شراكة متعددة الأهداف، تمتزج فيها العلاقات المصرية الألمانية الأفريقية ببعضها البعض، لتأسيس مرحلة جديدة من التعاون، وترسيخ أسس الشراكة العادلة، لتطوير اقتصادات الدول الأفريقية وجذب الاستثمارات، وتعزيز التنمية المستدامة، والحد من عدد اللاجئين. 

على بوابة أفريقيا تقف مصر التي تملك فرصًا استثمارية هائلة فى مختلف القطاعات، ويرى فيها المستثمرون مستقبل الاقتصاد الأفريقي، لتشارك للمرة الثالثة على التوالي في القمة الألمانية الأفريقية التي تنعقد هذا العام تحت عنوان “قمة الاستثمار مستقبل مشترك” يومي 19 و20 نوفمبر، بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي بصفته رئيسا لمصر وللاتحاد الإفريقي، إلى جانب حضور عدد من رؤساء الدول الإفريقية.  

تحظى القمة هذا العام بأهمية لسببين: الأول، يعود إلى توقيت القمة الذي يأتي في أصعب اللحظات التي يمر بها الاقتصاد العالمي نتيجة تباطؤ النمو، وفي ظل محاولة من الجانب الألماني لإنقاذ الدول الأفريقية التي تعاني أزمات اقتصادية في الوقت الحالي، أما الثاني، يعود إلى رئاسة مصر للاتحاد الأفريقي وتأكيدها على أهمية العمل الجماعي الإفريقي على المستوى الدولي، في ضوء التحديات التنموية، كما لمصر مبادرات هامة ومؤثرة على صعيد التنمية في إفريقيا.

أبرز قضايا القمة:  

  • بحث تقديم خطوات عملية وإجراءات فعالة لدعم التنمية في أفريقيا ودفع التنمية الاقتصادية.
  • جذب الاستثمارات الخاصة لأفريقيا، والمساهمة في تحديث البنى التحتية في القارة، والعمل على توظيف الشباب وخلق فرص عمل من خلال الصناعات كثيفة العمالة.
  • تقدم ألمانيا خلال القمة رؤيتها ومقترحاتها بشأن التعاون لدعم عملية التصنيع في أفريقيا، ولمساندة تلك الدول وأهمها مصر، في جهودها لتسريع برامجها التصنيعية ومكافحة الفقر وتحقيق التنمية المستدامة.
  • معالجة أسباب الهجرة غير الشرعية وإيجاد آفاق لهذه الشعوب في دولها والعمل على تأمين مستقبل مناسب للشباب والحد من الهجرة. 
  • دعم التصنيع في أفريقيا والدول الأقل نموا، وإقامة شراكات بين القطاعين العام والخاص في الدول الأفريقية. 
  • تحديث طرق الزراعة وعالم الأعمال التجارية وكذلك أوضاع المرأة والشباب وتشجيع ريادة الأعمال. 

أولاً: دوافع التوجه الألماني نحو إفريقيا

Image result for germany compact with  africa

 تسعى ألمانيا من خلال رئاستها الدورية لمجموعة العشرين لاجتذاب الاستثمارات نحو أفريقيا كمرحلة أساسية للحد من الهجرة إلى أوروبا، وخلق دور ريادي لها، ومنافسة القوى الدولية الناشطة في إفريقيا، مثل فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، أو الناشئة مثل الصين والهند والبرازيل، وفي إطار هذه المساعي أطلقت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في 2017 مبادرة الشراكة مع أفريقيا، عبر دعم المبادرات الاقتصادية والتنموية وبرامج الاستثمار الهادفة إلى تحقيق التنمية الدائمة في الدول الإفريقية. 

1- زيادة الاستثمار

إن رغبة ألمانيا في إحياء العلاقات الاقتصادية مع البلدان الإفريقية جاءت عقب جولة إفريقية قامت بها المستشارة الألمانية، في أكتوبر2016، إلى مالي والنيجر وإثيوبيا. أدركت فيها أن برلين متأخرة في سباق القوى العظمى نحو القارة، خاصة في مجال الاستثمار، وأن هناك استثمارات وتبادل تجاري للقارة مع قوى، مثل الصين والهند وفرنسا وبريطانيا. 

وفي إطار اتفاقية الشراكة مع إفريقيا، عملت ألمانيا على دعم حكومة كوت ديفوار وغانا وتونس من خلال إجراءات ثنائية محددة الهدف، وهو ما يسمى “الشراكات من أجل الإصلاح”، بهدف التوسع في الطاقات المتجددة وتحسين كفاءة الطاقة وتنمية القطاع المالي والمصرفي. في حين تقوم البلدان الشريكة بتطبيق خطوات الإصلاح. 

