منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران، عام 1979، اتجه منظري الفكر السياسي الإسلامي بطهران لوضع الأسس والمرتكزات التي يستهدف خلالها الانطلاق نحو تحقيق استراتيجية فحواها الانتشار والتوسع لبناء دولة إسلامية وفقًا للنسق الجاري بها. ولم يكن هذا الاتجاه الفكري في خط واحد بل تعددت الرؤى الفكرية بين فقهيه وأخرى يسارية وليبرالية. وبينما اختلفت تلك المدارس في رؤيتها الفرعية للدولة، إلا أنها جميعًا اجتمعت على أن الدولة الإسلامية هي الهدف الرئيس المراد تحقيقه. 

ويقدم التقرير عرضًا لأبرز القضايا الهامة في إشكالية الرؤية الإيرانية لبناء الدولة الإسلامية عبر استعراض كتاب “مقاربات متباينة للفكر الإسلامي السياسي في إيران منذ الستينيات” (Diverging Approaches of Political Islamic Thought in Iran since the 1960s)، للكاتب سيد محمد لولاكي. حيث تناول الكتاب أبرز اتجاهات تطور نظريات الإسلام السياسي ومدارسه في فترة الستينيات والسبعينيات، وفقًا للنموذج الإيراني. وباستعراض أهم المدارس الفكرية له كالإسلام الفقهي بقيادة “آية الله الخميني”، والإسلام اليساري ممثلةً في فكر “على شريعتي”، والإسلام الليبرالي وفقًا لمنظور ” مهدي بازاركان”.  إنطلاقًا من مشترك أساسي هو أن جميع تلك المدارس والأطر الفكرية تسعى لإقامة دولة إسلامية، إلا أن الطرق والمنطلقات الأيدولوجية لكل منها اختلفت بشكل كبير عن نظيراتها. 

قضية المعرفة

تُعد من القضايا الأولى التي ظهرت ملامحها في العقود اللاحقة لقيام الثورة الإسلامية، وخلال فترة الستينيات وصولا الى الثمانينيات، ارتكز النموذج المعرفي بإيران على المزج بين الإسلام والقومية والحداثة، إلا أنه بمرور الوقت أصبح الإسلام ذا أهمية نسبية عن النماذج الأخرى. ويرى الكاتب أن المدارس الثلاث -خميني وشريعتي وبازاركان- اعتقدت أن الإسلام الوسطي سيكون الأكثر قدرة وانتشارًا؛ لإيجاد توازن يضمن التجانس بين الماركسية ويمثلها شريعتي والليبرالية ويمثلها بازاركان. وهو الاعتقاد الذي تزامن مع التوقع بأن ترتكز المصطلحات والمفاهيم الاجتماعية-السياسية على القيم الإيرانية الإسلامية.

وركز الكتاب أن التفسيرات والاتجاهات المختلفة لتأويل الظواهر الاجتماعية والسياسية عبر قراءات متباينة للتاريخ والفقه الإسلامي وتفسير القرآن، قد أثارت انتقادات متناقضة حول وجهات نظر المفكرين بعضهم البعض؛ حيث اتسمت أفكار “الخميني” بالنزعة الجماعية -خصوصاً أفكاره السياسية- والفردية، كما كان داعية لاقتصاد السوق الحر وحق الملكية الخاصة. وتبنى “شريعتي” أفكار ترفض الليبرالية الغربية وتميل بشدة للماركسية، وأثارت أفكاره انتقادات من رجال الدين واتهموه بتمثيل الإسلام السني والأفكار الشيوعية. واتجه “بازاركان” للتركيز على الليبرالية الاجتماعية والإسلام الاجتماعي؛ إنطلاقًا من إعجابه بالانضباط والتكنولوجيا وأخلاقيات مكان العمل والشعور بالواجب والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان في الغرب، كما حاول الدفاع عن الإسلام من الماركسية عبر الأساليب العلمية.

