ليس من قبيل التبصير أن نضع الاعتداء التركي على الشمال السوري في إطار طموحات تركيا الاستعمارية ، ولا من قبيل المبالغة أن نقول أن نزعات أردوغان التوسعية تعيد الكرة باحتلال شرق الفرات كما استقطعت من قبل لواء الإسكندرونة السوري وضمته للأراضي التركية بالمخالفة لكل الأعراف الدولية.

سوريا تعيش اليوم حالة تقسيم أقرب ما تكون للواقع على الأرض، وبعد ضم الجولان جاء الدور على الشمال السوري وكل ما يعيق أنقرة أن قوتها على الأرض لم تصل للقدر الذي تستطيع به أن تعلن صراحة ضم أجزاء من الشمال السوري.

وبالعودة إلى لواء الإسكندرونة فقد تم ضمه إلى تركيا في صفقة بينها وبين فرنسا التي كانت سوريا خاضعة إلى استعمارها في ذلك الوقت أو هكذا نقلت الرواية الكلاسيكية ، والواقع أنه بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وتقسيم الامبراطورية العثمانية، وحتى نهاية الثلاثينات من القرن الماضي، كان لواء الإسكندرونة أرضاً سورية وشكل المحافظة الخامسة عشرة لها قبل أن ينضم لتركيا تحت اسم ولاية “هاتاي” .

ولم يكن الأتراك يمثلون سوى 30% من سكانه فيما شكل العرب السوريون 70% من السكان، ولأهمية الموقع واحتوائه على أهم الموانئ البحرية سعت تركيا إلى استقطاعه وضمه لأراضيها منذ وصول أتاتورك للسلطة.وعلى خلفية ذلك دخلت في مفاوضات مع الجانب الفرنسي المستعمر وحصلت على موافقته عام 1939.

الإسلاميون وتاريخ من التنكر للوطن 

أما ذلك  فكان ظاهر الرواية التاريخية ،وأما خفاياها ، وإجابة على تساؤل حول من باع لواء الإسكندرونة ينبغي وضع الأمور في نصابها الصحيح، فالإسلاميون طالما فكروا بعقلية تتجاوز الولاء للوطن واليوم لايرى الإسلاميون أي ضير في أن تقتطع تركيا أجزاء من سوريا بل أن ذلك أكثر صحة من الناحية الشرعية لأنها إلحاق لها بأرض الإسلام في تركيا  وقد كانت عبارة (هنا أرض إسلام وهناك أرض إسلام ) هي المبرر الذي ساقه أولئك لتبرير ابتلاعهم لوجود الاحتلال التركي ، والحاضر شاهد على أفعالهم ،وبالأمس أصدرت جماعة الإخوان المسلمن في سوريا بيانًا حول العدوان التركى على سوريا،  تضمن كلمات مليئة بالشعارات الرنانة والمصطلحات الوطنية ضد الإحتلال ، إلا أنها فى نفس السياق رحبت ودعمت صراحة  العدوان التركى على سوريا، معتبرة ذلك توجه حميد – على حد وصف البيان .وقد جاء دعم إخوان سوريا للعدوان التركى على سوريا، جاء خلال انعقاد الدورةُ العادية الثانية لمجلس الشورى في جماعة الإخوان في سورية وقالت الجماعة فى بيانها ” أننا ندعمُ التوجُّهَ التركيَّ لإقامة المنطقةِ الآمنة، التي تـُحقِّقُ الأمنَ والأمانَ لشعبنا على أرضه، وتقطعُ دابرَ الإرهابِ الإجراميّ، وتُحبِطُ خُطَطَ الانفصاليين الذين يُهدِّدون وحدةَ الترابِ السوريّ.

ومايوجع هو ان سبب الاستغناء عن اقليم اسكندرون هو ديني ومذهبي .. فقد ارتأى بعض المشايخ المتعصبين آنذاك أن لواء اسكندرون غني بمكونات سكانية غير سنية المذهب مما سيعطي هذه الشرائح تمثيلا أكبر في الحكومة ويقلل من هيمنة القوى السنية في الحياة السياسية السورية والحزبية .وحقيقة الأمر أنه حتى ولم لم يكن للإسلاميين اليد الطولى في تسليم اللواء فقد وافقوا على ذلك لإنكارهم قيمة الوطن.  

60 ألف كيلومتر مربع اقتطعت من سوريا

عندما دخلت فرنسا الى سوريا ، كدولة منتدبة بموجب صك الانتداب ، كانت مساحة سوريا في وثيقة الانتداب هي 245 ألف كم مترًا مربعًا .
كما جاء في صك الانتداب أيضا ، أنه يمنع على فرنسا التنازل عن أي جزء من الأرض السورية إلى أي طرف ثالث .ومع ذلك فإن مساحة سوريا الفعلية انخفضت الى 180 الف كم . أما مساحة ال 185 ألف التي نعرف بها مساحة سوريا ، فهي تعني اللواء ضمنا .ومن خلال اتفاقيات مشبوهة ، كاتفاقية أنقرة الاولى والثانية ، تم التنازل عن كليكيا السورية بالكامل في معاهدة أنقرة الاولى.أما في الثانية والتي عقدتها فرنسا مع تركيا ، فقد تم التنازل عن مساحة من الارض تشمل حوالي 60 الف كم .

