لعبت وسائل الإعلام التقليدية دورًا بارزًا في التأثير على الشعوب وتوجهاتهم نحو أنظمتهم السياسية وباقي دول العالم، وذلك في سياق التطور التكنولوجي، وثورة الاتصالات الرقمية التي مكّنت وسائل الإعلام من تنامي آلياتها في عملية التأثير. الأمر الذي وظّفته لخدمة مصالحها، لخلق صور ذهنية في عقول الشعوب تدعم أجندتها السياسية.   

هذا بجانب إمكانية استغلال بعض الدول لثقة الشعوب في مجموعة من “وسائل الإعلام”، التي تتدعى الموضوعية والشفافية والنزاهة في التناول الإعلامي في توجيه تفضيلاتهم واختياراتهم من خلالها مما يؤدي إلى تحطيم الإرادة الذاتية لهم وجعلها تسير وفقًا لمسار الدولة.  

وبالنظر إلى وسائل الإعلام الغربية فإنها ترفض اتهامها بعدم الموضوعية، وتسعى دائمًا إلى الترويج لنفسها بكونها ذات مهنية أخلاقية، تحترم إرادة الشعوب ومصالح الحكومات وهو ما تم إثبات عدم مصداقيته.  وتجلى في تناول هيئة الإذاعة البريطانية “BBC“، لبعض الأحداث في الآونة الأخيرة، وتم توضيح ذلك مع إصدار الكاتب البريطاني “ديفيد سيدجويك“، كتابه المُعنون” هيئة الإذاعة البريطانية: بريطانيا وغسل العقول؟ كيف ولماذا تسيطر BBC على عقلك “، في نوفمبر 2018، الذي يتناول فيه كيف تم خداع الشعب البريطاني خلال متابعته إلى المحتوى الإعلامي الذي تقدمه BBC.

فعندما نفكر في الدعاية من المحتمل أن نتخيل الحرب، وخاصة الحربين العالميتين الأولى والثانية، إذ يمكن القول إن الدعاية جاءت خلال هذه الصراعات. من المؤكد أن كلا الجانبين استغلا الصحافة التقليدية وكذلك الوسائط الجديدة للإذاعة والسينما للتلاعب بالرأي العام. 

الفن المظلم في خداع العقول 

يوضح الكاتب أنه لكي تتمكن BBC من تقديم المعلومات وفقًا لمتطلبات “إجماع النخبة“، تعمل بجدية على تأليف قصص تعزز إحدى الروايات المكتوبة مسبقًا. ويقول الكاتب إنه استخدم الفعل “يؤلف” بشكل متعمد لتسليط الضوء على حقيقة أن محتوى BBC مصنوع بعناية فائقة، وليس المقصود هنا ما يتعلق بأساسيات الممارسة الصحفية مثل قراءة الأدلة، لكن ما يتعلق بالأخلاق. 

فعلى الرغم من أن الصحفي الموضوعي بحق يجب عليه تقديم تقارير بإخلاص ونزاهة، فإن أولئك الذين يتبعون مخططًا لا يتمتعون بهذه الحرية، بل وعليهم إقناع أنفسهم بطريقة أو بأخرى بأن النزاهة في صميم أنشطتهم. وعبّر الكاتب عن ذلك من خلال وصف ما تقدمه BBC بأنه عبارة عن فن مظلم يُستخدم لغسيل العقول بلا توقف؛ إذ يريد الكتاب توضيح مسارات الخداع التي تتبعها الهيئة في كل مرة تتناول فيها محتوى جديد بعد أن أضحت صوت الشعب البريطاني منذ خمسينيات القرن العشرين. 

لذا يجادل الكاتب بأن الهيئة لديها قدرة كبيرة للتأثير على الشعب بغض النظر عن قناعاته السياسية، وعليه ليس من المتوقع أن تلتزم هيئة الإذاعة الممولة من القطاع العام بالقيم التحريرية في ميثاقها وممارسة “الدقة والنزاهة” في الأخبار التي تعرضها على الجمهور، الأمر الذي يثير حالة من الغضب إزاء كيفية تعمّد الهيئة التهكُّم من هذه القيم على أساس يومي.

