تشهد العلاقات الأمريكية البريطانية مرحلة جديدة من التعاون والتنسيق، في سياق نجاح حكومة “بوريس جونسون” في إدارة ملف الخروج من الاتحاد الأوروبي، بعد فشل الحكومة السابقة في التوصل إلى اتفاق يُرضي جميع الأطراف في بريطانيا وبركسل؛ حيث أعلن “جونسون” في خطابه الذي وجهه للأمة إبان موعد الخروج يوم 31 يناير 2020، أن البريكست “ليس النهاية بل بداية فصل جديد من مسيرتنا الوطنيّة الكبرى”، مُؤكدًا أن “الاتحاد لم يعد يتماشى مع أحلام البريطانيين، وكان لابد من الانفصال”.
وعليه ستصبح المملكة أول دولة تغادر الاتحاد الأوروبي، لتنهى التزاماتها بالسياسات الأوروبية التي استمرت لأكثر من أربعة عقود ونصف، لتبدأ مرحلة انتقالية مدتها 11 شهر تمهيدًا لإبرام اتفاق نهائي مع الاتحاد يحدد شكل العلاقات المستقبلية مع بروكسل بما يعزز مصلحة الطرفين.
فحتى نهاية ديسمبر 2020 على الأقل، ستظل المملكة المتحدة في مواصلة المساهمة في ميزانية الاتحاد، والرجوع إلى قوانينه، دون التمثيل في المؤسسات التابعة له، التي تجلت في فقدان المملكة لمقاعدها في البرلمان الأوروبي لصالح باقي الدول الأعضاء، وعدم حضورها أي اجتماع للقادة الأوروبيين، أي إنها ستلتزم خلال المرحلة الانتقالية بقواعد الاتحاد دون المشاركة في عملية صنع القرار. ومن المقرر أن تبدأ المحادثات حول العلاقة المستقبلية في 3 مارس.
وفيما يتعلق بنمط الشراكة الخارجية؛ يرغب “جونسون” في تحديد أفضل السبل لتعميق وتعزيز العلاقات الاقتصادية الثنائية مع الولايات المتحدة، علاوة على وضع الركائز الأساسية لإمكانية إبرام اتفاق للتجارة الحرة في المستقبل.

جدلية التقارب بين “ترامب” و”جونسون”