وبقي لواء الاسكندرون بمساحته البالغة 4800 كم سوريا ، يعين رئيس الدولة السورية حاكمه ويرفع على مؤسساته العلم السوري ، مع اتحاد جمركي ونقدي مع سوريا ، على أن يكون له برلمان خاص به مكون من 40 مقعدا وله ممثلوه في البرلمان السوري .

 توقيع معاهدة الاستقلال بين سوريا وفرنسا عام 1936 

خلال فترة الانتداب الفرنسي على اللواء، كان الفرنسيون قد بدأوا التخطيط 

لفصل اللواء من جديد؛ إضعافاً للدولة السورية الوليدة، وإرضاءً للجمهورية التركية الطامحة آنذاك للتقليل من خسائر معاهدة سيفر واستعادة أكبر قدر ممكن من ممتلكات الدولة العثمانية، فسمحت منذ العشرينيات بسياسة تتريك هادئة، ساهمت في رفع نسبة الأتراك من 20% إلى حدود الـ 35% خلال 15 عاماً.

وبعد انضمام الدولة السورية إلى عصبة الأمم عام 1936 وشمول أراضيها لواء الإسكندرون، بادرت تركيا برفض إبقاء اللواء ضمن الدولة السورية، وطالبت بتحويله إلى دولة مستقلة، تمهيداً لضمه لاحقاً. ورفعت تركيا القضية إلى عصبة الأمم بالتعاون مع فرنسا، وهو ما اعتبر مخالفةً فرنسية لصكّ الانتداب الذي يمنع الدولة المنتدَبة من التنازل عن أيّ جزء من الأراضي المنتدبة عليها.

وعند صدور القرار كان عدد سكان اللواء 220 ألف نسمة، 105 آلاف منهم من العرب، و85 ألف من الأتراك، و25 ألف من الأكراد، و5 آلاف من الأرمن. وقد استقبلت تركيا قرار عُصبة الأمم بارتياح وترحيب كبيرين.

احتجاجات دمشق فبراير 1939  

في (يونيو) من العام 1939 أشرف الفرنسيون على عقد استفتاء حول انضمام اللواء إلى تركيا، شهد تجاوزات كبيرة، كمشاركة الآلاف من الأتراك الذين نُقلوا في شاحنات للمشاركة فيه، وقاطعه العرب الذين كانوا يشكلون نحو 40% من سكان دولة “هاتي” (29% علويين عرب و11% سنة عرب).

وفي الأول من (سبتمبر) من العام نفسه، أُعلن رسمياً عن ضم اللواء إلى تركيا وتحوّل اسمه إلى “محافظة هاتاي”، وأصبح المحافظة التركية الحادية والثمانين. وقد استغلت تركيا اندلاع أحداث الحرب العالمية الثانية آنذاك، وتفكك وانهيار منظمة عُصبة الأمم، وانشغال العالم بالحرب لضم اللواء إليها نهائياً، في خطوة لم تعترف بها عُصبة الأمم، ولا خليفتها منظمة الأمم المتحدة.

أصوات خافتة 

في السنوات التالية لم تكن المطالبة باللواء قضية قومية في سوريا في فترة امتدت طوال حكم حزب البعث “حافظ الأسد”. وشهد الوضع تغيرًا بحلول عام 1996 عندما اقتحمت تركيا الأراضي السورية رغبة في الضغط على النظام هناك لقمع التمرد الكردي بقيادة عبد الله أوجلان. وفرض آنذاك اتفاق مذل على على القيادة السورية قضى بحق تركيا في دخول الأراضي السورية في كل مرة تستشعر فيه أن حدودها مهددة وكل الفرق بين ما حدث وما سيحدث أن تركيا استبدلت باريس بموسكو. ولم يكن قبل تقلد وليد المعلم لمنصب وزير الخارجية في سوريا وزيارته للاذقية والتي طالب فيها باستعادة لواء الإسكندرونة.

 ويأتي تسليط الضوء على قصة استقطاع لواء الاسكندرونة  في إطار تفسير السلوك التركي الحالي او منذ اندلاع الثورة السورية منذ ثمانية أعوام. ومحاولات أردوغان المستمرة لتبرير تدخله في الأراضي السورية بالتخوف من الأكراد لا يمت للواقع بصلة ، فالأكراد وأهدافهم معلنة منذ اليوم الأول للثرة السورية وهو ما يطرح تساؤلًا حول لماذا لم يرسل أردوغان دباباته إلا في الأشهر الأخيرة. نحن أمام حالة صريحة وإعادة بعث لتحركات أنقرة الاستعمارية.

Scroll Up