في سياق العملية العسكرية التركية في شرق الفرات شمال سوريا لاستهداف وحدات حماية الشعب الكردية، حذر الرئيس السابق للجنة الاستخبارات بمجلس النواب الأميركي “مايك روجرز”، من تعرض الأكراد لمذبحة إبان هذه العملية، وذلك في مقابلة مع CNN الأميركية.

موضحًا أن “الأتراك سيحاولون قتل أكبر عدد من الأكراد، لأنه يمثل جرح عميق بالنسبة للأتراك منذ سنين طويلة”. مُضيفًا أن هذه الأزمة تعد “كارثة من وجهة نظره”، لما لها من تداعيات على حلفائهم وتفاعلهم في الشرق الأوسط، كما ستكون هناك عواقب للتخلي عن أشخاص كانوا موالين للولايات المتحدة، وخاطروا بحياتهم لمواجهة “داعش” التي تهدد الولايات المتحدة.

رد فعل القوات الكردية على العملية العسكرية 

اعتبر المتحدث باسم قوات سوريا الديمقراطية “مصطفى بالي” أن التحرك التركي يمثل هجومًا عليهم، وعليه فقد أوضح أن هناك ترتيبات لمواجهة الهجوم على طول الحدود مع الدولة التركية.  فيما أشار “بدران جيا كرد” المسؤول بقوات سوريا الديمقراطية، إلى إن القوات التي يقودها الأكراد في شمال سوريا ربما تبدأ محادثات مع دمشق وموسكو إذا ما انسحبت القوات الأميركية بالكامل من المنطقة. 

كما أعلنت الإدارة الذاتية الكردية، “النفير العام” على مدى 3 أيام على مناطق سيطرتها في الشمال السوري، وحثت كافة الإدارات والمؤسسات وأبناء شعبها إلى  التوجه إلى المنطقة الحدودية المحاذية لتركيا للقيام بواجبهم الأخلاقي وإبداء المقاومة في هذه اللحظات التاريخية الحساسة”..

الموقف الأميركي من العملية العسكرية

C:\Users\DELL\Desktop\trump.jpg

دفع النقد من قبل الديمقراطيين والجمهوريين، بما في ذلك الحلفاء المقربين من الرئيس الأمريكي، مثل زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ “ميتش ماكونيل” إلى تراجع “ترامب” عن قراره بشكل نسبي.  قائلًا على تويتر: “ربما نكون بصدد مغادرة سوريا، لكن بأي حال من الأحوال لم نتخل عن الأكراد، وهم أشخاص مميزون ومقاتلون رائعون”. 

وفي هذا السياق، قامت واشنطن بعدد من الإجراءات؛ حيث أبلغت المتحدثة باسم البنتاغون “كارلا جليسون” المراسلين بأن مركز العمليات الجوية المشتركة قد أخرج تركيا من المهمة الجوية للتحالف المناهض لـ(داعش) الذي من خلاله يتم التنسيق العمليات الجوية. كما أوقفت وصول معلومات المراقبة إلى أنقرة.

وقد جاءت الخطوات لإعاقة القدرات الجوية من التحرك بدقة، الأمر الذي يمثل حالة من الإرباك لدى الكثيرين فيما يتعلق بمستقبل التعاون الأميركي مع القوات الكردية التي لعبت دورًا بارزًا في محاربة “داعش” بدعم من واشنطن. 

الإصرار التركي على التوغل في الشمال السوري

كشفت “الجارديان” أن منطقة الشمال السوري كان التصور التركي الأميركي لها أن تكون منطقة منزوعة السلاح على طول الحدود التركية السورية، مع وجود دوريات مشتركة بين القوات التركية والأمريكية تقوم بعمليات المرقبة. لكن تم نسف ذلك من خلال إصرار “أردوغان” على إعادة توطين المنطقة التي يبلغ طولها 20 ميلًا من قبل اللاجئين العرب السوريين، وذلك من خلال التدخل العسكري للقضاء على الإرهابيين في تلك المنطقة، على الرغم من التحذيرات الدولية من المواجهة العسكرية. 

وعليه قال نائب الرئيس “فؤاد أوكتاي” إن تركيا ستنفذ خططها الخاصة فيما يتعلق بالأمن القومي 

ولن “تسيطر عليها تهديدات”. “لن تقبل تركيا بممر إرهابي أو دولة إرهاب بجوار حدودها تحت أي ظرف من الظروف مهما كانت التكلفة”، وذلك وفقًا للجارديان. 

