التعاون الاقتصادي والعسكري” هو عنوان اليوم الأول من قمة العشرين وإفريقيا، والذي يتفق مع الرؤى المصرية والألمانية القائمة على مبدأ تحقيق الاستقرار من خلال التنمية الاقتصادية والتبادل الأمني القائم على المصالح المشتركة بين الدول، ويحقق وجهة النظر الألمانية في التعامل مع الدول الإفريقية كل على حدة، وهو ما شهدناه اليوم في كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي بالعاصمة الألمانية برلين خلال القمة غير الرسمية للاستثمار في إفريقيا، ودعمها اللقاءات التي أجراها مع وزير الدفاع الألماني استكمالاً للقاءات الأمس مع وفد الاتحاد الفيدرالي للصناعات الألمانية والدفاعية، وتخللتها اللقاءات الدبلوماسية رفيعة المستوى مع نظيره الألماني، وكذا زيارة البرلمان الألماني “بوندس تاج”، وأخيرا التعاون الاقتصادي المتمثل في لقاء رئيس شركة مرسيدس.

القارتان الإفريقية والأوروبية منافع اقتصادية متبادلة لمواجهة التهديدات المتبادلة


اهتمت كلمة الرئيس السيسي خلال أعمال القمة غير الرسمية للاستثمار في أفريقيا، بالتأكيد على مفهوم الجلسة القائم على “الشراكة مع أفريقيا” – أوروبا وأفريقيا – شريكتان متساويتان ودائمتان، والتي تقوم على مبدأ جذب الاستثمارات من أجل تحقيق قاطرة التنمية الشاملة المنشودة في إفريقيا وعبور هذا الأثر إلى القارة الأوروبية؛ ليوضح اتفاق الأجندة الإفريقية مع التوجه الأوروبي نحو الاستثمار هو أداة لتحقيق الاستقرار وتوفير مناخ أمن لقارة أوروبا من تهديدات جارتها الإفريقية عبر البحر المتوسط، وأنه وصول تلك التهديدات يقابله وصول التنمية في حالة التعاون المثمر بين القارتين وتحقيق المنفعة المتبادلة، نظراً لأثر أعمال التنمية الشاملة الإيجابي والعابر لقطاعات الدولة من زيادة فى فرص التشغيل ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات، فضلاً عن إضفاء طابع من الثقة إزاء حالة الاقتصاد ككل، ويعزز مساهمة القارة فى سلاسل القيمة المضافة للعملية الإنتاجية على المستوى الدولي.
ومن منطلق مبدأ التأثير المتبادل، أوضح الرئيس السيسي أن اتفاقية التجارة الحرة والموارد المتنوعة والرؤية السياسية نحو تنفيذ مشروعات الربط والاندماج الإقليمي، سيجعل من القارة أحد محركي النمو الاقتصادي العالمي، باعتبارها واحدة من أسرع المناطق نمواً، واقتران ذلك بارتفاع معدل نمو التجارة البينية، وتنامى تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، مما سيساهم من خلال التعاون الدولي في مواجهة واحتواء التحديات المحيطة بنا من حدة التوترات التجارية العالمية، وتصاعد التوجهات الحمائية، وتتنامى المخاوف من مواصلة تباطؤ الاقتصاد العالمي، إلى جانب التحديات القائمة بالفعل في القارة مثل محاربة الفقر والأمراض المتوطنة والتصدى لظاهرة تغير المناخ وأعباء الدين والهجرة، وهو الأمر الذى يستلزم قيام المجتمع الدولى بتوفير كافة صور الدعم الممكن لدول القارة لمجابهة تلك التحديات.