قضية المعايير

يرى الكاتب أن ثورة 1979 تبنت العديد من الأفكار والشعارات التي صاغها هؤلاء المفكرين والشعب الإيراني، وأبرزها “الاستقلال والحرية والجمهورية الإسلامية” و”لا الشرق ولا الغرب، جمهورية الإسلام”، وهو مايعكس اختلاف رؤية هؤلاء المفكرين للهيمنة الغربية والشرقية، ودعمهم لحركة عدم الانحياز القائمة على الحرية والعدالة والاستقلال. وبشكل عام، فقد ركزوا جميعًا على الحرية والعدالة والاستقلال والمثل العليا لإيران المعاصرة. وقد ركز “الخميني” على الاستقلال الإقليمي وسيادة إيران، فيما شدد “بازاركان” على حرية المجتمع كحق أساسي من حقوق الإنسان، وأيد “الخميني” و”شريعتي” المثل التحررية وأهمية اتباعها. وأشارت مصادر موثقة بالكتاب أنه بينما كان للـ “الخميني” تأثير كبير على الطبقة الوسطى الدينية، فإن أثر “شريعتي” كان سائدًا في صفوف الطبقة الوسطى الحديثة، وكانت أفكاره أكثر نجاحًا في سد الفجوة بين الطبقتين. 

النظريات الحاكمة للنظام الايراني

أوضح الكاتب الأطر النظرية المختلفة التي تأسست عليها نظريات الحكم في إيران حيث اقترح المفكرون الثلاثة نماذج مختلفة لنظام الحكم، إذ وضع شريعتي نظريتين، الأولى  تعتمد على الحكومة الثورية انطلاقا من اطروحته حول الأمة والامامة، فيما قامت الحكومة الثانية على التصوف والمساواة والحرية، حيث يرى شريعتي أن الأمة تُشير إلى اشخاص لديهم أيديولوجية وأهداف مُشتركة، ويتقدمون لتحقيق هذه الأهداف، كما أكد على أن الامامة من منظور سياسي إسلامي تُشير إلى قيادة سياسية تسعى إلى دفع الناس إلى الأمام وتوجيه المجتمع، وقد اعتبر شريعتي أن نظريته تتعلق بالفترة الانتقالية الثورية فبمجرد تطور المجتمع ونضج أفكاره يصبح النموذج الديمقراطي الأكثر ملائمة لها، وقد تم توجيه الانتقاد لهذا النموذج على اعتبار انه ساهم في زيادة  نفوذ رجال الدين وجعلتهم أكثر قوة بل مارسوا نوعا من الوصاية على الفقه القانوني، من ناحية أخرى يرى أنصار هذا النموذج أنه ساهم بشكل كبير في عملية التحول الديمقراطي.

في المقابل، طرح الخميني نظام الجمهورية الإسلامية واستند النموذج على ولاية الفقيه ووصاية الفقهاء، حيث ركز الخميني على تنظيم رجال الدين وشجعهم على القيام بأنشطة سياسية في المساجد قبل الثورة وبعدها، ونتيجة لذلك لعبت المساجد دور الأحزاب السياسية ووصلت لدرجة أنها أصبحت كفصيل من مؤسسات المجتمع المدني، وقد ترك هذا النموذج للفقيه أن يحكم المجتمع لحماية الإسلام، ولم يستخدم الخميني مصطلح ديمقراطي لأنه كان يعتقد ان النظام الإسلامي نظام قائم بذاته ولا يحتاج إلى أي إضافة. وعليه فقد ركز الخميني وشريعتي على الإسلام السياسي لكنهما اتبعا اشكالا مختلفة من الحكم.

من ناحية أخرى، أيد بازارجان فكرة الجمهورية الإسلامية الديمقراطية، ففي بداية الامر أبدى اهتمامه بالإسلام السياسي، إلا أن التجربة الي اكتسبها في إيران ما بعد الثورة الإسلامية دفعته لدعم الإسلام الاجتماعي في أوقات لاحقة، وطبقا لمنظور بازارجان فقد كان للمؤسسات دورا رئيسيا حيث ناصر ودعم مؤسسات المجتمع المدني إذ كان من ضمن مؤسسي حركة حرية إيران عام 1961، وأيد منظمة حقوق الانسان عام 1978.