في هذا السياق تطرق الكتاب إلى مدى تأثير الهيئة على العقل الجمعي للمجتمع، من خلال تكرار الأفكار والمعلومات بشكل يومي وجعلها مألوفة للجميع، وزيادة احتمالات قبوله. فعلى سبيل المثال، تعمُّد ذكر ترامب وبوتين وبوتين وترامب بشكل ثنائي على مسامع جماهير الهيئة كل يوم تقريبًا، حتى لم تعد علاقتهم المفترضة محل شك

التكتيكات الدعائية لـ BBC

للتأثير على جمهورها، تعتمد BBC على مجموعة كاملة من التقنيات التي يمكن وصفها بأنها تكتيكات دعائية في كثير من الأحيان، والذي يتجسد على سبيل المثال سيعتمد اختيار “ناشط” أو مذيع الهيئة وصف حشد من المتظاهرين ما بين أنهم “مثيري شغب” أو “متظاهرين” كليا على انتمائهم السياسي، إذ ستتم تسمية المتظاهرين اليمينيين “مثيري الشغب” أو كما هو الحال عادة “أقصى اليمين”، في حين أن المتظاهرين اليساريين سيكونون دائمًا “متظاهرين” أو “مناهضين للفاشيين”. 

فمن خلال اختيار كلمة واحدة فقط، يمكن للمذيع التأثير على ملايين من الناس، وظهر ذلك في التعاطي مع القضية الفلسطينية وتغطية الاشتباكات بين الفلسطينيين والإسرائيليين؛ فقد تلاعبت BBC في تفاعل الجمهور مع القضية من خلال توظيف الأحداث وإعادة صياغاتها بشكل مثير لكي يجذب أكبر عدد منهم، فعلى سبيل المثال نشرت خبر  بعنوان “مقتل ثلاثة فلسطينيين بعد طعنهم المميت في القدس”، الأمر الذي قد يدفع القارئ إلى افتراض أن ثلاثة فلسطينيين تعرضوا للطعن حتى الموت في القدس، ويفترض أن يكون ذلك من قبل الإسرائيليين، هذا ما تأمل القناة في توصيله للجماهير. لكن كانت عملية الطعن عبارة عن رد فعل على طعن ضابطة إسرائيلية تابعة لأمن الحدود تبلغ من العمر 23 عامًا، وفي أعقاب عملية القتل، أطلقت قوات الأمن الإسرائيلية النار وقتلت المسؤولين عنها، وبعد الضغط المستمر، تحول عنوان BBC بطريقة سحرية إلى: “طعنت شرطية إسرائيلية حتى الموت في القدس “. 

وعليه وفقا للكاتب، يمكن ملاحظة كيف يمكن للتغيير في التركيز ونقل الخبر أن يؤثر جذريا في طريقة فهم الحادث. ويرجع ذلك إلى أن المنصة الإذاعية التي تدّعي “النزاهة والحرية” تأمل في التلاعب وكسب التعاطف مع ثلاثة فلسطينيين “أبرياء”، والمزيد من ضحايا الوحشية الإسرائيلية.

التأطير اللأخلاقي للقضايا 

وفقا لـ “ديفيد سيدجويك“، عملت BBC على تصدير صورة إيجابية حول بعض القضايا الخاصة بالهجرة، مثل “الأطفال اليائسون” وتقليل أهمية قضايا أخرى مثل الجريمة، بل وتوجيه انتقادات لاذعة لمنتقدي الهجرة الجماعية، واستغلال الفرص الدعائية لهذه القضية، وتقديم محتوى مشبع أيديولوجيًا رغم الادعاء بأنهم محايدون. استطاعت BBC التحايل على الميثاق الملكي من حيث اختيار اللغة والصور وحتى نغمة الصوت، مما يجعل رأيها قويا ومُقنعا، فهي تعمل على نسج الخيوط بشكل يمكن للجمهور أن يعتبره معقولا، حتى ولو كانت متمثلة في الفكاهة كأداة للدعاية خاصة بين الجمهور من صغار السن الذي يعتبر القبول الاجتماعي جزءً حاسما من تطوره النفسي الاجتماعي، لأنهم يريدون أن يكونوا فاعلين ضمن الأغلبية ولا يتم عزلهم.

