لا يعبر معظم المواطنين الروس عن رغبة قوية في التغيير الشامل ولا توجد لديهم خارطة طريق محددة للإصلاحات المرجوة. على الصعيد الأخر يُدرك البعض أن البلاد لا يمكنها المضي قدمًا، أو حتى البقاء في مكانها، دون إصلاحات.
هذه المُعضلة هي ما دفعت كلاً من “أندريه كولسنيكوف ودنيس فولكوف ” لتحليل نتائج استطلاعات الرأي التي أجراها مركز كارنجي في موسكو ومركز ليفادا. من خلال الإجابة على عدد من التساؤلات منها ما يتعلق بنوع التغيير الذي يريده الروس؟، وما يمكنهم القيام به حيال ذلك؟ وذلك في مقالهما المنشور بموقع كارنيجي موسكو والذي حمل عنوان ” Are Russians Ready for Lasting Change?”.
استطلاعات الرأي أظهرت زيادة شهية الجمهور الروسي للتغيير إلى حد كبير في العامين الماضيين.

دوافع التغيير


يقول الكاتبان إنه بحلول عام 2017، كان التأثير الإيجابي لاستيلاء روسيا على شبه جزيرة القرم 2014 من أوكرانيا قد تلاشى ببطء. وكشف استطلاع للرأي في ذلك العام أن الروس يريدون من حكومتهم تحويل تركيزها من السياسة الخارجية إلى السياسة الداخلية. مؤكدين إن الوقت قد حان للتركيز على الاقتصاد والقضايا الاجتماعية.
وأضافا أنه بحلول عام 2018 أٌعلنت الحكومة الروسية رفع سن التقاعد ليكون 63 عاماً للنساء و65 عاماً للرجال بدلا من 55 و60 عاما، إلى جانب السياسات الاقتصادية الأخرى ولكن هذه المسائل لم تحظ بشعبية كبيرة، بل تسببت في استياء المواطنين الروس. وتراجعت معدلات الرضا عن الأداء الحكومي.
وأوضح الكاتبان أنه في سبتمبر 2018 وإثناء إجراء الانتخابات البلدية في روسيا ظهرت قوى احتجاجية مشككة في نزاهة الانتخابات، وبدا أن هناك مطالبات للتغيير. حينذاك استيقظ المجتمع المدني في روسيا من سباته وبات أكثر نشاطًا من ذي قبل.

ديناميات التغيير. المؤيدون والمعارضون


ويقول الكاتبان أنه وفقا لاستطلاعات الرأي، فإن هناك مجموعات اجتماعية أكثر تأييدا لإحداث تغييرات شاملة من بينهم الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين أربعين وأربع وخمسين عاماً، وغير الراضين عن سوق العمل وزيادة سن التقاعد. والأشخاص ذوي المستوى العالي من التعليم. وذوي الدخل المنخفض. وسكان المدن متوسطة الحجم. وبكل تأكيد فإن منتقدي النظام الحاكم الحالي من أشد المؤيدين والداعيين للتغيير.
وأشارا إلى أنه على الصعيد الأخر، هناك بعض الفئات والمجموعات لا تسعى ولا ترغب في التغيير، من بينهم الأشخاص الذين لم يكملوا تعليمهم الثانوي. والأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن خمسة وخمسين عامًا، والذين من المرجح أن يكون لديهم مخاوف من أن أي تغييرات قد تزيد الأمور سوءًا. إضافة لسكان موسكو، والذين تبلغ نسبتهم 18 في المئة لا يريدون التغيير لكونهم – سكان العاصمة – يتمتعون بنوعية حياة أفضل من أولئك الذين يعيشون في أجزاء أخرى من البلاد، وبالتالي فهم أقل ميلًا للتغيير.

مطالبات التغيير وصورة بوتين

يؤٌكد الكاتبان أن مطالب التغيير لها دلالات سياسية على نحو متزايد، وأصبح من الشائع أكثر سماع انتقادات للرئيس فلاديمير بوتين. بعد إن كان اللوم يوجه إلى جهات أخرى فاعلة – مثل البيروقراطيين الحكوميين، ورئيس الوزراء، والوزراء، وعدد من أفراد النخبة الحاكمة- لكن بات الان جزء كبير من اللوم والنقد يوجه للرئيس ذاته.
ورأى الكاتبان أن هذا يُمثل تطورا مهما بكل تأكيد. فبعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، أصبح بوتين رمزا للبلاد وقيصر روسيا العظيم الذي يعمل على استعادة مجدها الذي ولى مع انهيار الاتحاد السوفيتي، وكان بمثابة إله سياسي لا يمكن المساس به. لكن هذا الأمر بدأ يتضاءل بعد عام 2018، وبات الكثير من الناس لا تعجبهم سياسات بوتين.

