منذ ثورات الربيع العربي في 2011، أصبح الشرق الأوسط مركز اهتمام للإعلام والأوساط الأكاديمية، وظهرت مسميات “الشرق الأوسط الجديد” أو “الشرق الأوسط ما بعد الثورة” رغم حالة عدم اليقين بشأن المستقبل. الأمر الذي حفز تركيا للانخراط في شؤون المنطقة بعد أن كان معتاد أنها غير متطرفة في مواقفها تجاهها، وانعكس هذا في موقف حزب العدالة والتنمية الحاكم تجاه ثورتي يناير 2011ويونيو 2013 في مصر، والحرب المستمرة في سوريا، وبرنامج إيران النووي، وصعود داعش، والصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

وعليه فقد حاول عدد من الباحثين تسليط الضوء على التوجهات التركية نحو قضايا الشرق الأوسط من خلال إصدار الكتاب المُعنون “العلاقات التركية مع الشرق الأوسط: مواجهة سياسية بعد الربيع العربي“، الصادر في 2018. وقد اشتمل الكتاب في فصوله على مجموعة من القضايا وتحليلات استنادًا لأسس نظرية للسياسة الخارجية التركية، ونشوء النموذج التركي وسقوطه لاحقًا، وتقييم هشاشة القوة الناعمة التركية في ضوء عجزها عن السيطرة على مصير الشرق الأوسط بعد ثورات 2011.

ووفقًا للكتاب بعد 2011 مباشرة، تم تصوير تركيا على أنها “نموذج للتنمية الاقتصادية وإرساء الديمقراطية”، لكن كان تفاعلها مع المنطقة معقدًا أكثر من كونه تأثير أحادي الجانب من أنقرة، فلم يقتصر على العلاقات التجارية والعسكرية، بل امتد للمسائل التي هي محلية بالأساس مثل الإرهاب والحركات الاجتماعية والأقليات مثل القضية الكردية في سوريا. وهنا لابد من توضيح أن الكتاب لم يتناول النهج التركي التوسعي في المنطقة، وكيف إنها دعمت بعض التنظيمات الإرهابية بالمال والسلاح للإضرار بمصالح القوى العربية التي حاولت التصدي للمشروع التوسعي التركي في عمقها الاستراتيجي. 

خطوة للأمام وخطوتين للخلف

في بدايات الربيع العربي، انتشرت التوقعات الإيجابية لدى صناع السياسة الأتراك الذين دعّموا أي تغييرات في جميع أنحاء المنطقة نابعة من الشعب خاصة بعد فوز حزب العدالة والتنمية في ثلاثة انتخابات برلمانية متتالية بسبب الدعم الشعبي، كان أحد أسباب الرواج التركي هو الحكومات الإسلامية الناشئة.

ولكن تحول الربيع العربي إلى ما يسمى “الخريف التركي” بسبب الصراع في سوريا وظهور تنظيم “داعش” وقوة حزب العمال الكردستاني، قد سلطت الضوء على المعضلات الأساسية في السياسة الخارجية التركية تجاه الشرق الأوسط: القضية الكردية في تركيا والسياسة الخارجية السنية للبلاد، فرغم نجاح السياسة الخارجية التركية في شمال العراق واعتبارها كخطوة إيجابية للأمام، لكنها تراجعت خطوتين للوراء عن النظر إلى التناقض في سياستها تجاه سوريا. 

وقد انعكست محاولتها لتوظيف حالة عدم الاستقرار لخدمة مصالحها من خلال الغزو العسكري لشمال سوريا، ودعم التنظيمات الإرهابية في ليبيا، ومحاولة الهيمنة على مصادر الطاقة في شمال العراق، وتبنى سياسة التطهير العرقي ضد الأكراد على حدودها. على الأوضاع الداخلية في تركيا؛ إذ انخفضت قيمة العملة الوطنية، وتراجع معدلات النمو الاقتصاد بسبب الأزمات السياسية في الدول التي كانت تمتلك فيها الشركات التركية استثمارات فيه (خاصة تلك العاملة في صناعات النسيج والبناء) فعلى سبيل المثال تعد سوريا مهمة بشكل خاص للعلاقات الاقتصادية التركية مع منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؛ حيث أن توزيع الصادرات التركية في جميع أنحاء المنطقة كان يتم عن طريق الأراضي السورية. 