العلاقات المصرية الألمانية شراكة يحتذى بها لتشجيع الاستثمار في القارة

:
ومن المستوى القاري إلى مستوى الدول، أكد الرئيس السيسي في كلمته على مبدأ “المصالح والمنفعة المتبادلة” وهي أساس العلاقات المصرية الألمانية، باعتبار مصر نافذة جيوسياسية من القارة الإفريقية إلى مختلف القارات، إلى جانب الفرص الاستثمارية التي توفرها نتيجة إجراءات الاصلاح الاقتصادي، وعلى الجانب الأخر يعد الجانب الألماني بما لديه من خبرات وقدرات مالية وتكنولوجية متميزة مما يجعل العلاقة قائمة على الشراكة الاستراتيجية الموثوقة على أصعدة متعددة، هذا إلى جانب ان العلاقة المصرية الألمانية تعد شراكة يحتذى بها ويمكن الاسترشاد بها نحو مزيد من الاستثمار في القارة.
وحدد الرئيس السيسي سبل التعاون وتعزيز الاستثمار مع القارة في الاستثمارات الألمانية فى مختلف القطاعات الاقتصادية الأفريقية والعمل على تطويره، والارتقاء به من خلال إجراءات عملية توفر التمويل، وتعرض فرص الاستثمار، وتحفز الشركات بشكل عملي.
وهو ما أكدته المستشارة الألمانية إنجيلا ميركل بالإشارة إلى أهمية المبادرة الألمانية لشراكة مجموعة العشرين مع أفريقيا في قضايا السلام والهجرة والتغير المناخي، في إطار مواجهة التحديات المشتركة، وأشارت أن إفريقيا تحتاج لتحقيق الازدهار الاقتصادي بجانب المساعدات التنموية، وأشادت باتفاقية التجارة الحرة التي تمكن من مواجهة الصعوبات الجمركية التي تحقق مبدأ الشراكة مع إفريقيا لزيادة استثمارات القطاع الخاص
وتطرق الرئيس السيسي في كلمته إلى المبادرة الألمانية بإنشاء صندوق لتشجيع الاستثمار في أفريقيا، وعده تطور هام نحو زيادة الاستثمارات، وهي المبادرة التي أكد الخبراء الاقتصاديين بأنها ستكون أداة للمنفعة المتبادلة، وذلك لبحث المستثمر الالماني على الفرص الواعدة في القارة.
وكانت قد أعلنت المستشارة ميركل حزمة من الإجراءات من أجل تعزيز مبدأ الشراكة مع إفريقيا عام 2017، وتمثلت في إنشاء صندوق استثماري تنموي للشركات الصغيرة والمتوسطة من أوروبا وأفريقيا لتمويل القروض، ويهدف ذلك إلى إتاحة الفرصة أمام دخول مشاركات جديدة إلى الأسواق، والشركات الناشئة وتقديم ضمانات ألمانية للاستثمارات في أفريقيا بلغت 130 مليون يورو حتى الآن، وتأمين صادرات واستثمارات الشركات الألمانية في بلدان “الشراكة مع أفريقيا” ضد المخاطر السياسية ومخاطر التعثر في السداد، والتفاوض بشأن اتفاقية الازدواج الضريبي مع بلدان أفريقية أخرى، وإبرام شراكات جديدة في مجال التوظيف والتدريب مع شركات ومؤسسات بأفريقيا، وأوضحت ميركل خلال أعمال الاجتماع الحالي أنه يوجد الآن 200 طلب للاستثمار في أفريقيا.
وترى السياسة الألمانية أن دول الساحل الإفريقية هي مصدر التهديدات والهجرة غير الشرعية إلى إيطاليا عبر البحر المتوسط، حيث شددت ميركل في كلمتها على أهمية توفير الأمن في منطقة الساحل الأفريقية ودعم التنمية والأمن والاستقرار بشكل متوازن، وأعلنت عن المبادرة الألمانية لخلق 100 ألف فرصة عمل و30 ألف فرصة للتعليم المهني والعمل على تنظيم الهجرة للأيدي العاملة المؤهلة بالاتصال مع غرف التجارة الخارجية، التي تسعى الحكومة الألمانية لزيادة التعاون مع غرف التجارة الإفريقية لتشمل 17 دولة جديدة، حلال الدعم الألماني لصندوق دعم الاستثمار في أفريقيا بمليار يورو مع التركيز على البنية التحتية والتدريب للشباب.


كيف واجهت مصر التحديات الداخلية وحولتها لفرصة لتعزيز الشراكة القارية:


مع انطلاق أعمال قمة العشرين وأفريقيا، افتتحت الجلسة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بإلقاء كلمتها مرحبة بالمشاركين، واستعرض الرئيس عبد الفتاح السيسي الإجراءات التي اتخذتها مصر من اصلاحات اقتصادية ومشروعات تنموية لمواجهة التحديات المزمنة التى واجهت مصر والتي تتفق مع السياسة الألمانية للتعامل مع القارة المتمثلة في “الإرهاب والهجرة غير الشرعيبة واللاجئين” وما يقابلها من فرص استثمارية في القارة، والمتمثلة في إنفاق ما يقرب من 60 مليار دولار في قطاع الكهرباء المصري؛ ليكون عابرا للدول والقارات سواء داخل إفريقيا أو إلى آسيا وأوروبا، مشيراً إلى أن مصر أصبح لديها احتياطي من الطاقة الكهربائية يقدر بـ 20%.، والشراكة مع إفريقيا في مجال البنية التحتية، مشيرا إلى أن الدولة المصرية نجحت في إنشاء 7 آلاف كيلومتر طرق من خطة تتضمن 9 آلاف كيلومتر، وذلك بهدف ربط الدولة المصرية ببعضها البعض وربطها بدول الجوار في إفريقيا .
وعن ملفات حقوق الإنسان المتمثلة في الهجرة وملف اللاجئين، استعرض الرئيس أنه منذ شهر سبتمبر عام 2016 لم يخرج فرد واحد عبر الأراضي المصرية إلى أوروبا في هجرة غير شرعية.
كما تطرق الرئيس إلى ملف اللاجئين، حيث يوجد في مصر 5 ملايين لاجئ يتمتعون بكافة حقوق المواطن المصري ويتمتعون بكافة الحقوق التي يتمتع بها المواطن المصري، مشيرا إلى أن اللاجئين في مصر من دول إفريقية وعربية.
وعن ملف مكافحة الإرهاب، أكد الرئيس على تغلب مصر على الظاهرة بشكل كبير، وتكلفة الإرهاب تزيد من فاتورة جذب الاستثمار في الدول، مشيراً إلى أن الكثير من دول ساحل الصحراء تدفع تكلفة أمنية كبيرة لمواجهة ظاهرة الإرهاب

.
التعاون المصري الألماني في مجال التعليم:


وفي سبيل تعزيز الاستثمار في الإنسان، والعمل على تطوير التعليم الفني استقبل الرئيس عبدالفتاح السيسي جيرد مولر، وزير التعاون الاقتصادي والإنمائي بجمهورية ألمانيا الاتحادية، وناقشا سبل تعزيز التعاون المشترك مع ألمانيا خاصة في مجال التعليم الأساسي والفني، وعن اهتمام مصر بالاستفادة من نظام التعليم الألماني، والذي بدور أكد مولر على الإجراءات الإصلاحية التي تنتهجها مصر ودور مصر المحوري في إرساء دعائم الأمن والاستقرار والسلام في محيطها الإقليمي.

التعاون الأمني والعسكري:


استكمل الرئيس السيسي لقاءاته خلال زيارته بالعاصمة الألمانية برلين، للتأكيد على حرص مصر على تعزيز الشراكة العسكرية والأمنية بين البلدين، في إطار ما تعانيه المنطقة من تحديات كبيرة تفرض على مصر مسئوليات كبيرة في حفظ الأمن ومكافحة الإرهاب.
التقى الرئيس السيسي أنجريت كارينباور وزيرة الدفاع الألمانية، إذ تم التوافق على تعزيز قنوات التشاور والتنسيق بشأن مختلف الملفات الإقليمية وخاصة ليبيا وسوريا، وتتفق السياسة المصرية والنظرة الألامنية حول ضرورة الحفاظ على سيادة الدول ووحدة أراضيها وتماسك مؤسساتها، ومن جانبها أعربت وزيرة الدفاع الألمانية عن تقدير بلادها لما تشهده العلاقات المصرية الألمانية مؤخرا خاصة فى ظل التنسيق المكثف للقاءات الثنائية بين الرئيس السيسى والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، والتأكيد على ترسيخ الجانب العسكرى والأمنى فى إطار علاقات التعاون المشترك بين البلدينمشيدةً بالجهود المصرية فى مكافحة الإرهاب، وهو ما جعل مصر ركيزة للأمن والاستقرار.
جدير بالذكر، أنه تم تعزيز التعاون فى مختلف المجالات، خاصةً في المجالات الاقتصادية والعسكرية والأمنية عقب زيارة الرئيس السيسي الأولى إلى برلين في 2015، وهي نقطة تحول في الموقف الألماني السلبي تجاه ثورة 30 يونيو، ووضعت الأسس التي أدت لإتمام زيارة ميركل للقاهرة في مارس 2017، وما أعقبها من زيارة أخرى للرئيس السيسي لبرلين في يونيو 2017 بشكل أحدث نقلة نوعية في طبيعة العلاقات بين البلدين.
وتقوم العقيدة المصرية العسكرية على مبدأ تنوع السلاح، وتثق القيادة السياسية الألمانية في العقيدة العسكرية المصرية القائمة على استراتيجية دقيقة لبناء قوة عسكرية تحقق الردع والقدرة على الدفاع عن أمن مصر القومى، فهي ليست عقيدة “هجومية” باعتبارها ركيزة الاستقرار في المنطقة، كما أثارت سياسة مصر نحو تنوع مصادر السلاح والتعاون العسكري مع فرنسا في صفقات تسليح الجيش المصري وخاصة البحرية المصرية من تعزيز وتشجيع الجانب الألماني في الدخول ضمن هذه الصفقات.
عقب زيارة الرئيس السيسي الأولى لألمانيا عام 2015، تكللت تلك الجهود السياسية بعودة العلاقات العسكرية بقوة، والتي تمثلث في بدء تسليم مصر لـ4 غواصات ألمانية، وقيام الجانب الألامني بتوفير التدريب للأطقم الفنية المصرية للتدريب على مهام عمل وآليات تشغيل الغواصات الألمانية الجديدة من الطراز (209/1400)، ومن طراز ( 42 / 209).
كما تدعم الحكومة الفيدرالية الألمانية تسليم ست فرقاطات تبلغ قيمتها حوالي 2.3 مليار يورو، طبقاً لصحيفة”بيلد” الألمانية، حيث أعطت لجنة الميزانيات الضوء الأخضر للحصول على ضمان ائتماني لتصدير الفرقطات الألمانية للبحرية المصرية بما في ذلك ثلاث فرقاطات من طراز Meko200.
وتصنف القوات المسلحة الألمانية العاشرة في قائمة “جلوبال فاير باور”، لعام 2019 والمرتبة الـ 17 في سلاح الغواصات، وتحتل مصر المرتبة 31 في سلاح الغواصات عل العالم من أصل 137 دولة، وتصنف الـ12 في القوى العسكرية الشاملة في نفس التقرير، وتحتل التصنيف السادس في مجموع الأصول البحرية.
ويأتي هذا الأمر في إطار العقيدة العسكرية حول الحفاظ على أمن مصر بتنويع الأسلحة التي تتفق وطبيعة مصر المطلة على البحرين الأحمر والمتوسط لتحقيق امنها وموانيها وسبل التجارة الدولية المارة من قناة السويس، فيأتي عملية التسلح والتعاون والتعزيز العسكري لتأمين ممرات التجارة الدولية من الهجمات غير المتوقعة من خلال ألية تسليح جديدة دون الوقوع في شرك أو مصيدة تحكم إحدى الدول في القوة العسكرية المصرية مع حالة عدم اليقين من استمرار التمويل والتلويح الدائم بالمساعدات، فاعتمدت على ألمانيا في تسليح القوات البحرية من خلال الفرقاطات والغواصات الألمانية ذات السمعة والجودة العالية.
كما وقعت مصر اتفاقية التعاون الأمني مع الجانب الألماني من أجل مكافحة الجريمة غير المنظمة والعابرة للحدود والإرهاب، وفي مجال المساعدة لفنية في حالة المخاطر والكوارث وتم اقرارها بقرار رئيس الجمهورية عام 2017 ونشرها في الجريدة الرسمية.
وعلى طريق التكامل والشراكة المتبادلة المتساوية تنتهج قمة مجموعة العشرين وإفريقيا طريقها، والتي تتضح في تكامل الزيارة من خلال الإشارة إلى التحديات وطرق التغلب عليها لتحقيق التنمية الشاملة في إفريقيا، القائمة على جذب الستثمارات، وانتهاجات الدول الإفريقية في محاربة الإرهاب وتحقيق التنمية من خلال الإرادة السياسية العازمة لتطوير العلاقات الموثوقة مع ألمانيا بشكل خاص وأوروبا بشكل عام باعتبار الدور المحوري لألمانيا في القارة، إلى جانب دعمها للجهود المصرية باعتبارها أساس استقرار المنطقة والقارة على الصعيد الاقتصادي والانساني والعسكري وما أثبتته السياسة المصرية من قدرة على مواجهة التحديات الثلاث “تطوير البنية التحتية ومواجهة الإرهاب، وحل مشكلة الهجرة غير الشرعية واللاجئين”.

Scroll Up