السياسات العامة وضوابط السياسة الداخلية

     لفت الكاتب إلى أن الثورة الإيرانية استخدمت كل من الأفكار المرتبطة بالتقاليد والحداثة، وهو ما أوضح حجم الازدواجية في الدستور الإيراني، حيث يستمد جزء منه من خلال الشريعة وجزء آخر من تشريعات وضعية، الامر الذي أدى إلى بعض الصدمات بين المدارس الفكرية المختلفة، فقد كان الخميني يميل نحو الدين على أساس الفقه، وقد تجنب العلمانية بكل صورها سواء العلمانية الفلسفية التي تحرم الله، وكذا الاجتماعية التي تُنكر حضور المتدينين في المجال العام، ناهيك عن العلمانية السياسية التي تقترح الانفصال بين الدولة والدين، وعليه فقد رأى الخميني أن الدين يجب أن يشمل  الجوانب التعبدية وكذا المعاملات والسياسة، من ناحية آمن بازارخان بالعلمانية السياسية لكنه لم يؤمن بالعلمانية الفلسفية والاجتماعية.

      كما اكدت التيارات الثلاثة على أهمية تأسيس مجتمع جيد مع وجود القيم التقليدية والأفكار الحديثة، بحيث يتم البحث عن السعادة للجمهور وفي الوقت ذاته إدارة المجتمع بطريقة مناسبة، فقد دعم الخميني تعظيم العلم الإسلامي، انطلاقا من ولاية الفقيه، وقد انقسمت الجماعات والمفكرين الفقهيين بعد وفاة الخميني، إلى تيارين: الأول، دعم الشرعية الإلهية للقيادة العليا في إيران والتي مثلها المرشد الأعلى، في حين ايد التيار الثاني مبدأ شرعية التصويت الشعبي، في حين دافع بازارجان عن الليبرالية الاجتماعية وانتهى إلى التقليل من الاعتماد على الدين حيث رأى أن الأيديولوجيا يمكنها أن تأخذ مبادئ وأهداف وأطر الدين وتلعب دوره، ويُعرف اتباع هذه المدرسة الآن باسم الليبراليين الجدد.

وحول استخدام القوة او التمرد المُسلح ضد نظام الشاة الايراني، فلم يوافق الخميني على هذا النهج، رغم محاولات إقناعه بذلك من قبل حركة مجاهدي خلق الإيرانية ولم يمتثل  للحركة على اعتبار انها ليس لديها التزام قوي بالإسلام، وبالمثل رأي شريعتي ضرورة تبني حركة إعلامية وتحررية بغرض اسقاط الشاة، على الجانب الأخرى أيد بازارجان وبعض الجماعات الإسلامية الأخرى استخدام القوة ضد نظام الشاة، على اية حال، شكل الانقلاب الذي وقع عام 1953 ضد رئيس الوزراء محمد مصدق نقطة محورية كان له تأثير عميق على الوضع السياسي لإيران، حيث تسبب في قيام الشاه بتعليق علاقاته مع نشطاء المعارضة السياسية،  فضلا عن تركيز الامن على وكالة الاستخبارات ” السافاك”، كما أن الانقلاب قاد المعارضة والجماعات الإسلامية نحو فكرة تغيير النظام السياسي في إيران.

ونوه الكتاب إلى أن فيما بعد الثورة الإسلامية 1979، قام اتباع الإسلام السياسي بالفصل بينهم وبين المدارس الفكرية الأخرى، حيث اعتبروا ان تلك الجماعات علمانية، وبمرور الوقت تم طرد هؤلاء من المجال العام في إيران، وقد استمرت هذه الاختلافات حتى اليوم بين أنصار مدرسة الإسلام الفقهي ” الشرعية الإلهية” ومدرسة الشرعية الشعبية.

ملامح التوجهات الايرانية في أعقاب الثورة الإسلامية

لفت الكاتب الى المحددات والضوابط التي شكلت مرحلة ما بعد الثورة الاسلامية، خاصة في المرحلة ما بين 1980 و 1983، حيث دعم الخميني الثورة الثقافية والتي تبنت تطهير العلوم الاكاديمية من كافة الافكار والاتجاهات الغربية، فضلا عن منح النظام القضائي القائم على الشريعة أهمية أكبر، ناهيك عن بروز منظمات ذات صلة بالجيش وفي مقدمتها الحرس الثوري. وفيما يتعلق بالسياسة الخارجية فقد أيد الخميني تصدير الافكار الثورية، إذ اعتبر أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية نموذجاً يجب على باقي الدول أن تتبعه، وقد شهدت فترة الخميني تزايد المشاعر المعادية للغرب، فضلا عن تنامي الصراع مع العديد من الدول الاسلامية خاصة المملكة العربية السعودية، كما اندلعت النزاعات بين السنة والشيعة والعرب والفرس في المنطقة. كما اهتم الخميني بفكرة السوق الحر القائمة على الاقتصاد الرشيد والتجارة وحقوق الملكية الخاصة