أثار تولي “جونسون” رئاسة الوزراء حالة من الجدل حول شخصيته، ومدى تقاربه مع الرئيس الأميركي، بالإضافة إلى قدرته على تحقيق المصلحة الوطنية للمملكة في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية. في حقيقة الأمر هناك تقارب في الرؤى رغم اختلاف الآليات بين “جونسون” و”ترامب”؛ إذ يُعد الأول شخص براجماتي غير تقليدي، استطاع تحقيق حلمه في أن يكون رئيسًا للوزراء بعد أن شغل منصب عمدة لندن ووزير الخارجية، ثم رئيس وزراء بريطانيا، مُحققًا ذلك بأغلبية استثنائية، مهدت الطريق لتنفيذ إرادة الشعب البريطاني في الخروج من الاتحاد بالرغم التحديات التي يواجهها.
أما الأخير فقد استند في توجهاته الداخلية والخارجية على مرتكزات المصلحة الوطنية للولايات المتحدة، منتهجًا مبدأ “أميركا أولًا”، فضلاً عن رغبته في إعادة إدارة علاقات واشنطن الخارجية، وفقًا لادراك “رجل الصفقات” الذي يعتمد على المكسب والخسارة، متجنبًا تحمل الأعباء الناتجة على العلاقات التاريخية مع الحلفاء الاستراتيجين مثل المملكة المتحدة.
كما أن لديهم بعض التوجهات المشتركة خاصة فيما يتعلق بعدم التزامهم بسياسات المؤسسات الدولية أو التكتلات الاقتصادية، التي ساهمت في بلورة نمط التعاون متعدد الأطراف بين الوحدات الدولية، لكونها تتعارض مع سياساتهم القومية، بالرغم من رغبتهم في جعل بلاهم قوى دولية عالمية.
وذلك على الرغم ما أُثير في الفترة السابقة من توترات بين الجانبين على خلفية عدم التوافق حول عدد من الملفات المتعلقة بتغير المناخ، والعلاقات الاقتصادية مع الصين. بجانب الخلافات بين إدارة “ترامب” وحكومة “جونسون” حول السماح لشركة Huawei العملاقة للاتصالات الصينية بتحديد حصتها في السوق لما يصل إلى 35٪ من شبكات الجيل الخامس، ولكن ليس للأجزاء “الأساسية” الحساسة مثل المواقع النووية والقواعد العسكرية. على الرغم من الضغط الأميركي. لذا فقد حث “بومبيو” المملكة المتحدة على إعادة النظر في السماح لشركة Huawei بأن تلعب دورًا في نظام الجيل الخامس. مشددًا على أن واشنطن بحاجة إلى التأكد من أن حلفائها لديهم شبكات “موثوقة” للمعلومات.
على الجانب الأخر؛ أثار قرار رفض الولايات المتحدة طلب المملكة بتسليم زوجة الدبلوماسي الأميركي التي قتلت مراهقًا بريطانيًا في حادث سيارة، حالة من الغضب من قبل الشعب البريطاني؛ حيث أوضح المتحدث باسم وزارة الخارجية إن منحها “سيشكل سابقة مثيرة للقلق بشكل استثنائي”.
والجدير بالذكر، أن الرئيس الأميركي “دونالد ترامب” دعم خروج بريطانيا من الاتحاد منذ الاستفتاء، ووعد بالتوقيع على صفقة تجارية مع حكومة “جونسون” في سعيها لتخفيف الآثار الاقتصادية المترتبة على الخروج من الاتحاد الأوروبي. لكن هناك تخوفات في المملكة بشأن التنازلات التي قد يطلبها “ترامب” للتوصل إلى اتفاق.
كما برهن على ذلك وزير الخارجية الأميركي “مايك بومبيو” إبان زياراته للمملكة المتحدة؛ حيث التقى نظيره البريطاني وقال بومبيو في تغريدة “لقد ناقش الاثنان اتفاقًا جديدًا للتجارة الحرة بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة و” استمرار التعاون في تحقيق أهدافنا المشتركة”.

وفي أعقاب الخروج من الاتحاد غرد “بومبيو” قائلًا؛ “أنا سعيد لأن المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي قد اتفقا على صفقة الخروج التي تكرم إرادة الشعب البريطاني. سنواصل البناء على علاقتنا القوية والإنتاجية والمزدهرة مع المملكة المتحدة عند دخولها هذا الفصل التالي”.

السيناريوهات المحتملة للعلاقات بين الجانبين

استنادًا لما سبق فمن المتوقع أن تشهد العلاقات عدد من السيناريوهات المحتملة في ظل التحديات التي تواجهها المملكة على النحو التالي:

1- سيناريو الشريك المهيمن؛ من المحتمل أن تشهد العلاقات الأميركية البريطانية هيمنة من إدارة “ترامب” على حكومة “جونسون”، خاصة في ظل المفاوضات المكثقة لإمكانية إبرام اتفاق تجاري بين البلدين، وحالة عدم اليقين فيما يتعلق بملف البريكست، وتراجع معدلات النمو الاقتصادي، علاوة انخفاض قيمة العملة الوطنية “الجنيه الاستراليني”.
وقد بدأت ملامح هذا السيناريو في التبلور مع إعلان المملكة الانضمام إلى التحالف البحري بقيادة الولايات المتحدة، بعد رفضها التصعيد ضد إيران، مقابل التخطيط لتشكيل قوة بحرية أوروبية لحماية الملاحة وحركة الشحن في الخليج العربي، على خلفية احتجاز طهران ناقلة النفط البريطانية إبان عبورها مضيق هرمز في الخليج العربي.
وفي سياق استهداف أميركا لقائد فيلق القدس الإيراني “قاسم سليماني”، أوضحت بريطانيا وبعض القوى الأوروبية موقفهم الداعم إلى التهدئة وضبط النفس خوفًا من تنامي التصعيد بين الجانبين، الأمر الذي عبر عنه “بومبيو” بأن “الشركاء الأوروبيين غير مفيدين” بالقدر الكافي لواشنطن، لذا يجب على “البريطانيين والفرنسيين والألمان أن يدركوا ما فعله الأميركيون ساهم في إنقاذ أرواحًا في أوروبا”. وعليه فقد بدأت المملكة بتحذير إيران من التصعيد الذي ينعكس عليها بشكل عميق وسيفرض عليها عزلة دولية، بجانب تفعيل آلية فض النزاع النووي، نتيجة عدم التزامها ببنود الاتفاق النووي ردًا على مقتل “سليماني”.
ويذكر أن هذه السياسة لم تكن وليدة اللحظة، ولكنها سبق أن تعرضت لها العلاقة الخاصة بين الجانيين؛ حيث هيمنة واشنطن على توجهات السياسة الخارجية البريطانية في عام 1956 أثناء أزمة السويس، عندما ضغط الرئيس “أيزنهاور” على رئيس الوزراء “أنتوني إيدن” لسحب القوات البريطانية من مصر. وبالرغم من استقالة رئيس الوزراء بعدها بشهرين إلا أن العلاقات استمرت لأن بريطانيا ليس لديها بالفعل حليف آخر مثل الولايات المتحدة. بالإضافة إلى المشاركة القوات البريطانية في احتلال أفغانستان والعراق، بجانب القوات الأميركية رغم المعارضة الداخلية في بريطانيا.

