شنت تركيا تدخلاً عسكرياً مباشراً في شمال شرق سوريا، في ظل جملة من التفاعلات التي طرأت على بعض المواقف في الآونة الأخيرة والتي يأتي في مقدمتها اعلان البيت الأبيض أن القوات الأميركية لن تُشارك في العملية التركية شمال سوريا وان القوات الامريكية ستتنحى جانبا وتمهد الطريق لهجوم تركي، جاء ذلك ابان اتصالا هاتفيا بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس التركي أردوغان، وقد نجم عن هذا الاتصال انسحاب ما يقرب من 100 إلى 150 من العسكريين الأمريكيين المتواجدون بالقرب من الحدود التركية، حيث يتواجد في سوريا نحو 2000 جندي أمريكي رغم الإعلان الأمريكي في ديسمبر 2018 بالانسحاب من سوريا.

وفي هذا السياق يمكننا الوقوف على أبرز التطورات في الشمال السوري، عبر رصد التحركات التركية الميدانية، ودوافع تلك التحركات وصولا للتداعيات المحتملة وذلك كالتالي:

تحركات ميدانية سابقة للهجوم

C:\Users\DELL\Desktop\ff92bec6-7e62-42d3-bff5-dd115528e749.jpg

    أكد الرئيس التركي أن الهجوم على انقرة شمال سوريا قد ينطلق في أي وقت، وعبر اردوغان عن ذلك في مؤتمر صحفي قائلا “هناك عبارة نكررها على الدوام: يمكننا الدخول إلى سوريا في أي ليلة دون سابق إنذار ومن غير الوارد على الإطلاق بالنسبة لنا التغاضي لفترة أطول عن التهديدات الصادرة عن هذه المجموعات الإرهابية”.، وحول مسرح العمليات المحتمل لعملية ” نبع السلام” فتذهب اغلب التحليلات إلى أن العملية ستكون على الجبهة بعرض 460 كيلوا متر وهي المنطقة التي تخضع لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية كما ستمتد من الضفة الغربية  لنهر الفرات وصولا إلى نقطة التقاء الحدود السورية العراقية بعمق يتراوح ما بين 30 إلى 40 كيلوا مترا.، إلا أن اغلب التكهنات تؤكد ان العملية قد تقتصر على 100 كيلوا.

    وقد مهدت تركيا للعملية عبر جملة من التفاعلات والتحركات الميدانية والتي برزت في ملمحين أساسين، الأول: ارسال تعزيزات عسكرية للقوات التركية قرب مدينة تل ابيض السورية، ووفقا لما تم تداوله فقد شملت هذه التعزيزات عربات مصفحة، ومخصصة لإزالة الألغام، جرافات عسكرية، فضلا عن عدد من الدبابات والمدرعات وناقلات الجنود وغيرها من الأجهزة والمعدات العسكرية، من ناحية أخرى، ذكرت وكالة الانباء السورية (سانا) عن قيام القوات التركية باستهداف مواقع لعناصر سوريا الديمقراطية في منطقة ريف الحسكة.  

وفي ظل حالة التأهب والترقب لما ستؤول إليه التطورات القادمة يبقي الوقوف على خريطة الانتشار والتوزيع للفواعل في الشمال السوري أمر بالغ الأهمية حيث سيتحدد على أثر هذه الخريطة حدود وطبيعة المواجهة حال نشوبها الأمر الذي يمكن تحديده فيما يلي:

  • قامت القوات الامريكية المتواجدة في عين عيسى وتل أبيض بالانسحاب من مواقعها خشية أن الاضرار التي يمكن أن تلحق بهم جراء هذه العملية.
  • تظل القوات التركية متمركزة عبر الحدود التركية السورية في النطاق الجغرافي الممتد من منبج إلى عين ديوار وفي المنطقة العازلة في إدلب وعفرين.
  • وتبقى قوات سوريا الديمقراطية قابعة في المنطقة الممتدة من منبج غربا حتى الرقة شرقا، وباتجاه الحدود العراقية وصولا إلى الحسكة والقامشلي في الشمال.
  • يحتفظ الجيش السوري بمواقعه عند الحدود مع العراق مرورا بالجزء الجنوبي لدير الزور ومناطق جنوب محافظة الرقة، وباتجاه الشمال نحو حلب وغربا نحو المتوسط.