العثمانية الجديدة وسياسة تصفير المشاكل مع الجيران 

لفت الكتاب إلى محاولة حزب “العدالة والتنمية” اختبار حدود السياسة الخارجية التركية التقليدية من حيث بناء اقتصاد وطني متنامٍ وإمكانية تطوير قدرات القوة الناعمة في السياسة الخارجية، بالإضافة لاستغلال موقعها الجغرافي الاستراتيجي وجذورها التاريخية في المنطقة وروابطها الدينية والثقافية، لذا كانت هناك حاجة لمبادرة جديدة في السياسة الخارجية أطلق عليها “العثمانية الجديدةرغبةً في لعب دور أكبر في الشرق الأوسط خاصة مع انسحاب الولايات المتحدة من العراق والانقسامات الطائفية السنية الشيعية والموقف السلبي لروسيا في البداية ترك فراغًا كان لزامًا على تركيا محاولة استغلاله كي تنفذ استراتيجيتها التوسعية في المنطقة. 

وذلك رغم ذكر الكتاب أن هذه المبادرة تقوم على ثلاثة أركان. الركن الأول هو “عدم تجزئة الأمن“، أي أنه لا يمكن ضمان الأمن القومي للبلد على حساب دول أخرى، ويظهر هناك العراق وسوريا والقضية الكردية. الركن الثاني هو “الترابط الاقتصادي“. استهدفت تركيا استخدام قوتها الناعمة كأداة فعالة للسياسة الخارجية، واعتقدت أن الترابط الاقتصادي مهم لبناء سلام مستدام في المنطقة. الركن الثالث قائم على الوئام الثقافي والحوار المتبادل والاحترام

فيما يعد الجانب الآخر من العثمانية الجديدة على تصفير المشكلات مع الجيران، كأهم هدف لتركيا الطامحة إلى أن تكون دولة استراتيجية من خلال تسوية سلمية للنزاعات عبر الدبلوماسية وآليات التفاوض الدولية من أجل إقامة علاقات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية بنّاءة.

لكن أغفل الكتاب النشاط التوسعي الناتج عن هذه السياسة، والذي تجلى إبّان الربيع العربي بتدخلها في إدارة الأزمات على أنها وسيط نزيه تُدعّم إرادة الشعوب التي تسعى للديمقراطية، إلا أنها كانت تحمل في طياتها رغبة في خلق مراكز قوة داخل هذه الدول مثل سوريا التي حاولت فيها إجهاض مشروع إقامة الدولة الكردية على حدودها، وذلك من خلال الغزو العسكري الذي تجلى في عملية شرق الفرات، وغصن الزيتون ونبع السلام التي تم الترويج لها على أنها غزو للشمال السوري.

كما أن جهود الوساطة التركية في النزاع الخاص بالبرنامج النووي لإيران كان يحمل في طياته حماية للمصالح التركية التي تتعلق باستمرار تدفق النفط الإيراني إليها؛ حيث تعد طهران ثاني أكبر مورد للطاقة لتركيا بعد روسيا. لذا كانت تتخوف أنقرة من تنامي العقوبات على طهران أن ينعكس عليها بشكل كبير. 

وكذلك التوفيق بين السنة والشيعة في العراق لضمان خلق موطئ قدم لها داخل البلاد يساهم في تطويق المشروع الكردي مع ضمان الارتباط مع إقليم كردستان للاستفادة من العلاقات التجارية وتدفقات الطاقة معهم، مع الطموح في السيطرة على الموارد المائية من خلال إقامة السدود على نهري دجلة والفرات.

مآلات الربيع العربي على السياسة الخارجية التركية

يتطرق الكتاب إلى فكرة الشرق الأوسط الجديد وربطها بالسياسة الخارجية التركية تجاه دول المنطقة في ظل الربيع العربي منذ 2011. فعلى مدى العقدين الماضيين، ظهرت العديد من الروايات حول إنشاء نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط في الأوساط الأكاديمية والصحفية. وتجددت الفكرة مع أحداث الربيع العربي في 2011. وقد تم استخدام المصطلح كأداة لتعزيز تطلعات الهيمنة لإعادة تشكيل المشهد السياسي وفقًا لمصالح الدولة، أو تم تضمينه في رؤية نيوليبرالية لنشر القواعد والقيم الغربية داخل المنطقة. وفي هذا السياق اعتمد الكتاب على مصطلح “الشرق الأوسط الجديد” للإشارة إلى الظهور المستمر لواقع جيوسياسي جديد بسبب إعادة توزيع القوى بين الجهات الإقليمية الفاعلة منذ عام 2011.

