حالة من الجدل الواسع إثر إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن خطة السلام الأمريكية، حول توقيت صدورها الذي يتزامن مع موعد الانتخابات الإسرائيلية المقرر لها مارس المقبل، وجلسة عزل ترامب في فبراير الحالي والتي “انتهت بتبرئة ترامب”، بجانب أهداف الخطة نفسها والتي استطاعت كما قال عنها الرئيس الأمريكي أن تحقق”إنجاز دبلوماسي” خلق نوع من التوافق لأول مرة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وزعيم المعارضة بيني جانتس، وفي المقابل تجاهلت الأهداف الفلسطينية عند صياغة الخطة، وهو ما شهد رد فعل رافض من السلطة الفلسطينية مدعوماً من الدول العربية خلال اجتماع جامعة الدول العربية غير العادي بشأن القضية الفلسطينية، وكذلك منظمة التعاون الإسلامي. هذا الجدل الواسع، دفع مركز “كارنيجي للشرق الأوسط” التابع لمؤسسة كارنيجي للسلام، بتحليل الهدف من الخطة الأمريكية للسلام من خلال عرض أراء سلسلة من الخبراء في تقرير بعنوان ” لن تحقق خطة ترامب السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، فما الهدف منها إذاً؟”.

وصفت ديانا بوتو ، المحامية الفلسطينية الكندية ومستشارة قانونية سابقة للفريق الفلسطيني المُفاوض، الخطة بأنها لسيت استعمارية فحسب، ولكنها أعطت الحق لترامب وجاريد كوشنر والسفير الأميركي لدى إسرائيل ديفيد فريدمان ونتنياهو الحق في تقرير مصير الفلسطيينن، وأكدت أن جوهر خطة ترامب لن تساهم في إحلال السلام، لكونها من ابتكار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومتشددي اليمين المتطرف، وتهدف لإخطاع الفلسطينين متجاهلة مبادئ القانون الدولي والمساواة، وأوضحت أن هذه الخطة ستجرد 300 ألف فلسطيني من جنسيتهم، وأرجعت الهدف من الخطة لسببين هما “منع أي رئيس قادم من التعديل في سلسلة العطايا التي أهداها ترامب لإسرائيل والتي تمثلت في نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، والاعتراف بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان. إلى جانب وضع حد للمساعدات المقدمة إلى السلطة الفلسطينية، ووقف تمويل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين، وإغلاق المكتب التمثيلي لمنظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، وتشريع وجود المستوطنات الإسرائيلية. أما السبب الثاني فتمثل في تأمين فوز نتينياهو في الانتخابات المقبلة، بضمان الحصول على تأييد أصوات أو مقاعد من اليمين المتطرف، وضمان ضم الضفة الغربية سواء قبل أو بعد الانتخابات الإسرائيلية.

وهو ما أكده مخيمر أبو سعدة، محلل سياسي ورئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الأزهر في غزة، حول تعزيز فرص فوز نتنياهو،  كما ينظر لخطة ترامب على أنها ستكون سبب انهاء المفاوضات بين الجانبين، وستسهم نحو مزيد من زعزعة استقرار الشرق الأوسط، وتدهور العلاقات الإسرائيلية- الفلسطينية، والإسرائيلية- الأردنية، ووصفها بـ “الخطة الأحادية” المنحازة التي ستجعل من فلسطين “كيان سياسي” دون سيادة على حدوده والمسجد الأقصى، مشيراً إلى أن الهدف الأساسي منها يتمثل في تحويل انتباه الرأي العام الأمريكي عن عملية عزل الرئيس دونالد ترامب في مجلس الشيوخ، وحشد المزيد من الدعم من المسيحيين الإنجيليين الأميركيين والناخبين المحافظين للمساعدة على إعادة انتخاب ترامب مرة أخرى هذا العام.