دوافع وسياقات 

   لم تكن العملية العسكرية الحالية لتركيا في الشمال السوري الأولى من نوعها، حيث شنت تركيا عمليتين عسكريتين من قبل بدأت الأولى عام 2016 وسميت وقتها بدرع الفرات والتي استهدفت كل من جرابلس ومدينتي الباب وأعزاز، فضلا عن عملية غصن الزيتون عام 2018 بمنطقة عفرين.

اتصالا بالموقف التركي السابق يمكننا الوقوف على الدوافع التركية من التدخل فيما يلي:

  • تطويق النفوذ الكردي، تسعى تركيا من خلال العملية إلى مجابهة وتطويق الاكراد في الشمال السوري والعمل على طرد قوات سوريا الديمقراطية من الأراضي الواقعة على الحدود السورية التركية، حيث ترى أنقرة أن هذه القوات تعتبر امتدادا لحزب العمل الكردستاني الذي تُصنفه تركيا تنظيماً ارهابياً، وعليه تزعم تركيا أن وجود هذه القوات الكردية يمثل تهديدا مباشرا للأمن القومي التركي خاصة في هذه القوات أصبحت تمثل قوة كبير لا يٌستهان بها في ظل الدعم الأمريكي لها، حيث تعتقد تركيا أن تنامي قوة الاكراد العسكري وفرض تواجدهم في مساحات معينة من الشمال السوري قد يكون مقدمة للدولة الكردية التي من شأنها أن تؤثر على الدولة التركية وتهدد بدعوات انفصالية، كما ترى تركيا كذلك أن هذه العناصر يمكن أن تعمل على شن هجمات ضد أنقرة خاصة في ظل التعزيز المتواصل لقدراتها العسكرية.
  • التوظيف السياسي لورقة اللاجئين، يعمل أردوغان على تسويق ورقة اللاجئين واستغلالها في الترويج للعملية العسكرية المحتملة بغرض اقناع المجتمع الدولي بجدوى وأهمية المنطقة الآمنة وفقا للرؤية التركية، حيث لوح أردوغان في (سبتمبر2019) بأنه قد يغرق أوروبا والعالم باللاجئين، إذ فتح حدود بلادة أمام هؤلاء ما لم يحصل على دعم دولي كافي في عدد من الملفات، ومن هنا بدأت تركيا بالتلويح بهذه الورقة من أجل حصد دعم أكبر لتكوين وتشكيل المنطقة الآمنة، إذ يرى أردوغان أن هذه المنطقة حال الاتفاق عليه قد تساهم في عودة ما بين مليونين إلى ثلاثة ملايين لاجئ.
  • فرض أمر واقع، تسعى تركيا من خلال العملية العسكرية إلى فرض واقع جديد من الشمال السوري من خلال احتلال هذه الأراضي ووضعها تحت السيطرة والهيمنة التركية بما يضمن لها مزيداً من النفوذ المستقبلي، خاصة وأن التواجد العسكري في هذه المنطقة سيصبح مكملا لاستراتيجية التتريك التي تتبعها أنقرة في هذه المناطق، حيث تهدف الممارسات التركية هناك إلى تحقيق السيطرة والتأثير من خلال المزج بين الاحتلال العسكري والتأثير الناعم عبر مزيد من التتريك وهو ما برز في عدد من المشاهد منها ادخال اللغة التركية في المراحل التعليمية المختلفة، فضلا عن التوسع في الأبنية والمؤسسات، ففي مدن جرابلس والباب وأعزاز قامت تركيا بتجديد مباني الخدمات الإدارية والاجتماعية، بناء نحو 450 مدرسة، بناء الطرق ومكاتب البريد، فضلا عن افتتاح فرع من جامعة “غازي عنتاب” في الشمال السوري

تداعيات مُحتملة 

  ثمة تداعيات محتملة قد تنتج عن التدخل العسكري التركي في شمال سوري وهو ما يمكن الإشارة إليه فيما يلي:

  • عودة داعش للصدارة، قد يؤدي الهجوم العسكري التركي إلى عودة داعش للمشهد مرة أخرى ومن ثم استئناف نشاطه من جديد، خاصة في ظل وجود عدد من التقارير التي تؤكد أن عناصر التنظيم بدأت مؤخراً في توسيع نفوذها في سوريا، فضلا عن أن الهجوم قد يؤدي إلى الافراج عن المقاتلين التابعين لداعش والتي تحتجزهم قوات سوريا الديمقراطية في سجونها ويتراوح عدد هؤلاء ما بين 5000 إلى 10000 حسب التقديرات المعلنة، ناهيك عن وجود نحو 130 ألف شخص في سجون الحسكة التي تديرها سوريا الديمقراطية والتي يشتبه بأنهم من أنصار تنظيم داعش، وعليه فان أي هجوم محتمل قد يؤدي إلى خروج هذه العناصر من تحت قبضة قوات سوريا الديمقراطية وهو ما يسمح بمزيد من الفوضى.
  • تأزم الوضع الإنساني، قد يساهم الهجوم التركي في وضع إنساني مأساوي، حيث قد يتسبب في موجة كبيرة من النزوح وقد يؤدي إلى تداعيات جمة على المدنيين، حيث حذرت الأمم المتحدة من أنها تستعد للأسوأ، مؤكدة أن ما يقرب من 758 ألف يعيشون في المنطقة الحدودية وقد يتسبب ذلك الهجوم في فرارهم إلى عدد من دول الجوار، كما شدد الاتحاد الأوروبي على أن “أي استئناف للمعارك سيزيد من معاناة الشعب السوري ويسبب نزوحا للسكان ويقوض الجهود السياسية لحل” النزاع.
  • الشروع في مواجهة شاملة، يستهدف الهجوم التركي تطويق بل وطرد قوات سوريا الديمقراطية من مناطق سيطرتها ونفوذها، الأمر الذي يعني حال حدوثه خسارة الاكراد لعدد من المكاسب الميدانية والسياسية التي حصلوا عليها بفعل دورهم الفاعل والمؤثر في المواجهات الدولية مع تنظيم داعش الإرهابي في فترات تمدده، ونظرا لصعوبة تخلي الأكراد عن مناطق سيطرتهم بسهولة فقد يؤدي ذلك إلى مواجهة طويلة الأمد ولن تكون بالسهولة التي تتخيلها تركيا خاصة وأن هذه العناصر مزوده بعدد من الأسلحة والمعدات العسكرية، كما أن غياب الغطاء الجوي للجيش التركي قد يُصعب من مهمته، ويمكن أن يصل حد التصعيد إلى  ضرب العمق التركي واستهداف عدد من المدن التركية الواقعة على الحدود، وفي هذا السياق فقد دعت قوات سوريا الديمقراطية المجتمع الدولي إلى التدخل لمنع تركيا من شن هجوم على مناطق سيطرتهم، وهددت بأنها ستحول أي هجوم تركي إلى حرب شاملة.
  • تنسيق كردي سوري روسي، أفرزت التطورات الأخيرة المصاحبة للحديث عن التوغل التركي في شمال سوريا، تغير في موقف الولايات المتحدة الامريكية تجاه الاكراد، حيث رأى ترمب أن دعم الاكراد أمر مكلف للغاية وأنهم قد حصلوا على مبالغ طائلة وعتاد هائل من قبل الولايات المتحدة، وقد يؤدي الموقف الأمريكي إلى قيام قوات سوريا الديمقراطية بالبحث عن حلفاء جدد وذلك عبر فتح المجال أمام تفاهمات مع النظام السوري وموسكو لملء الفراغ الأمني الناجم عن انسحاب أمريكا وكذا مواجهة الهجمات المحتملة من قبل تركيا

  مجمل القول، تبقى مؤشرات ودلالات التدخل التركي في شمال سوريا تحولا نوعيا وخطوة يمكنها ستؤثر على مجمل التفاعلات داخل الأزمة السورية، وهو ما قد يستتبعه عدد من التهديدات والتداعيات التي قد تؤثر على مسار الازمة بشكل عام سواء فيما يرتبط بمناطق السيطرة والنفوذ أو ما يتعلق بالتفاعلات والتحالفات التي يمكن أن تتشكل في هذا الصدد.

Scroll Up