وعليه فقد ساهم الربيع العربي في عام 2011 في صياغة استراتيجيات جديدة للسياسة الخارجية التركية، فقد انعكس السياق الجغرافي والسياسي في المنطقة على توجهات حزب العدالة والتنمية الحاكم منذ 2002. ولكن الكتاب لم يتطرق إلى مآلات هذه التوجهات فقد شرعت في تبني سياسات خارجية تستندًا على فكرة العمق الاستراتيجي، والتوسع العثماني باعتبارها دولة مركزية وليست طرفية أو جسر بين الشرق والغرب. 

كما بدأت أنقرة في اختراع لغة خطاب جديدة تُبرز نفسها كنموذج لدول المنطقة في ظل حالة عدم الاستقرار السياسي، لكي تخلق موطئ قدم لها باستخدام أدوات القوة الناعمة، تمهيدًا لتبني دور سياسي أكبر، من خلال دعم قوى الإسلام الحركي في المنطقة للصعود على قمة السلطة، وذلك استنادًا على تفسير غير تقليدي لميزان القوى العالمي، مدعيًا أن العالم الغربي بقيادة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لم يعد يشكل المركز السياسي/ الاقتصادي المهيمن في العالم. 

لذا مثل نهج الحزب خروجًا جذريًا عن الخارجية التركية الكمالية التقليدية المتبعة خلال معظم فترة الجمهوريين ومع ذلك، مازالت هناك علاقات وثيقة بين تركيا والغرب تجلت في الأزمة السورية والليبية، كما التزمت تركيا باستمرار مفاوضات الانضمام للاتحاد الأوروبي (خاصة في الألفية الجديدة). بالرغم من استمرار الخطاب المعادي لهم للحصول على دعم الناخبين الإسلاميين والمتطرفين.

سوريا والتناقضات الداخلية للنموذج التركي 

ذكر الكتاب أن الأزمة السورية مثلت تحولًا في النهج التركي الذي عجز عن توجيه مسار السياسة السورية وإقناع الأسد في تنفيذ المقترحات التركية الداعمة للإصلاح الديمقراطي والتفاوض مع المعارضة السورية، بما يعد ضربة كبيرة لمصداقيتها كقوة رئيسة في الشرق الأوسط. كما أبرزت الأزمة السورية أن القوة التركية الناعمة غير فعّالة خاصة بعد أن أُعلن العداء الصريح لنظام الأسد ودخول القوات المسلحة التركية إلى الأراضي السورية من خلال العزو العسكري لشمال سوريا.

وتم اعتبار دعم تركيا للمعارضة السورية يتماشى مع الرؤية المؤيدة للديمقراطية، لكن مواجهة حزب العدالة والتنمية للاحتجاجات في منتزه غيزي عام 2013 أدت إلى التشكيك في مصداقية الخطاب التركي. كشفت تلك الاحتجاجات عن المشاكل الهيكلية العميقة من حيث التباين بين النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية، وتزايد عدم المساواة في الدخل، وانخفاض قيمة الليرة التركية مقابل اليورو والدولار الأمريكي منذ 2011.

كما أبرزت تلك الاحتجاجات الإحباط المتزايد للأجيال الشابة من الوضع الاقتصادي السياسي الراهن لحكم حزب العدالة والتنمية، وأوضحت التناقضات الداخلية للنموذج التركي، حيث اختفت الصورة الديمقراطية الليبرالية لتركيا في أعين المجتمع الدولي بسبب الحملة التي قامت بها الشرطة ضد المتظاهرين وتحول تركيا تدريجيًا إلى مجتمع مغلق لا يظهر أي تسامح مع أي شكل من أشكال الاختلاف السياسي أو الاجتماعي مع الحكومة. 