وأكد الكاتب على أن منذ وفاة الخميني وقد تطورت منظور الاسلام الفقهي وفقا لمدرستين، وهما مدرسة الشرعية الالهية ومدرسة الشرعية الشعبية، وقد سعى أنصار المدرسة الاولى إلى التأكيد على الطبيعة الجماعية لأفكار الخميني، في حين ركزت الثانية ععلى الجانب الفردي لأفكاره، فعلى سبيل المثال استهدفت سياسة “هاشمي رفسنجاني” خلال فترة رئاسته- 1989/1997- تعزيز مبادئ اقتصاد السوق الحر، والعمل على تبني علاقات جيدة مع الدول الغربية والاسلامية، من ناحية أخرى ركز ” محمد خاتمي” خلال فترة رئاسته -1997/2005- على سيادة القانون ودعم دور المجتمع المدني والتعددية السياسية وحقوق المرأة، وقد تشكلت سياسته الخارجية بناء على حسن الحوار حيث اقترح للمرة الأولى في خطابه بالأمم المتحدة عام 1998 فكرة الحوار بين الحضارات، إذ يعتبر خاتمي ضمن التيار الاصلاحي المؤيد للشرعية الشعبية، ففي نهاية فترة رئاسته تعاونت إيران مع الولايات المتحدة لاخراج مقاتلي طالبات من افغانستان، وقد ساهم هذا التوجة في التقارب مع امريكا في شن انتقادات واسعة ضد “خاتمي” من قبل اتباع مدرسة الشرعية الإلهية.

وفي سياق أخر، كان الرئيس ” محمود احمدي نجاد” خلال فترة رئاسته- 2005/2013- أقرب لمدرسة الشرعية الإلهية، خاصة في السنوات الست الاولى من رئاسته، وقد وعد “نجاد” باعتباره شخصية راديكالية بتحسين الخدمات الاجتماعية والعدالة وتقليص الفساد الحكومى وتقليل حدة وتأثيرات الفقر والبطالة خلال حملته الانتخابية 2008، إلا أنه لم يحقق النجاحات المأمولة وذلك بسبب تفاقم الأوضاع بفعل تأثير العقوبات المفروضة على إيران بسبب أنشطتها النووية. وفيما يتعلق بالسياسة الخارجية فقد أثر الكثير من التوتر بين إيران والدول الغربية.

وقد أشار الكتاب إلى أن روحاني خلال فترة رئاسته والتي بدأت منذ عام 2013 حاول التوسط بين مدرسة الشرعية الإلهية والشعبية، حيث تمكن من خلال شخصيته البراجماتية إلى إبرام اتفاق مع الدول الست بشأن البرنامج النووي الإيراني وبدعم من المرشد الأعلى، فضلا عن مساهمته في تقليل وخفض العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران وهو ما ساهم في تحسين الوضع الاقتصادي لطهران، وقد شعى لإقامة علاقات جيدة مع دول العالم، إلا أن المعادلة قد تغيرت ف اعقاب الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب والذي انسحب من الاتفاق النووي مع إيران وقام بفرض عقوبات صارمة عليه ما أدى إلى عدد من المشاكل والتحديات التي اصابت الداخل الإيراني والتي تهدد النظام ومستقبله حاليا.

ختاما، تكمن أهمية الكتاب في استعراض الاتجاهات الفكرية والأطر النظرية التاريخية التي شكلت النظام الإيراني وبُنيت عليها سياسته الداخلية والخارجية، وأن فهم هذه الفلسفات يمكن أن يساعد بشكل جيد في فهم توجهات إيران الحالية والمستقبلية تجاه عدد من القضايا والموضوعات انطلاقاً من المحددات سالفة الذكر.

Scroll Up