لم تقف الصوفية عند حالة الذكر والزهد والتعبد الفردي أو الجماعي على أرض الواقع، بل استطاعت أن تتحرر من انغلاقها ومواجهة الفكر التقليدي بتأسيس مؤسسات كبيرة لها امتداد في العالم؛ مما اضطر الطرق الصوفية على الانتقال من أرضية الحصير إلى الشبكة العنكبوتية، لإعادة صياغة الممارسات الروحية الصوفية حتى تستوعب التغيرات الاجتماعية والتاريخية وذلك من خلال إنشاء صفحات وحسابات عبر منصات التواصل الاجتماعي، لتمارس الذكر والحضرة (الإلكترونية) في أوقات مختلفة تُناسب مشاغل مُريديها.

تهدف تلك المنصات على توصيل الفهم الصحيح لماهية التصوف وما يعنيه من تقرب إلى الله من خلال طقوس روحية ومادية يمكن تنفيذها في شكل (الحضرة التقليدية، والإلكترونية)، وكذلك طوعت الطرق الصوفية الشبكات الصوفية على الانترنت لترويج أهدافها لأكبر عدد من المستخدمين، و بالتالي ساعدت في الوصول لتجربة دينية أكثر معنى لفئة الشباب والعبور والانتشار من بلد لآخر، والمساهمة في مواجهة الأفكار المغلوطة عن الإسلام، و الرد على الجماعات المتشددة، من خلال توضيح مناهج أعلام الصوفية، وكذلك عرض قصائد تتعلق بالحب الصوفي لـ “جلال الدين الرومي، ابن عربي، والحلاج”، لمجابهة نقيضها وهى “الكراهية”، واستبعاد مخاوف الإسلاموفوبيا عند غير المسلمين.

الفرق الصوفية عبر الحياة العامة

قبل القرن العاشر كان صعب على الصوفية خلق جو إجتماعي والتشعب بأرض الواقع باعتبارها طريقة تعبد فردية، وبفضل الفرق الصوفية تحولت تدريجيًا من السرية للعلن والحياة العامة، فيما لعبت على تشكيل الحياة الاجتماعية والهوية الدينية للمجتمعات لمدة سبع قرون من القرن العاشر.

كما توسعت دائرة التصوف قبل القرن الثامن عشر، فأصبحت الفرق متمركزة في أماكن معينة وبالتالي أثرت في المجتمعات المتركزة حولها فقط.

وبحسب نهيميا ليفتزيون بكتابه (ديناميكية التصوف)، فإنه مع مطلع القرن الثامن عشر، مرت الصوفية بتغيرات جذرية تحولت فيها من اللامركزية إلى تكوين تنظيمات مترابطة، فيما ساعد شيوخ الطرق الصوفية لتوسيع مشاركتهم التي تدعو إلى الإصلاح والتجديد في المجتمع، مما سهل انضمام منتسبين أكثر لها، لاعتقادهم أن هذه الحركات تستطيع قيادة المجتمعات الإسلامية إلى الحداثة والنهضة، ولكن توقف اعتقادهم هذا أمام الغزو الاوروبي، ومن ثم عادت الفرق الصوفية مرة أخرى حتى واكبت القفزة الرقمية، واستطاعت أن تحجز مكان لها على منصات التواصل الاجتماعي.

شبكات الصوفية الإلكترونية

على الرغم أن المنصات التابعة للطرق الصوفية تحمل مسميات مختلفة، إلا أنها تتبع نهجا واحداً،  حيث تسعى كل طريقة لجذب مريديها عبر المنصات الإلكترونية بمواقع التواصل الاجتماعي، بجانب الأنشطة المفعلة على أرض الواقع، ومنها “الحضرة الصوفية” التي بلغ عدد متابعيها أكثر من 20.655، المكتبة الصوفية الشاملة، والطريقة النقشبندية العلية، الذي بلغ عدد ناشطيها حوالي 3.074، والطريقة الرفاعية القادرية العلية بتونس، للشيخ لطفى النفاتى، وبلغ عدد متابعيها أكثر من  1.438، والزاوية الرفاعية القادرية العلية في لبنان الذي بلغ عددها 1.841، وما يسمى ديوان السادة الأشراف الرفاعية في العراق.