وتساءل آرون ديفيد ميلر الباحث في برنامج الشؤون الجغرافية والاقتصادية والاستراتيجية في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، عن توقيت الإعلان عن الخطة الأكثر تفصيلاً للسلام، والذي أرجعه لنفس الأسباب السابقة المتمثلة في الانتخابات وقضية العزل، لكن من غير الواضح كيف ستسهم في فوز نتنياهو؛ إلا في حال أعطت الإدارة الأميركية الضوء الأخضر لعملية الضم الإسرائيلية قبل موعد الانتخابات في إسرائيل، في محاولة لإبقاء نتنياهو في سدة الحكم خلال فترة الانتخابات الأميركية لمساعدة إدارة ترامب في الحصول على دعم القاعدة المؤيدة لإسرائيل، وأن تأخير الخطة لبعد الانتخابات كان سيتداخل مع التوقيت السياسي الأميركي؛ مما يعني تأجيل الإعلان عن الخطة إلى ما بعد منتصف العام 2020، وذلك لأنه يرى أن الهدف من الخطة ليس الوصول للمفاوضات من الأساس، لكونها ستخلق دولة فلسطينية مبتورة لاتتمتع بالسيادة، وضم المستوطنات الإسرائيلية وغور الأردن لإسرائيل، وتجاهل مشكلة اللاجئين. ولكنها محاولة من فريق السلام بإدارة ترامب الموالي بقوة لإسرائيل لإعادة تأطير سياسة واشنطن تجاه حل الدولتين لتتلاءم على نحو وثيق مع رؤية نتنياهو لحدود إسرائيل.

وعلى العكس يرى حسين إبيش، باحث أول مقيم في معهد دول الخليج العربية في واشنطن العاصمة، أن توقيت الخطة “سياسياً بامتياز” حيث ستساهم في مساعدة نتنياهو في الانتخابات، وعدم الزج به في السجن على خلفية قضايا الفساد، وفي خدمة الظرف السياسي الذي يمر به ترامب وسمحت له بالظهور كصانع سلام وصاحب رؤية خلال مناقشة قضية عزلهأمام مجلس الشيوخ، كما عزز تحالفه مع اليمين المسيحي المتطرف، هذا إلى جانب الدفع بإفساح المجال نحو تأييد ضم الأراضي وتقويض آفاق حل الدولتين ، والذي يحظى بالقبول على مستوى السياسة الأميركية حيال إسرائيل حول قيام “دولة إسرائيل الكبرى”، وحرمان الفلسطينيين من دولتهم، التي يسود فيها انعدام المساواة ونظام الفصل العنصري (الأبارتايد)، والمحاصرة بما يمكن وصفه بـ”البانتوستان” الفلسطيني.

 أشارت زها حسن، باحثة زائرة في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، أن الخطة يمكن اعتبارها بمثابة مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإسرائيل حول حجم الأراضي الفلسطينية، والاعتراف الأمريكي بالسيادة الإسرائيلية، كما تم تحديد توقيت الإعلان عن خطة ترامب بفعل ظروف سياسية ملحة والمتمثلة في الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية وقضية عزل ترامب. كما أثنت على الموقف العربي والإسلامي الذي تبعه إلقاء بيانات “قوية” للتأكيد على الموقف العربي من إنهاء الاحتلال العسكري الإسرائيلي، في ظل مبادئ القانون الدولي، وما ستؤدي إليه الخطة من “هدم أسس السلام”، واعتبرت جاريد كوشنر وفريقه المعني بالسلام في الشرق الأوسط أخطأ في تقدير حجم الدعم الذي ستلقاه الخطة.

وخلص التقرير إلى أن خطة السلام الأمريكية، لن تخلق سوى مزيد من عدم الاستقرار في ظل الانحياز الواضح للرؤية الإسرائيلية حول حدود حل الدولتين، بشكل يتنافى مع رؤية العالم العربي والإسلامي، وأكد على أنها ستكون بمثابة إنهاء للمفاوضات بين كافة الأطراف المعنية، وهو ما هدفت إليه الإدارة الأمريكية بعدم وجود رغبة فعلية للتفاوض، وإنما الهدف الأساسي هو إعطاء الشرعية للإستيطان الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية لخلق نوع من التأييد في الداخل الإسرائيلي قبيل الانتخابات الإسرائيلية، والحصول على تأييد اليمين المتطرف، ودعم وزيادة فرص ترامب في الانتخابات المقبلة، وإظهاره كصانع للسلام في قضية عزله الأخيرة.

Scroll Up