فيما زادت القيود على حرية التعبير وانتهاكات حقوق الأقليات (خاصة الأكراد)، فقد تراجع ترتيب تركيا إلى 154 من أصل 180 دولة في مؤشر فريدم هاوس عام 2017 الذي أشار إلى أن الحرية الأكاديمية وحرية الصحافة وعلى الإنترنت في تتدهور أكثر بعد محاولة انقلاب 15 يوليو التي نظمتها حركة غولن السرية والتي كانت حليفًا سابقًا لحزب العدالة والتنمية. يضاف إلى ذلك، تصاعد الهجمات الإرهابية في مناطق تركية بما أثر سلبًا على صورة تركيا الدولية. واتسمت علاقة حزب العدالة والتنمية مع أحزاب المعارضة بتوترات متزايدة، بما أدى إلى تأجيج الاستقطاب الإيديولوجي في تركيا وخلق انقسامات عميقة في حياته الاجتماعية والسياسية.

وهنا لابد من توضيح أن الكتاب لم ينوه عن المطامع التركية في شمال سوريا التي تعود إلى الإرث العثماني، فضلًا عن رفضها لإقامة أي دولة كردية على حدودها، إضافًة لخلق مركز قوى لها في سوريا في سياق حالة التنافس بين الفاعليين الدوليين على أراضيها. لتكون فاعل مؤثر على طاولة المفاوضات في مرحلة ما بعد الصراع. 

هشاشة التأثير الثقافي لتركيا في فترة ما بعد الربيع العربي

يوضح الكتاب أن أنقرة سعت إلى توظيف قدراتها الناعمة للتأثير على الشعوب العربية، التي استهدفتها باستخدام الدراما التركية فعلى سبيل المثال، منذ أوائل عام 2000، تم شراء حقوق البث لأكثر من 50 مسلسل تلفزيوني تركي من قبل شركة عربية. ووفقًا للدراسات الاستقصائية التي أجريت عبر منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فإن 78٪ من المشاركين في عام 2010 و74٪ من المشاركين في عام 2011 يشاهدون بانتظام مسلسل تلفزيوني واحد أو أكثر. 

الأمر الذي انعكس على تنامي عدد الوافدين من أجل السياحة في تركيا، فقد أصبحت إسطنبول الوجهة الحضرية الأولى للسياح العرب، متجاوزةً مدينة بيروت التي كانت رائدة بلا منازع منذ عقود. على وجه الخصوص في الفترة 2007-2014 (حتى ظهور الإرهاب وعدم الاستقرار السياسي في عامي 2015 و2016). 

ويرجع ذلك لدعم الحزب الحاكم للترويج لأنقرة باعتبارها دولة نموذجية على كافة الأصعدة، فضلًا عن إبرام اتفاقيات للسفر بدون تأشيرات للدخول التي بدأ سريان معظمها في عام 2007، واتفاقيات التعاون التجاري مع بلدان المنطقة، التي ساهمت بشكل كبير في زيادة حجم التجارة؛ حيث ارتفعت الصادرات التركية  إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من حوالي 3.2 مليار يورو في عام 2002 إلى حوالي 29 مليار يورو بحلول عام 2012، علاوة على الانجذاب للسياسة التركية ودعم تحركاتها، وتقبل تدخلها في الشئون الداخلية للدول المنطقة في سياق حالة الفوضى، باعتبارها دولة صديقة بالرغم من تحركاتها المرتكزة على النهج العثماني التوسعي. 

ومع تعمق الأزمات في المنطقة، نتيجة انهيار بعض الأنظمة تم الاعتراف من قبل مختلف المصدرين الأتراك أن الأوضاع أصبحت قوة مزعزعة للاستقرار من شأنها التأثير على الاقتصاد التركي، وقد ثبت هذا التوقع في حالة ليبيا والعراق وسوريا؛ إذ فشل حجم الصادرات والاستثمارات التركية في الوصول إلى مستويات ما قبل 2011.