كما أن الطرق الصوفية لديها صفحة للمكتب الإعلامي للعشيرة المحمدية الذى بلغ عدده حوالي  3.741 ناشط، والأوراد والأذكار والأحزاب، حيث تفوق عددها إلى 5.912 ناشط صوفي وصفحة تحمل مسمى “مع كبار أهل الله من السادة الصوفية” الذي بلغ عددها أكثر من 19.039، فلم تتوقف  المنصات الإلكترونية حدود صفحات مجالس الذكر والحضرة، بل توسعت محدودية مساحتها، لتعرض أمهات كتب التصوف كالمكتبة الإلكترونية المنطلقة تحت مسمى “المصطفى الإلكترونية”، وصفحات تحت مسمى “قناة صوفية”،معهد التصوف” الذي يخاطب المسلمين غير الناطقين للعربية المتواجدة عبر موقع التدوينات الصغيرة “توتير”، ويأتي تفاعل وممارسات المنصات الصوفية لتأثير على الشباب من خلال الحضرة والموسيقى واستخدام لغة دارجة في الوعظ، لتحقيق تواصل فعال مع الناس في تصحيح ومعالجة الأفكار المغلوطة عن صحيح الدين الإسلامي، بجانب مواجهة الجماعات المتشددة. 

الموسيقى والحضرة.. تجذب الشباب

تتخذ الشبكات الصوفية على الانترنت الموسيقى الصوفية لما لها علاقة  بالسلوك الديني  داخل الوطن العربي، بحيث تتسم الموسيقى بأشكالًا مختلفة منها الأذكار والمدائح النبوية والابتهالات، وتمارس الطرق الصوفية بما يعرف بـ “موسيقى السماع”، أي الإنشاد الممتزج أحيانًا بالرقص وهذا ما يسمى بالحضرة التي ينبع عنها نوع من الموسيقى لها صلة بالعبادة في حالة تلاوة القرآن التي تحافظ على الإلتزام بقواعد الترتيل والتجويد وهذا ما تحض إليه بعض الأحاديث النبوية بهدف التأثير على تحرك الوجدان والتركيز مع المعاني لمجاهدة النفس، كما يجد الناس فيها مكانًا يخفف عنهم الضغوط الدنيوية. 

وهذا لا يعني أن التقاليد الموسيقية تتسم بحالة من القدسية، إذا ليس لها في الإسلام وظيفة شعائرية، ولكنها لها آثار ثقافية واجتماعية على المجتمع، بحيث يشكل التصوف الحياة الدينية، لذا اهتمت أغلبية الطرق الصوفية بإنشاء صفحات عبر الشبكة العنكبوتية لخلق نوع من التواصل بين شريحة (شباب السوشيال ميديا)، وحدوث ألفة وتقارب بين الطرق الصوفية، لتحقيق أهدافها المتمثلة في تصحيح صورة الاسلام والقضاء على مفهوم الإسلام فوبيا،

الصوفية الإلكترونية لا تغني عن التقليدية

بحسب ما تواصل إليه روبرت روزنال أستاذ دراسات الأديان بجامعة ليهاي بولاية بنسلفانيا الأميركية خلال كتابه “الصوفية الإلكترونية-الإسلام في القرن الحادي والعشرين”، فإن صفحات الصوفية الإلكترونية خلقت تجربة روحية جديدة، إلا أنها لا تغني عن الصوفية التقليدية؛ فقد يعتقد البعض أن الصفحات الصوفية تصبح بديل عن النصوص الصوفية، ولكن كليهما يقدم تسهيلات للأخر لتحقيق الهدف المنشود للطرق الصوفية؛ فلم تستطيع الصفحات الإلكترونية التقليل من ممارسات الذكر والحضرة بالشارع في الواقع، نظرًا لصعوبة تحقيق شروط الحضرة المتمثلة في (حضور القلب والذهن مع المولى).

لم تستمر هذه الصفحات الصوفية الإلكترونية في المحافظة على عدد متابعيها، نظرًا لطبيعتها المعقدة المتشعبة بالعديد من الروابط؛ لذا تتغير دائمًا بعد حوالي ستة أشهر؛ مما يضطر شيوخ الطرق لإعادة  إنشاء صفحات جديدة والسعي من جديد لاستقطاب متابعين وأتباع جدد من مواقع التواصل الاجتماعي، كما أنها تفقد الاتصال المباشر بين المُريد وشيخ الطريقة على أرض الواقع، بحيث تصبح المحدثات الروحية بين شيخ الطريقة وأتباعه افتراضية.

Scroll Up