تسليط الضوء على القوات المسلحة الروسية وخاصة القسم المسئول عن القدرات النووية وتصنيعها وتطويرها علاوة استخدامها، وعلاقاته بمؤسسات الدولة وتحديدًا الكنيسة الأرثوذكسية من خلال كتابه المُعنون بـ “الأرثوذكسية النووية الروسية: الدين والسياسة والاستراتيجية”، الصادر في أبريل 2019.

نفوذ الكنيسة الروسية

يتناول “أدامسكي” في كتابه علاقة الكنيسة بالهوية الوطنية الروسية، ودورها في التأثير على مسار القوات المسلحة ومقدراتها النووية، فضلاً عن نفوذها على السياسة الخارجية والداخلية. ودورها في إضفاء الشرعية والتأثير على استراتيجية موسكو للأمن القومي في القرن الحادي والعشرين. وعليه فقد عرف الكاتب “الأرثوذكسية النووية”، بأنها مجموعة الأفكار التي طورتها الكنيسة والدولة للاستناد عليها في الدفاع عن القوة العظمى النووية.

وفقًا للكاتب، فإن دور الكنيسة الأرثوذكسية بالنسبة للجيش الروسي واضحًا وليس مجرد خطابًا كنسيًا؛ بل إنها وسيلة لدعم الجيش ضد النفوذ الغربي، والحرب النفسية، والتخريب السياسي، بجانب زيادة الروح المعنوية، وتماسك الوحدة، للحفاظ على القيم الروسية في مواجهة المتغيرات المتلاحقة.

أدوار متصاعدة

تطرق الكاتب إلى الدور الذي لعبته الكنيسة the Russian Orthodox Church (ROC) في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، ولكنه يعد من أوائل من درس علاقتها بالمجمع الصناعي العسكري، وليس بالمجتمع الروسي بشكل عام. وقد حدد “أدامسكي” كيفية تنامى دورها في القطاعات النووية، وأصبحت جزءً لا يتجزأ من صناعة الأسلحة النووية.

بدايةً من انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، من خلال عملية يصورها “أدامسكي” باسم “التكوين والتحويل والتشغيل”، دخلت الكنيسة في شراكة مع الجيش، لتمكين الجنود من الوفاء بالتزاماتهم الدينية أثناء تأديتهم لواجبهم، كما بنت دور عبادة في جميع القواعد النووية الروسية. بمرور الوقت، تزايد دورها؛ حيث تشابكة النخبة السياسية في روسيا والنخبة الدينية. اليوم، ترسخت الكنيسة على المستويات التكتيكية والتشغيلية للقوات النووية الروسية، وقد أدمج القادة الأفكار الدينية بشكل متزايد في تفكيرهم الاستراتيجي.

نتيجة لذلك، يرى الكاتب أن الدولة الروسية امتلكت ثقافة دينية نووية غير مسبوقة، وأصبح لها تأثير استراتيجي كبير؛ من حيث تمجيد دور الأسلحة النووية باعتباره أسلحة رادعة وليست مدمرة.

العلاقة بين الكرملين والكنيسة

يركز “أدامسكي” على الرابطة التي نشأت بين الكرملين والكنيسة ومجتمع الأسلحة النووية. بالنسبة لتطوير العقيدة والسياسة النووية، يؤكد المؤلف على احتفاظ الدولة بسيطرتها على السلطة في هذا المجال. فيما تدعم الكنيسة سياسة الكرملين بشأن الاستخدام النووي، ومراقبة تطور الأسلحة، وبرامج اقتناء الأسلحة.

وفي هذا السياق؛ يتساءل الكاتب عما إذا كان الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” متدينًا حقًا، أو ما إذا كان تفاعله مع الكنيسة عمليًا، يهدف إلى ترسيخه كركن من أركان رؤيته للقومية الروسية. ويرجع ذلك لأن الدولة الروسية تحت قيادته شهدت تنامي لدور الكنيسة، لكن وفقًا لعدد من المعايير الواضحة للسلطة، لضمان ألا يتجاوز وضع الكنيسة في المجتمع ما هو مفيد للكرملين ولا يتحدى سياسات الدولة.

لذا يجادل الكاتب بأن العلاقة الحالية بين الكرملين والكنيسة ذات منفعة متبادلة، ولكنها تميل نحو الدولة. وهو يدعي أن رجال الدين العسكريين، وفقًا للأجندة السياسية للدولة، غالباً ما يمنحون شرعية للأحداث الجيوسياسية (مثل أوكرانيا وضم القرم) من خلال تسليط الضوء على واجبهم المقدس المشترك في حماية السيادة الثقافية والسياسية لروسيا.

إجمالًا، يقدم الكاتب تحليلاً جدليًا عن العلاقة ما بين الكنيسة والدولة دون تحديد سياق دورها في الخطاب السياسي، كما حاول الخلط ما بين الفلسفة السياسية والمعروفة باسم “أوراسيا”، وأيديولوجية الدولة التي نشرها الكرملين. في حين أن هناك تشابهات متداخلة في كلا الإيديولوجيتين، تعد الأخيرة –وفقًا للكاتب- قومية وأرثوذكسية بطبيعتها، في حين تروج الأولى لروسيا متعددة الثقافات والأديان باتحادها مع آسيا الوسطى.

Scroll Up