وكانت ألمانيا قد اقترحت قبل عامين مشروع مارشال لإنعاش الاقتصاد الأفريقي الذي تنظر له كسوق مستقبلي صاعد سيساهم في تنمية الصادرات. كما وعدت ميركل بإنشاء صندوق بمليار يورو لدعم الاستثمارات في إفريقيا وتأمينها. وفي الشهور الخمسة الأولى من العام الجاري ارتفع حجم التجارة مع أفريقيا -حسب غرفة التجارة والصناعة الألمانية- مقارنة مع الفترة نفسها من العام الماضي بنسبة 12.7%. إلى جانب ذلك تعتبر كل من مصر وجنوب إفريقيا والجزائر وتونس والمغرب وليبيا ونيجريا وكوت ديفوار وأثيوبيا وغانا وكينيا من أهم الشركاء التجاريين. وتتركز الاستثمارات في مصر في مجال الصناعات الكيميائية والنقل والخدمات اللوجستية والسيارات وقطع غيار السيارات والهندسة الميكانيكية والخدمات المالية.

وأعلنت المستشارة الألمانية حزمة من التدابير لتكملة مبادرة “الشراكة مع أفريقيا Compact with Africa ويشمل ذلك:

  • إنشاء صندوق استثماري تنموي للشركات الصغيرة والمتوسطة من أوروبا وأفريقيا لتمويل القروض ويهدف ذلك إلى إتاحة الفرصة أمام دخول شركات جديدة إلى الأسواق.
  • تأمين صادرات واستثمارات الشركات الألمانية في بلدان “الشراكة مع أفريقيا” ضد المخاطر السياسية ومخاطر التعثر في السداد
  • التفاوض بشأن اتفاقية الازدواج الضريبي مع بلدان أفريقية أخرى
  • إبرام شراكات جديدة في مجال التوظيف والتدريب مع شركات ومؤسسات بأفريقيا وتعزيز المجمعات الحرفية والتجارية والصناعية الإقليمية
  • التفاوض حول شراكات إصلاح ثنائية جديدة مع السنغال والمغرب وإثيوبيا

2- الحد من تدفق المهاجرين

ركزت أنجيلا ميركل خلال الأعوام الأخيرة على الجانب الأفريقي في دبلوماسيتها، معولة على بلدان القارة لاحتواء تدفق المهاجرين نحو أوروبا، بعد أن واجهت ضغوطا شديدة للحد من عدد طالبي اللجوء القادمين إلى ألمانيا، وتعرضت لانتقادات كثيرة حتى داخل معسكرها المحافظ لفتحها الباب أمام أكثر من مليون مهاجر عامي 2015 و2016. وترى ألمانيا أن وقف تدفق المهاجرين إليها ضرورة ملحة، ومن مصلحتها معالجة أسباب الهجرة من خلال التنمية الاقتصادية التي يجب أن تكون بوتيرة سريعة.

وفي هذا الشأن، قامت المستشارة الألمانية بعدد من الجولات في إفريقيا بحثا عن فرص استثمارية تدعم التنمية الاقتصادية في القارة وتكبح الموجات المستقبلية من الهجرة نحو أوروبا. وقامت بزيارة مالي والنيجر، اللتين تشكلان معبرين كبيرين للراغبين في اللجوء. وتعهدت بتقديم مزيد من المساعدات المالية للنيجر إحدى أفقر دول العالم لدعم حربها ضد مهربي البشر والإسلاميين المتشددين. كما قامت بجولة عربية في 2017 شملت كلا من مصر وتونس. وعقدت محادثات مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، تلتها أخرى مع الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، حول الوضع السياسي في ليبيا -التي تحولت بعد إغلاق طريق البلقان إلى محطة الانطلاق الأولى للمهاجرين نحو أوروبا. 

وتم الاتفاق مع مصر على نقاط ملموسة، منها مراقبة الحدود وتزويد مصر بأسلحة ومعدات تكنولوجية بغرض ضبط الحدود البحرية والبرية على الجانب الليبي، والحصول على تسهيلات في سداد تكلفة أنواع محددة من السلاح قد تستورد من ألمانيا. وأكدت مصر على ضرورة التركيز أولا على وقف “تهريب اللاجئين”، خاصة أنها لا تنشئ “معسكرات لاجئين” وأن مشاركة دول دعمت الجماعات المسلحة الليبية في أي اتفاق سياسي بين القوى السياسية سيكون تأثيرها سلبياً. وعقب زيارتها لمصر في مارس الماضي، تم الإعلان على اتفاقية بين مصر وألمانيا أُطلق عليها “إعادة التوطين”، يتم من خلالها نقل 1600 لاجئ من مصر -معظمهم من النساء- إلى ألمانيا، وسيحظون بدعم من الحكومة الألمانية.