 وهنا لابد من توضيح نقطة مهمة وأن سعي تركيا لكي تكون واحدة من أكثر الاقتصاديات نمواً في المنطقة، يرجع إلى رغبتها في امتلاك قدر كبير من القوة الناعمة عبر التجارة والسياحة وتصدير المنتجات الثقافية للتأثير على الشعوب، وخلق مراكز قوى لها تتوافق مع مصالحها. ومع ذلك، فقد أدى اعتماد التأثير الثقافي على التنمية الاقتصادية المستدامة إلى تقييد قوة تركيا الناعمة بسبب الهشاشة المختلفة. علاوة على ذلك، كان للاستقرار السياسي المتدهور في البلاد منذ عام 2013 تأثير سلبي على صورة تركيا، مما أثر بشكل مباشر على تنميتها الاقتصادية وقدرتها الناعمة

فمنذ عام 2012، ظل الاقتصاد التركي في حالة ركود بسبب الناتج المحلي الإجمالي (الناتج المحلي الإجمالي)، وظل معدل النمو السنوي حوالي 2-3 ٪ وهو انخفاض كبير. ومنذ صيف عام 2013، تدهور الاستقرار في تركيا بشكل كبير بسبب تنامي حدة الأزمات السياسية مثل احتجاجات Gezi Park 2013، وتصاعد الصراع المسلح مع حزب العمال الكردستاني بعد يونيو 2015، ومحاولة الانقلاب في 15 يوليو 2016. 

وهناك هشاشة ملحوظة أخرى للاقتصاد التركي المعاصر تتمثل في قدرته التنافسية المنخفضة نسبيًا؛ إذ احتلت تركيا المرتبة 45 من أصل 144 دولة في مؤشر التنافسية العالمية لعام 2014، وتراجعت بشكل كبير إلى المرتبة 55 بحلول عام 2016 على هذا النحو، فإن المؤشر يسلط الضوء على نقطة الضعف الحرجة في قدرته على الابتكار والمشاكل المؤسسية الكبرى (وخاصة الروتين والفساد). 

يشير انخفاض الأداء في مجال الابتكار بوضوح إلى ضعف الأوساط الأكاديمية التركية في إنتاج المعرفة الأصلية. كما أصبح نظام التعليم العالي التركي قادرًا بشكل متزايد على جذب الطلاب الأجانب. ويمثل الطلاب الأذربيجانيين والتركمان أكبر وجود أجنبي في جامعاتها والذي زاد ستة أضعاف بين عامي 2003 و2014. ولم يكن هناك طالب نيجيري وطالب صومالي واحد فقط في عام 2003، في حين ارتفع هذا العدد إلى 513 و459 بحلول عام 2014.

والجدير بالذكر أن الأوساط الأكاديمية ووسائل الإعلام التركية تسعى إلى دعم الخطاب السياسي التركي خارجيًا من خلال تسلط الضوء على الإرث العثماني كخاصية مشتركة لتركيا وجيرانها محاولاً تقديم سرد شرعي للنمو الاقتصادي والثقافي المتنامي والنفوذ الدبلوماسي لأنقرة في المناطق المحيطة بها. 

الدعم التركي لإخوان مصر وعلاقته بتركيا الجديدة

دعّمت تركيا بعد الربيع العربي بعض القوى السياسية مثل جماعة الإخوان للصعود في السلطة على غرار حزب العدالة والتنمية التركي.  فقد كان “محمد مرسي” يسير على خطى حزب العدالة والتنمية وكان ينظر إليه كثيرون على أنه “أردوغان” في مصر. وقد تجلى في خطابه وأسلوبه في اجتماع “حركة عدم الانحياز” في إيران الذي يشبه لغة “أردوغان”؛ حيث الانتقادات لإسرائيل، ودعم الجيش السوري الحر في الصراع السوري.

ويرجع ذلك لعدد من المحددات التي تتمثل في الهيكل السياسي للبيئة الداخلية التي ولد فيها حزب العدالة والتنمية، القدرات والدوافع والتفضيلات للجهات الفاعلة الإقليمية أو العالمية بما في ذلك دول الشرق الأوسط والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، رؤية حزب العدالة والتنمية لـ “تركيا الجديدة”، وأخيرا شخصية وطموحات صانعي السياسة الخارجية داخل حزب العدالة والتنمية. التي شكلت توجهات السياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية تجاه جماعة الإخوان في مصر – والشرق الأوسط. فقد تم ربط ما يسمى بـ “تركيا الجديدة” بتغيير الوضع السياسي الراهن في دول المنطقة في ظل الربيع العربي تحويلها إلى “فاعل عالمي رئيسي”. 

