بالتزامن مع بدء تركيا حملاتها العسكرية المسماة بعملية” نبع السلام” في شمال شرق سوريا في التاسع من أكتوبر الجاري، أعلنت الإدارة الذاتية الكردية الأحد الماضي، “فرار 785 شخصاً” من أفراد عائلات تنظيم “داعش” من مخيم عين عيسى للنازحين بعدما طاله قصف القوات التركية، وفي السياق ذاته، كشفت قوات سوريا الديمقراطية -في تغريده على حسابها الرسمي- أن سجنا به عدد من معتقلي داعش تعرض للقصف في غارة جوية تركية؛ إذ وفر القصف التركي على مناطق شمال شرقي سوريا، غطاء لمئات من عائلات مسلحي داعش وسجنائه للفرار من المخيمات أو السجون التي تسيطر عليها القوات الكردية. الأمر الذي يُثير تساؤلات مهمة حول الوجهات المحتملة التي سوف يذهب إليها هؤلاء، ولا سيما في ظل العلاقة الثابتة بين النظام التركي وتنظيم “داعش”. وعليه، تطرح تلك الورقة ثلاث واجهات محتملة قد يوظف فيها النظام التركي سجناء “داعش” من أجل تنفيذ أهدافه في المنطقة:

تهديد أوروبا

يُشير هذا الاحتمال إلى استمرار النظام التركي بتوظيف العناصر الهاربة من “الدواعش” لتهديد وابتزاز أوروبا سياسيًا وماليا، ولاسيما وأن الأوروبيون يمثلون نحو 20% من مقاتلي التنظيم في سوريا. وذلك لعدد من الاعتبارات يتعلق أولها، بالضغط على أوروبا من أجل عدم فرض عقوبات على أنقرة بسبب انتهاك اتفاقية ترسيم الحدود مع قبرص، والتنقيب غير المشروع عن الغاز في المياه الإقليمية القبرصية واليونانية. ويتصل ثانيها، بكسب تأييد أوروبا تجاه تحركات أنقرة بإقامة المنطقة الآمنة في سوريا. وقد عكست رسالة “أردوغان” إلى الاتحاد الأوروبي هذا التوجه بقوله: “إذا وصفتم عمليتنا العسكرية في سوريا على أنها اجتياح (غزو)، فسنفتح الأبواب للاجئين إلى أوروبا”.

 وينصرف ثالثها، إلى الحصول على أموال من أوروبا لمواجهات عجز الميزانية والأزمات الاقتصادية الحادة التي يعانيها النظام التركي. وفي هذا السياق صرح “أردوغان” أن الأموال التي يتلقاها من الاتحاد الأوروبي مقابل دعم اللاجئين، “ليست كافية”، مؤكدًا أن تركيا أنفقت 40 مليار دولار حتى الآن على استضافة السوريين. وذلك على الرغم من أن الاتحاد خصص دعماً مالياً لأنقرة بقيمة 6 مليارات يورو وفق اتفاقية عام 2016.

وقد أبدت دول أوروبية عدة قلقها البالغ من تداعيات أي هجوم تركي محتمل على المعركة ضد خلايا تنظيم داعش، الذي لا يزال ينشط عبر خلايا نائمة، خاصة وأنّ أوروبا عانت عبر العديد من العمليات التي نفذها تنظيم داعش في بلجيكا وفرنسا، من قبل عناصر عائدة، سبق وشاركت في القتال مع التنظيم واكتسبت خبرات قتالية هناك.

وفي هذا السياق، حذر جهاز الامن السويدي من أن تداعيات الهجوم التركي على سوريا، قد تُلهم أفراد التنظيم الإرهابي، ما يعنى تزايد احتمالات الهجوم على الدول الغربية.

شمال أفريقيا

يُشير هذا الاحتمال إلى استمرار النظام التركي بتوظيف عناصر “داعش” للانتقال إلى منطقة شمال أفريقيا، خاصة ليبيا، وذلك وفق جملة من الأهداف يتعلق أولها، بالسعي لتحقيق المشروع التركي عبر توظيف الميلشيات المسلحة لتمكين الإخوان من حكم ليبيا، وذلك في إطار ارتباط عناصر جماعة الأخوان الإرهابية في ليبيا بحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا وذلك في إطار تماشى المشروع التركي مع الفكر الإخواني المتطرف. وينصرف ثانيها، إلى إطالة امد الصراع الليبي سعيًا إلى فتح سوق للسلاح التركي من ناحية، واختبار الأسلحة التركية في مواجهة الجيش الوطني الليبي من ناحية أخري، وإنهاك الدولة الليبية بغرض السيطرة على مقدرات الدولة الليبية من ناحية ثالثة من أجل دعم الاقتصاد التركي المأزوم. ويرتبط ثالثها، بالضغط على دول الجوار الليبي عبر محاولة تهديد الحدود المصرية سعيًا لاستهداف آمن الدولة المصرية ومؤسساتها المختلفة، نتيجة لنجاح مصر في التصدي لمشروع الإسلام السياسي المدعوم من النظام التركي.

إعادة التموضع في مناطق النفوذ التقليدي

يُشير هذا الاحتمال إلى قيام النظام التركي بتوظيف عناصر “داعش” من أجل استعادة نفوذه في مناطق الخلافة التقليدية سواء في سوريا والعراق. وذلك عن طريق إعادة تموضع عناصر التنظيم في المناطق التي تتناسب مع المصالح التركية، عبر الحقهم بالخلايا النائمة المنتشرة داخل سوريا لضمان استمرار الصراع السوري، وضمان إيجاد شرعية للتدخل التركي في سوريا. ولاسيما مع تقويض نفوذ القاعدة في سوريا، وتشظى الكيانات التابعة لها هناك. إذ شنت وزارة الدفاع الأمريكية في الثاني من سبتمبر الماضي هجومًا صاروخيًا استهدف اجتماعًا عقده زعماء “حراس الدين”(الفصيل الجهادي الأهم في الشمال الغربي السوري، ويدين بالولاء لتنظيم “القاعدة”) داخل مخيّم تدريب قرب مدينة إدلب، وهو ما أسفر عن تصفية ما يزيد عن أربعين مقاتلاً منهم. ما يعزز من سهولة عودة تنظيم “داعش” لنشاط مرة أخري في الساحة السورية في ضوء التدخل العسكري التركي. وبالنظر إلى وضع الساحة العراقية، نجد أن المتحدث باسم العشائر العربية في العراق” مزاحم الحويت”، كشف عن دخول نحو 700 فرد من عوائل مسلحي تنظيم “داعش” الإرهابي للبلاد في أعقاب العملية التي تقودها تركيا في سوريا.

مجمل القول، تمثل العملية العسكرية التركية الأخيرة في سوريا قبلة الحياة لعودة تنظيم “داعش” للعمل مرة اخري واستعادة نفوذ ونشاط وذلك بتحرير عناصره من السجون، وتجد الإشارة إلى آخر تسجيل صوتي “للبغدادي” زعيم تنظيم “داعش” في سبتمبر 2019، إذ طالب أنصاره بالهجوم على السجون لإطلاق سراح “الدواعش” في سوريا، ويبدو أن “أردوغان” استجاب لدعوته.

Scroll Up