3- محاربة الإرهاب

لعل أحد الأسباب الرئيسية لقمة الشراكة الألمانية الأفريقية، محاربة التنظيمات الإرهابية المستوطنة في إفريقيا، والتي ترتبط بتنظيم القاعدة وداعش، فمن خلال التنمية المستدامة لإفريقيا تسعى ألمانيا لمحاربة إرهاب هذه التنظيمات عن طريق زيادة وعى الشعوب. كما تعمل مصر وألمانيا على تبادل وجهات النظر حول محاربة الإرهاب خاصة في ليبيا، لإنهاء فوضى انتشار الجماعات الإجرامية والميليشيات الإرهابية، ومنح الأولوية القصوى لمكافحة الإرهاب وتحقيق الاستقرار والأمن، وهو ما عبرت عنه المستشارة الألمانية خلال اتصال هاتفي أجرته مع الرئيس عبد الفتاح السيسي في 15 نوفمبر.

ثانيًا: دلالات المشاركة المصرية في القمة الإفريقية

تعد هذه هي المشاركة الثالثة للرئيس عبد الفتاح السيسي في القمة الألمانية الأفريقية، حيث سبق وأن شارك في القمة الأولى التي استضافتها برلين في يونيو 2017، والثانية في أكتوبر2018. حضور ومشاركة الرئيس السيسي يعكس مدى الحرص على أن تكون القمة فرصة مواتية للرئيس ولزعماء أفريقيا للوصول بأصواتهم بشكل أكثر وضوحا لدول العالم، وسيصبح بإمكان الدول الأفريقية وألمانيا التشاور والحوار واتخاذ القرارات فيما يخص شئون الاقتصاد والتنمية المستدامة. 

وستكون القمة فرصة مناسبة لإطلاع الدول الأفريقية إضافة إلى ألمانيا، على مدى تقدم الإصلاحات الاقتصادية التي أنجزتها مصر، وما تحقق على أرض الواقع بعد قفزة التحسن التي يشهدها الاقتصاد المصري مؤخرا، وثقة مؤسسات التمويل الدولية في مصر، على الرغم من المواجهة مع الإرهاب في سيناء. ومن مؤشرات هذا التحسن في الاقتصاد المصري، ما يشهده سوق السياحة الألمانية إلى مصر، من ارتفاع كبير بعد زيارة ميركل لمصر في مارس الماضي، وقد وصل عدد السائحين الألمان إلى مصر عام 2019 إلى مليون وثمانمائة ألف سائح.

وتكتسب الزيارة أهمية سواء على المستوى الثنائي والإفريقي والإقليمي من خلال اللقاءات الثنائية التي سيجريها الرئيس السيسي مع المستشارة الألمانية، بما يؤكد عمق العلاقات المصرية الألمانية، وكذلك اللقاءات مع الزعماء الأفارقة، كما تؤكد المكانة التي تحظى بها مصر كعضو فاعل في الأسرة الأفريقية وفي مجلس الأمن الدولي ومجلس السلم والأمن الأفريقي. خاصة وأن القادة الأفارقة يتابعون مشروعات التنمية في مصر ويريدون التعاون الاقتصادي مع القاهرة.

ختاماً، إن التعاون بين القاهرة وبرلين بلغ ذروة تكاد تكون غير مسبوقة، من خلال “شراكة متعددة الوجوه” سياسيا واقتصاديا وعسكريا وأمنيا وسياحيا، شراكة ذات أبعاد ومحاور متنوعة، نواتها الصلبة توافق الرؤي والمصالح، بالإضافة إلى ما يجمع الدولتين من أوجه تشابه، ألمانيا القطب الأوروبي ذا المكانة الدولية المرموقة، ومصر القطب المحوري في الشرق الأوسط، والدولة الرائدة في إفريقيا، ما يؤكد أن البلدين يخطوان معا لتحقيق قفزة نوعية في علاقات التعاون المشترك.فعلى المستوى الثنائى، كشفت السنوات الماضية أن التطور الإيجابى الكبير فى العلاقات المصرية الألمانية كان فى صالح الدولتين، وفى صالح السلام والتنمية والاستقرار فى كل من أوربا والشرق الأوسط وأفريقيا، وجميعها أهداف مشتركة تسعى إليها مصر وألمانيا. كما أن القضايا التى تحتل الأولية للطرفين خاصة قضيتى مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية، فقد حققت مصر فيهما إنجازاً كبيراً، ولديها الآن خبرة ناجحة فى المجالين معاً يسعى الجميع للاستفادة منها. وعلى الصعيد الإقليمى، لاشك أن قضايا الأزمات فى سوريا وليبيا واليمن وكذلك القضية الفلسطينية، جميعها فى مراحل بالغة الأهمية، بالنسبة للدولتين ولأوربا والشرق الأوسط وافريقيا بما لكل من هذه الأزمات والصراعات من انعكاسات فى انتشار الإرهاب وعدم الاستقرار وقضية اللاجئين وغير ذلك.

Scroll Up