وفيما يتعلق بالتحركات التركية أشارت صحيفة “Bloomberg” إلى أن هناك مجموعة صغيرة من القوات التركية مع مقاتلي الجيش السوري الحر دخلت سوريا في ساعة مبكرة من صباح الأربعاء في نقطتين على طول الحدود بالقرب من مدينتي تل أبيض ورأس العين، وذلك في سياق مواصلة الجيش التركي قواته على طول الحدود التي تسيطر عليها قوات سورية الديمقراطية.

وهنا لابد من توضيح دوافع الإصرار التركي على الهيمنة على الشمال السوري من خلال شن عملية عسكرية، التي تأتي تحقيقًا لرغبة أنقرة في السيطرة على الحدود السورية الموازية لها، مع تصفية جميع الفاعلين من غير الدول المتمركزين فيها باعتبارهم “إرهابيين” في إشارة إلى قوات سوريا الديمقراطية، وذلك لخدمة مصالحها بإجهاض الحلم الكردي في إقامة دولتهم على الحدود السوية، بالإضافة إلى ترسيخ هيمنة “أردوغان” على الحدود لإنه يعتبرها جزءًا من الأراضي التركية تم اقتطاعه على غرار معاهدة لوزان. بجانب رغبة “أردوغان” في لعب دورًا فاعلًا في مرحلة إعادة الأعمار ليكون له موطئ قدم مستدام فيها في سياق تنامي الفاعلين الدوليين في الأزمة السورية. 

والجدير بالذكر أن فكرة المنطقة الآمنة تزايدت بشكل كبير مع اقتراح الرئيس الأميركي “دونالد ترامب” في يناير 2019، وأن تكون بعمق 32 كيلومترا، بالتزامن مع إعلانه انسحاب القوات الأميركية بشكل مفاجئ في ديسمبر 2018. الأمر الذي اعتبرته قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من واشنطن بانه يمثل “طعنة في الظهر”، مؤكدين على رفضهم لإقامة منطقة آمنة تسيطر عليها تركيا. 

عملية “نبع السلام”

لن تكون العملية العسكرية التركية “نبع السلام” كسابقاتها “غضن الزيتون” في 2018 و”درع الفرات” في 2016، وذلك لعدد من الأسباب تأتي في مقدمتها ساحة القتال التي تفوق حجم المناطق التي دخلتها تركيا في سوريا؛ حيث تمتد من الضفة الغربية لنهر الفرات، الى الحدود السورية- العراقية، بعرض ٤٦٠ كيلو مترا، وبعمق يتراوح ما بين 30 إلى 40 كيلو مترا. 

كما أن الطبيعة الجغرافية للمنطقة ستجعل القتال مفتوح بين الجانبين، وهناك احتمالية أن تمتد المواجهة على طول الشريط الحدود، الأمر الذي سيؤدي إلى إخلاء تركيا لبعض المناطق الحدودية التابعة لها على غرار التدخل العسكري في “عفرين”.

 وفيما يتعلق بتراجع الغطاء الجوي من المتوقع أن يتم استخدام الطائرات بدون طيار، وليس بسلاح الجو التركي، خاصة مع تراجع الدعم الأميركي، وخضعوا بعض مناطق العمليات تحت سيطرة قوات التحالف الدولي.  

أما توقيت العملية فقد أصرت تركيا على التحرك الآن لتجنب حلول فصل الشتاء، لكي تتمكن المدرعات والدبابات من التحرك إلى المنطقة التي تعد في معظمها مناطق جبلية، وبعضها زراعية، ولكن سيكون من الصعب عليها تأمين المناطق التي ستدخل فيها. 

على الجانب الآخر؛ من المتوقع أن تدافع القوات الكردية عن أراضيها لمدة أطول، نتيجة ما تلقوه من تدريبات متقدمة، ومشاركتهم في القتال ضد “داعش” الأمر الذي أكسبهم خبرة قتالية كبيرة. وهناك احتمال أن تقوم بإطلاق سراح مقاتلي “داعش” الذين تم احتجازهم، نظرًا لاستمرار القتال، وكرد فعل على التراجع الدولي لدعمهم. 

Scroll Up