التحيز لأفكار يسارية ممولة

قال “ديفيد سيدجويك” في كتابه، أن BBC تمارس نوعا من “الماركسية الثقافية”، التي يتم من خلالها تقويض المجتمع ذو القيم المحافظة، مما يعني أن كل أفعالها باتت موجهة، مما جعل الكاتب يشير إلى أن ردة الفعل على ذلك قد تكون عنيفة، مشيرا إلى أن مفهوم الماركسية الثقافية يعني “عملية تدريجية لتدمير كل التقاليد واللغات والأديان والفردية والحكومة والأسرة والقانون والنظام لإعادة تحويل المجتمع في المستقبل إلى يوتوبيا شيوعية، ولن يكون فيها أي فكرة عن التقاليد أو الأخلاق أو الإله أو حتى الأسرة والدولة”. وكذلك “النظرية النقدية”: التي هي عبارة عن نموذج للتحليل الاجتماعي والثقافي معادٍ لكل تقاليد المجتمع الغربي: المسيحية والرأسمالية والقانون والنظام والأسرة والأخلاق والولاء والوطنية والمحافظة وما إلى ذلك، وذلك باتباع استراتيجية “فرّق تسد”.

ومنذ ستينيات القرن الماضي، بدأت BBC في التحول من مجرد منتج للبرامج التلفزيونية الترفيهية الخفيفة ومؤرخ للأحداث الإخبارية، وتم تزويدها –بشكل تدريجي- بشباب يُطلق عليهم “محارب العدالة الاجتماعية”، وأصحاب “رسائل تقدمية”. كان كارلتون جرين مديرا عاما لـ BBC في الفترة من 1960- 1969 مسؤولا عن الانهيار الأخلاقي الذي تميزت به في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، وذلك بعد انضمامه لها عام 1940. 

رسخ المفكر الماركسي “أنطونيو جرامشي” مسألة “المسيرة الطويلة من خلال المؤسسات”، أي أن الهجوم على المؤسسات سيكون صراعًا طويلًا وصعبًا. وبحلول الثمانينيات من القرن الماضي، بدأ استغلال المهاجرين واللاجئين، وأي شخص ليس له ولاء يذكر للثقافة والمجتمع الأوروبي- الأمريكي، وفي العصر الحديث، وجدت الماركسية ضحيتها الجديدة متمثلة في الأقليات، سواء كانت عرقية أو ثقافية أو دينية أو جنسية، وعلى سبيل المثال، فقد شجعت BBC سياسة الهجرة التي أطلقتها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في 2015، وكان ذلك في نشاط تلقائي غير واعي من قبل “ناشطي” الهيئة. 

استبدادية BBC مع موظفيها

أشار الكتاب إلى أن سياسة BBC تقوم على ضرورة أن يتصرف مذيعوها بشكل لائق، لكن ما يحدث هو أنه من غير المقنع وجود مكان عمل يشترك كل موظفيها البالغ عددهم 20 ألفًا، نفس العقيدة، وقال أحد المذيعين في الهيئة “بيتر سيزونز” إن تخريب حياتك المهنية في الهيئة يعني أنك خالفت موقفها السائد تجاه كل شيء، فلا يمكن التسامح مع أي انحراف عن المسار، وعليه لا تعتبر BBC نفسها مستبدة في هذا النطاق، ومن أمثلة العقيدة الواحدة أيضًا، كانت الآراء موجهة نحو تأييد الرئيس الأمريكي السابق “باراك أوباما”، في حين تتم رؤية “دونالد ترامب” كمهدد للسلام العالمي.  

وعليه فقد تم الإشارة عمدًا إلى موظفي BBC بوصفهم نشطاء بدلًا من صحفيين، بهدف تفسير الحقائق بما يتناسب مع مفاهميها، بمعنى أنه بينما يقترب الصحفي من القصة بعقل متفتح، يتم تأليف عقل الناشط بشكل مسبق، الصحفي يصل إلى نتيجة في نهاية التحقيق، في حين يبدأ الناشط بالنتيجة. على سبيل المثال، إذا تم تخيل سيناريو تعطلت فيه طائرة الرئاسة الأمريكية، يستطيع الرئيس نفسه سحب 5 من أفراد الطاقم الثمانية إلى بر الأمان، ويموت الثلاثة الآخرين، وتماشيًا مع سياسة BBC المسبقة، لو حدث هذا الحادث في عهد “أوباما”، سيكون العنوان الآتي: “أوباما ينقذ خمسة من أفراد الطاقم من حرق الحطام”، أما إذا حدث هذا أثناء رئاسة “ترامب”، فمن المرجح أن يكون العنوان: “ترامب يترك ثلاثة من أفراد الطاقم ليهلكوا في حرق حطام الطائرة”.

