تتشابه سياسة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” أُحادية الجانب تجاه الخصوم التجاريين، وبعض القوى الإقليمية مثل إيران، مع سياسة “دونالد ريجان” تجاه الاتحاد السوفيتي.

وتوضح نظرية المباريات، والسجل التاريخي أن “عدم التعاون” العدواني يمكن أن يكون فعالًا، ولكن فقط إذا تم استخدامه بعناية. هو ما يحاول الدكتور “محمد العريان” كبير المستشارين الاقتصاديين في أليانز، رئيس مجلس التنمية العالمي للرئيس الأمريكي باراك أوباما. وأستاذ ممارس غير متفرغ بكلية وارتون بجامعة بنسلفانيا، توضيحه من خلال مقالة المُعنون “هل تنجح استراتيجية “ترامب” تجاه إيران؟” والمنشور في مؤسسة “project-syndicate” الدولية. وقد ركزت المقالة على المقاربات بين سياسة “ترامب” و”ريجان” في محاولة لاستنتاج سياسة فعالة يتم اتباعها مع إيران.

بدأ الكاتب بالاستشهاد ببعض القرارات التي اتخذها الرئيسان؛ إذ أفاد أن قرار “ترامب” باستهداف “قاسم سليماني” قائد فيلق القدس الإيراني، يشبه من نواحي كثيرة، منهج إدارته في التجارة. ففي كلتا الحالتين، أبدت الإدارة الأمريكية حالة من التعجب نتيجة قراره الأحادي، الذي سعى من خلاله إلى تحقيق نتائج ملموسة على المدى الطويل بالرغم من عدم إجراء مشاورات واسعة النطاق، علاوة على مخاطر القرار على المدى القصير، الأمر الذي يتشابه مع استراتيجية “ريجان” في الثمانينيات من القرن الماضي تجاه الاتحاد السوفياتي.

وعليه أوضح “العريان” أن النهج الأحادي العدواني يمكن أن ينجح. ولكن من الأفضل استخدامه بشكل انتقائي، ولكن “ترامب” قرر اللجوء إليه في سياق معالجة التظلمات الأميركية طويلة الأجل (والأوروبية) ضد بعض الممارسات التجارية الصينية، من خلال التخلي عن النهج التقليدي المتمثل في الرجوع إلى المؤسسات متعددة الأطراف القائمة مثل منظمة التجارة العالمية. وبدلاً من ذلك، اختار ما يسميه منظري المباريات “مقاربة غير تعاونية” تتجلى في فرض تعريفات جمركية على الواردات الصينية، ثم التهديد بالانتقام في حالة الرد بالمثل على هذه السياسية. وذلك من خلال ما يعرف تقليديًا بأدوات السياسة-الاقتصادية، الأمر الذي مكّن واشنطن من متابعة أهدافها الأمنية والاقتصادية والمالية.

فحتى الآن، عملت الحسابات الأساسية لصالح “ترامب”، مثل دفعه من جانب واحد لإصلاح اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية؛ حيث أبدى استعداده لتحمل بعض الأضرار في الداخل على أمل أن يكون الضرر الذي لحق بالطرفين الآخرين أكبر بكثير وسيجبرهم على تقديم تنازلات. وقد اتقنت إدارة “ريجان” هذا النهج عندما شرعت في سباق تسلح متسارع مع الاتحاد السوفيتي (أو ما أطلق عليه ريغان “إمبراطورية الشر”). من خلال زيادة الإنفاق الدفاعي؛ حيث استفاد “ريجان” من القوة الاقتصادية والمالية لأميركا مع العلم أن السوفييت لا يمكنهم مواكبة ذلك. وفي النهاية، لم يكفل هذا النهج انتصارًا تكتيكيًا فحسب، بل انتصارًا جيوسياسيُا تُوجى بانهيار الاتحاد السوفيتي.

إذن؛ فإن سياسة الضغط على الخصم في مجال معين على أمل أن يرتكب خطأ يصب في مصلحة الطرف الأخر تعد استراتيجية قديمة. وكما هو الحال في أي استراتيجية، فإنها تحاول التوازن بين التكلفة والمخاطر المحتملة. ففي حالة “ريجان” كان على إدارته أن تتحمل التكلفة الاقتصادية والسياسية المترتبة على خلق عجز كبير في الميزانية، فضلاً عن خطر المواجهة العسكرية مع السوفييت.

أما في حالة اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية (NAFTA فقد واجهت إدارة “ترامب”  خطر انتقام كل من كندا والمكسيك منه. ولكن بعد محاولة مبدئية للقيام بذلك، قاموا بتقديم العديد من التنازلات التي أرادتها الولايات المتحدة وتم تضمينها الآن في اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا (USMCA ) ومع ذلك، كان رد فعل الصين مختلفًا في البداية، وربما تكون قد بالغت في رد فعلها الذي تمثل في إطالة أمد التوترات التجارية مع الولايات المتحدة، والرد بالمثل على  التعريفة الجمركية المفروضة عليها.

ووفقًا للمقالة كان الأثر المباشر لهذه التطورات هو تعقيد جهود الصين لتنفيذ الإصلاحات الهيكلية اللازمة للحفاظ على نهوضها التاريخي (إن لم يكن غير مسبوق). ولكن على المدى الطويل، يمكن أن تزيد الآثار بعيدة المدى للحرب التجارية من احتمال أن تصبح الصين متورطة في مصيدة الدخل المتوسط، مثل الكثير من الدول النامية. إذا حدث ذلك، فستكون الولايات المتحدة قد نجحت في تجنب تطور الاقتصاد العالمي الكامل من نظام بقيادة الولايات المتحدة إلى نظام ثنائي القطبية.

كل هذا يأخذنا إلى إيران؛ حيث يبدو أن المواجهة الأخيرة لإدارة “ترامب” تتبع نفس قواعد اللعبة؛ التي تمثلت في نمط التعاطي مع طهران؛ حيث اتخذ “ترامب” قرارًا مفاجئًا دون مشاورات داخلية وخارجية واسعة، نتج عنه تنامي حدة التوترات، الأمر الذي أثار مخاوف القوى الدولية والإقليمية الأخرى بما فيهم الحلفاء الأوروبيين، من تحول الولايات المتحدة دولة منفردة وأحادية الجانب. الأمر الذي أثار حالة من الانتقام من قبل الخصم (في هذه الحالة إيران)، على الرغم من أنه أقل شدة، إلا إنه ارتكب خطأً مأساويً هو (إسقاط طائرة مدنية).

وتساءل الكاتب كيف سيبدأ هذا الصراع؟ من الواضح أن الولايات المتحدة قد حققت بعض المكاسب، وأن الخطر الأكبر المباشر – حرب مباشرة أو صراع غير متماثل مزعزع للاستقرار – تم تجنبه، على الأقل حتى الآن.

واختتم أنه رغم ذلك، فإن استراتيجية الضغط على مواطن القوة النسبية ليست أمر مستحسن دائمًا أو يمكن استخدامها كقاعدة عامة. كما إن الاعتماد المفرط على الأحادية العدوانية يهدد بتفكيك النظام الدولي الذي يخدم مصالح الولايات المتحدة، على أن يتم تحديد المكاسب والخسائر بدقة. من جانب آخر، فإن سياسة “ترامب” التي تستند على الضغط يمكن أن تجبر الدول على اتخاذ خيارات تتعارض مع المصالح الأميركية، وتجلى ذلك في استعداد بعض الدول لتعميق علاقاتها الاقتصادية والمالية مع الصين من خلال “مبادرة الحزام والطريق“، رغم من اعتراضات الولايات المتحدة.

Scroll Up