وعليه فقد أدرك الشعب المصري هذه الأهداف التي تحمل في طياتها تهديدًا صريحًا للسيادة الوطنية، التي سيتم تقسيمها على أساس ديني أو الطائفي، في سياق سياسات الإخوان وتم الخروج عليهم في 30 يونيو 2013 لتصدي للمشروع التركي والإخواني في المنطقة الذي كان مقرر له أن يبدأ من مصر. 

الاختراق الاقتصادي التركي لشمال العراق

ساهمت مجموعة من العوامل الدولية والإقليمية في تشكيل السياسة الخارجية التركية تجاه العراق بشكل عام، وإقليم كردستان بشكل خاص التي تمثلت على النحو التالي: 

  • حدوث تغييرات جوهرية في تركيبة الحكومة التركية وعلاقتها بالأكراد داخل تركيا مع صعود حزب العدالة والتنمية إلى السلطة. 
  • تغير ميزان القوى داخل العراق في المنطقة الكردية بعد حرب الخليج عام 1991 وحرب العراق عام 2003.
  • حدوث موجات الربيع العربي التي بدأت في عام 2011 التي أدت إلى تدخل دولي وصراعات مسلحة، التي أثرت بشكل جذري على الوضع الإقليمي الراهن. 
  • كان يُنظر إلى القوات الكردية في شمال العراق على أنها قضية أمن قومي وليس أكثر.

وتجلت عملية الانخراط التركي في سبتمبر 2009؛ إذ تم إنشاء مجلس تعاون استراتيجي رفيع المستوى بين تركيا والعراق، مع مجموعة كبيرة من الاتفاقيات الثنائية في مارس 2011، عقد رئيس الوزراء آنذاك” رجب طيب أردوغان” أول اجتماع له مع رئيس حكومة إقليم كردستان “مسعود بارزاني” في أربيل، وهي المرة الأولى التي يزور فيها رئيس وزراء تركي المنطقة في تاريخ الدولة الحديثة. خلال الاجتماع، افتتح الزعماء القنصلية التركية في أربيل التي تم وصفها بأنها “سفارة فعلية”. ولدت مشاركة اقتصادية وسياسية متضافرة.

وفي عام 2013، كانت تركيا أكبر مصدر للسلع في العالم إلى العراق؛ إذ بلغ مجموعها 11.9 مليار دولار، مرتفعة بذلك من 1.8 مليار دولار فقط في عام 2004. وكان الجزء الأكبر من هذه الصادرات من الحديد والصلب المرتبطة بمشاريع البنية التحتية، وفقًا للقنصل التركي العام في أربيل، فإن أكثر من 70٪ من التجارة التركية مع العراق هي مع حكومة إقليم كردستان، وكان أكثر من نصف الشركات الأجنبية العاملة في حكومة إقليم كردستان – التي يبلغ عددها حوالي 1150 – مملوكة لأتراك في الواقع، أصبحت تركيا بشكل فعلي أكبر مستثمر أجنبي واحد في إقليم كردستان

وعليه فقد مثل هذا التوجه اختراقًا اقتصاديًا للإقليم كردستان الذي يعد من أهم موارد الطاقة في المنطقة. فقد قدرت احتياطيات النفط الموجودة فيه (باستثناء كركوك) بحوالي 45 مليار برميل من النفط الخام، وإذا كانت دولة مستقلة، فستحتل المرتبة السادسة بين أكبر الدول المالكة للنفط في العالم، وتقدر وزارة الموارد الطبيعية في حكومة إقليم كردستان الناتج لعام 2015 بنحو مليون برميل يوميًا؛ حيث ارتفعت إلى مليوني برميل بحلول عام 2019 يوجد في المنطقة 14 حقلاً نفطياً عاملاً خاضعة لسيطرتها المباشرة، تسيطر حكومة إقليم كردستان أيضًا على 200 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي القابل للاسترداد.