وفي هذا السياق ارتبطت سياسة BBC مع CNN الأمريكية بشكل أقوى منذ تولي “ترامب”، وقد اعتبرها البعض عبارة عن شبكة أخبار مزيفة، وأطلقوا عليها شبكة “كلينتون”، وأصبحت الشبكة يسارية متطرفة تعمل على تغيير اليمين وتُشيد باليسار بلا توقف تقريبًا. 

“الخوف” و”الإغفال” في التناول الإعلامي

يوضح الكتاب كيفية التناول الإعلامي للأحداث؛ بحيث يمكن لهيئة البث التأثير بشكل كبير على استجابة جمهورها، فالأمر لا يعتمد على التحليل الموضوعي للوقائع، بل يعتمد بشكل كلي على تحيزات المذيع. فقد سعى الكتاب لتوضيح آليات BBC في إقناع الشعب البريطاني لتقبل بعض السياسات ورفض بعضها من خلال تبني آلية التخويف، وقد تجلى ذلك في محاولة للتأثير على خيارات البريطانيين إبان الاستفتاء على الخروج من الاتحاد الأوروبي في 2016، من خلال طرح عدد من الأسئلة “هل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كارثة لأيرلندا الشمالية؟ لكي تقنع الجمهور بضرورة البقاء في الاتحاد دعمًا للكتلة السياسة الرافضة للخروج.

وفيما يتعلق بتحضير أجندة المحتوى، فقد اعتمدت BBCعلى آلية الإغفال في التناول؛ حيث تقوم بتصفية الأحداث والمعلومات التي لا تتناسب مع رواية المذيع المكتوبة مسبقًا. على سبيل المثال، عندما اعترف رئيس بنك “جولدبيرج ساكس” “لويد بلانكفين” بأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لن يلحق الضرر بالاقتصاد بالطريقة التي تنبأ بها اللوبي الموالي للاتحاد الأوروبي الذي ترأسه BBC، كان هذا يعني نكسة كبيرة للنخب المناهضة لبريكست التي كانت تتوقع انهيار اقتصادي محتمل. ومع استمرار المفاوضات الخروج، أدلى “بلانكفين” بعدد من التصريحات حول الوضع الاقتصادي البريطاني، الأمر الذي وظّفته BBC بما يتوافق مع أجندتها من خلال إغفال واقتطاع أجزاء من تلك التصريحات. 

إدراك الجمهور لخداع BBC

استعان الكاتب ببعض ما نُشر على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي أظهرت استخدام بعض الكلمات حول BBC مثل التحيز والمعاداة لبريطانيا والنخبوية، بالإضافة لنفور بعض الجماهير من متابعتها لأنها ممولة من اليساريين المعاديين لبريطانيا، فقد تم إلغاء ما يقرب من 10 ملايين ترخيص تلفزيوني في المملكة المتحدة بين عامي 2007 و2017، مما يشير إلى طبيعة التحول الذي تشهده الهيئة من الداخل، وفي 2017، ألغى حوالي 860 ألف شخص تراخيصهم الخاصة. اعتبارًا من عام 2017 أيضًا، تكبّدت النشرتان الإخباريتان الرئيسيتان في BBC خسائر كبيرة في جمهورها (بالملايين)، وبين عامي 2012 و2018، فقدت قناة BBC News Channel -خدمة الأخبار على مدار 24 ساعة- 36٪ من جمهورها.

كما أشار الكاتب إلى بعض الإحصائيات الخاصة بمتابعة الجماهير لبرامج BBC؛ حيث يعرض الجدول التالي متوسط عدد مرات المشاهدة (بالملايين) بين عامي 2001 و2017 لبعض البرامج الأكثر استمرارًا:

يوضح الجدول –وفقًا للكاتب- أنه لو كان هناك تناول إعلامي وكادر موظفين يتسمون بالمهنية، لما تراجعت نسبة المشاهدة على هذا النحو. فضلاً عن تراجع نسبة مستمعين Radio 1 في غضون ست سنوات فقط بين عامي 2011 و2017، بحوالي 20٪.

للإطلاع على الكتاب 

Scroll Up