2- سيناريو العلاقات الضاغطة؛ بالرغم من أن “ترامب” أعرب عن دعمه لسياسة “جونسون”، وإداراته لملف البريكست، علاوة على رغبته في إبرام اتفاق للتجارة مع المملكة إبان خروجها، إلا أن “جونسون” سيواجه عدد من التحديات التي من الممكن أن تعرقل مسيرة التعاون الاقتصادي بين الجانين. فمع خروج المملكة من الاتحاد فإنها ستحرر من القواعد الاقتصادية الخاصة بالمجموعة الأوروبية. وعليه من المحتمل أن تطلب واشنطن بعض التغييرات في عملية الاستراد والتصدير تنعكس على رفع أسعار المنتجات، علاوة على عدم تمكن بريطانيا من تقديم عروض مرضية أو رسوم ضربية أقل للولايات المتحدة.
وفي هذا السياق؛ سيكون على “جونسون” تحديد موقفه من العلاقات المستقبلية مع الصين، وإذا كانت بريطانيا ستكمل في استمرار التعاون مع شركة Huawei الصينية، الأمر الذي رفضه “ترامب” في مايو/ أيار 2019 مُحذرًا بريطانيا من التعاون معها لما لها من تداعيات سلبية على علاقات التعاون الاستخباراتي بين واشنطن ولندن. فيما انتقد عدد من أعضاء مجلس الشيوخ قرار المملكة بالسماح لشركة هواوي بالعمل المُقيد على أراضيها؛ حيث طالب السناتور “توم كوتون” العضو الجمهوري في لجنة المخابرات بمجلس الشيوخ، بإجراء “مراجعة شاملة” لتبادل المعلومات الاستخباراتية مع المملكة المتحدة. مُعربًا “أخشى أن تكون لندن قد حررت نفسها من بروكسل فقط للتنازل عن السيادة إلى بكين”. موضحًا أن القرار أعطى الصين موطئ قدم لتنفيذ “تجسس واسع النطاق” على المملكة المتحدة ومنحه “قوة اقتصادية وسياسية متزايدة
ومع ذلك، فإن اقتصاد بريطانيا بعد الخروج سيحتاج إلى استثمارات أجنبية لزيادة معدلات النمو الاقتصادي، للحفاظ على قيمة العملة، كما إنها سترغب في زيادة حجم التبادل التجاري مع بكين.