الأمر الذي انعكس على فهم العلاقات بين تركيا وحكومة إقليم كردستان منذ الربيع العربي، فمن الضروري دراسة التحول الواضح من سياسة الأمننة التركية التقليدية التي تلتزم بتفاعل الدولة القومية المركزية مع العراق إلى سياسة الارتباط مع الأكراد. والجهات الفاعلة السياسية داخل حكومة إقليم كردستان. 

ويرجع ذلك إلى افتقار تركيا إلى الطاقة وفقًا للمعايير الإقليمية، ولكنها مع ذلك استثمرت بكثافة في هذا القطاع لوضع نفسها كمركز إقليمي للطاقة. ضمن هذا السياق الاقتصادي، يتم فحص العلاقات السياسية بين تركيا وحكومة إقليم كردستان. من أجل القيام بذلك، فمن الضروري النظر ليس فقط في العلاقات الثنائية ولكن أيضًا في العلاقات الإقليمية التي تشكلها. 

وفي هذا السياق لابد من توضيح أهمية الوصول التركي إلى موارد الطاقة على إنها حيوية للنمو الاقتصادي المحلي. فتركيا فقيرة في الطاقة بشكل معقول ولديها إمدادات محلية أقل بكثير مما تحتاجه لخدمة الطلب. مع متوسط ​​استهلاك يبلغ 706،000 برميل يوميًا في عام 2011، وتستورد تركيا الآن أكثر من 90٪ من إجمالي استهلاك الوقود السائل. الغالبية العظمى 44 ٪ في سبتمبر 2012 – تأتي من إيران، مع كون العراق ثاني أكبر مورد وصل استهلاك الغاز الطبيعي التركي إلى 1.5 تريليون قدم مكعب في عام 2011؛ حيث جاءت معظم واردات الغاز من روسيا، تليها إيران وأذربيجان والجزائر. تتمثل السياسة الخارجية التركية في ظل حزب العدالة والتنمية في وضع نفسها كمركز عبور للطاقة في المنطقة

“داعش” والسياسة الخارجية التركية

شرح الكتاب دور تركيا وموقعها في الفوضى التي شهدها العراق من خلال التأكيد على النجاحات والإخفاقات في السياسة الخارجية التركية هناك فيما يتعلق بمواجهتها مع “داعش” فمع اشتداد النزاع السوري، واجهت تركيا جارين جديدين كانا يشكلان تهديدًا لها أكثر من نظام الأسد: حزب للبلاد أكثر من نظام الأسد: حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي) وداعش. فقد سيطر الأول على المناطق السورية الكردية، واحتل التنظيم بعض الأراضي على الحدود التركية الجنوبية. 

وأوضح إنه لم يُنظر لتركيا في ظل حكومة حزب العدالة والتنمية كشريك موثوق به في الحرب على “داعش”، فقد اتهم الرئيس أوباما تركيا كشريك متردد في الحرب على التنظيم، واتُهم جهاز الاستخبارات الوطني التركي بتوفير إمدادات له. لكن كان الهجوم الانتحاري المدمر الذي شنه التنظيم في بلدة سوروك في يوليو 2015 نقطة تحول في موقف تركيا من “داعش” إذ قررت الحكومة الانخراط عسكريًا في كل من العراق وسوريا، وسمحت للقوات الأمريكية باستخدام قاعدة في “أضنة” و”ديار بكر” الجوية لضرب أهداف “داعش” في يوليو 2015، وشنّت القوات التركية ضربات ضد التنظيم، لكن الكتاب في هذه النقطة لم يوضح التواطؤ التركي مع “داعش” لتهريب النفط السوري ومساعدتهم في بيعه، علاوة على دعم الإرهابيين المواليين لداعش تحت مظلة “الجيش السوري الحر” المدعوم من أنقرة. لذا لم تكن هذه التحركات التركية المعلنة في محاربة الإرهاب موضع ترحيب من قبل وسائل الإعلام الغربية وبعض الأوساط التركية التي اعتبرت ذلك ذريعة لقتال حزب العمال الكردستاني.

Hüseyin Is ̧ıksal, Oguzhan G€oksel (eds,) “Turkey’s Relations with the Middle East’, Springer International Publishing,2018, ISBN 978-3-319-59897-0. Pp,220.

Scroll Up