3- سيناريو التوافق الاستراتيجي؛ في ظل العلاقات الدائمة بين واشنطن ولندن، كان هناك دائمًا تعاون بين القادة الذين كانوا متشابهين في التفكير أو متوافقين حول قضية واحدة. تجسد ذلك في علاقة “فرانكلين روزفلت” و”نستون تشرشل” إبان الحرب العالمية الثانية في مواجهتهم لألمانيا النازية، علاوة على “رونالد ريجان” و”مارغريت تاتشر”، الذين دعموا الرأسمالية، والحرية الاقتصادية، بالإضافة إلى تعاونهم لبناء الأمن الغربي وفقًا لنموذج التعاون القائم سابقًا بين “تشرشل” و”روزفلت” لمواجهة الاتحاد السوفيتي.
وفيما يتعلق بـ “ترامب” و”جونسون” فهناك احتمال أن تكون العلاقة بينهم ناجحة، وينتج عنها تعاون مثمر للجانبين نتيجة تقاربهما في وجهات النظر حول عدد من الملفات؛ حيث الرفض المشترك تجاه الاتحاد الأوروبي والرغبة في إبرام صفقة تجارية إلى تحسن العلاقات الثنائية على المدى القريب، فضلاً عن سياساتهم البراجماتية في توجهاتهم الخارجية، التي تتوافق مع مصالحهم الوطنية بشكل كبير.
فكلاهما يدرك أهمية الآخر له وقد تجلى ذلك في تصريح “ترامب” في أول لقاء مع “ماي”، قائلاً “إن بريطانيا القوية والمستقلة هي نعمة للعالم”. كما رحب “ترامب” بتولي “جونسون” رئاسة وزراء بريطانيا، موضحًا إنه سيؤدي “عملاً رائعًا” وحتى أنه يوحي بأنه “ترامب بريطانيا”. في المقابل يعرب “جونسون” عن إعجابه بالنهج الأميركي في ظل إدارة “ترامب”، وسياساته حول عدد من القضايا.

4- سيناريو المواءمة الدبلوماسية؛ هناك احتمال أن يسعى “جونسون” إلى تحقيق التوازن في علاقاته بالدول الصديقة في الاتحاد الأوروبي لإمكانية التعاون معهم، وإبرام اتفاقيات مشتركة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بجانب التعاون والتنسيق المستمر مع الولايات المتحدة على الصعيد التجاري خاصة إنه لا ضمان لولاء “ترامب” تجاه الدول الأوروبية بشكل عام والحلفاء بما فيهم المملكة بشكل خاص. وقد يتمثل مسار المواءمة في العلاقات على الصعيد العسكري والأمني، كما فعلت “ماي” من قبل؛ حيث قامت بإبرام اتفاق للتعاون العسكري مع ألمانيا تحت عنوان “الرؤية المشتركة”، لتوثيق التعاون في بناء القدرات العسكرية، ومكافحة الإرهاب بين الجانبين في عام 2018.
ويهدف الاتفاق إلى رغبة الحكومة البريطانية في التأكيد على بقاء قواتها المتمركزة في برلين بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي، لدعم البنية التحتية لقوات حلف شمال الأطلسي، فضلاً عن رغبة بريطانيا في لعب دورًا مركزيًا في حماية الأمن الأوروبي، خاصة في سياق استمرار الانتقادات الأميركية للقادة الأوروبيين حول مخصصات الأمن والدفاع، والضغط عليهم لزيادتها، بالإضافة إلى التصدي للنفوذ الروسي المتزايد في الإقليم الأوروبي، علاوة على محاولاتها اعتراض عمليات نقل الأقمار الصناعية في الفضاء، واتهامها من بعض الدول بالتجسس وشن هجمات إلكترونية عليهم.

ختامًا؛ استندت السيناريوهات التي تم طرحها على نهج الرئيس الأميركي في السياسة الخارجية، فضلاً عن العلاقات الدائمة بين الولايات المتحدة والمملكة، وعلى الرغم من توقع السيناريو الأول والثاني وأن العلاقات ستكون تحت مظلة التوجه الأميركي، وسيكون هناك مهادنة من قبل بريطاينا لاسترضاء الحليف الاستراتيجي، إلا أن هناك اتجاهًا لدى البعض يرفض هذه السيناريوهات مفترضًا أن المتغيرات الإقليمية والدولية قد تساهم في بلورة العلاقات بشكل أفضل مرجحة الجمع بين السيناريو الثالث والرابع الذي يتضمن مسار التوافق الاستراتيجي والمواءمة الدبلوماسية النابعة من التوجهات البراجماتية لكلا الطرفين، خاصة مع خروج بريطانيا من الاتحاد، والاستعداد للانتخابات الرئاسة الأميركية.

Scroll Up