من يخلف بوتين؟


والسؤال هنا هل تٌمهد تراجع شعبية بوتين الطريق أمام ظهور وجه سياسي جديد يتولى السلطة مُستقبلاً؟
ما نسبته 39% من الأشخاص الذي شملهم استطلاع الرأي يرون أنه لا يوجد بديل لبوتين في الوقت الحالي، ربما يؤمن هؤلاء بأن الطريق الوحيد للتغيير يجب أن يكون من داخل النظام نفسه وأن تكون هناك عملية تحديث داخلية.
ويوضح الكاتبان أنه بالنظر إلى الشخصيات الأخرى التي من الممكن ان تكون بديلاً لبوتين في المستقبل نلحظ إن دائرة الاختيارات ضيقة للغاية فهناك زعيمان مخضرمان في أحزاب “المعارضة” داخل البرلمان لكن في الواقع هما الاثنان مواليان لبوتين وهم “فلاديمير جيرينوفسكي” من الحزب الليبرالي الديمقراطي في روسيا. و”جينادي زيوجانوف” زعيم الحزب الشيوعي، لكن كلاهما يختلف عن بوتين بهامش كبير. ومن خلفهم يأتي “بافل جرودينين”، والذي كان أحد المرشحين لانتخابات الرئاسة الروسية في 2018 عن الحزب الشيوعي، والذي خسرها أمام فلاديمير بوتين.
وخارج النظام، يتمتع زعيم المعارضة “أليكسي نافالني” بنفس مستوى الدعم الذي يتمتع به وزير الدفاع “سيرجي شويغو”، العضو الأكثر شعبية في حكومة الرئيس بوتين.

المعارض الروسي “أليكسي نافالني”

هل الروس علي استعداد للتغيير؟


كشفت استطلاعات الرأي أن الأغلبية رأت أن الشعب الروسي غير مستعد بعد لإحداث التغيير. فمن غير المحتمل، تبني الناس لتغيير قد يؤدي لارتفاع تكاليف المعيشة والتأثير على مكانة موسكو في المجتمع الدولي.
والأكثر من ذلك، أن معظم المشاركين لا يعتقدون أنه يمكنهم التأثير في مجريات التغييرات المستقبلية. هذا هو الحال بالنسبة لمعظم المواطنين كبار السن والفقراء، الذين يضطرون إلى الاعتماد على الدولة للحصول على المساعدة. ما يصل إلى 70 في المئة من هؤلاء الناس يشعرون أنهم غير قادرين على إحداث أي تغييرات. ويرون أن الدولة هي الفاعل السياسي والاقتصادي الرئيسي، لأنها تسيطر على الموارد ولديها الآليات اللازمة لإدارة الثروة الوطنية وتوزيعها.
نسبة أخري من الذين شملهم استطلاعات الرأي رأوا أنهم يمكنهم التأثير على التغييرات، ولو بشكل ضئيل. ومعظمهم من الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن أربعين عاماً، والأثرياء الروس، الشباب، والفئات الأكثر تعليما.

رؤية استشرافية


بصرف النظر عن المشاركة في الانتخابات الروسية بأشكالها المُختلفة، والتي يراها البعض بانها باتت تُمثل طقوساً للتعبير عن مدى الثقة في النظام من عدمه، مع تشكيك الكثيرين في نزاهتها بدأت بوادر تحركات مدنية من الاتحادات وغيرها من أجل المطالبة بتحسين وضعية معيشة السكان والحصول على حقوقهم. البعض يري أن هذه التحركات – وإن كانت تؤدي إلى تحسينات طفيفة في حياة الناس- لكنها بكل تأكيد لن تكون وسيلة لتحقيق تغييرات خطيرة.
وتشير حقيقة أن الكثير من الروس مستعدون للتغيير إلى أنه على الرغم من عدم الاستعداد للثورة، فإن المجتمع يريد على الأقل دفع الحكومة نحو تغييرات وإن كانت ذات طبيعة اجتماعية – اقتصادية بشكل أساسي، فهم يريدون أيضاً حث الحكومة على تغييرات ذات طبيعة إدارية وسياسية.
لكن الجمهور غير مستعد بعد لتحمل تكاليف التغيير. إذ لا يزال الروس يعتقدون أن الدولة هي الأداة الرئيسية لإعادة توزيع الثروة الوطنية، وأنه يجب عليها القيام بعملها بشكل أكثر كفاءة.
لكن إذا استمر تعطش الناس للتغيير السياسي سيقود ذلك لحالة من الغضب لدي السكان الروس وإذا ما إزداد هذا الطلب زخماً، فقد يٌصاحبها دعوات تنادي بمزيد من الحريات السياسية. وإذا ما تشكلت حركة مدنية قوية، فقد تضطر السلطات الحكومية إلى السماح بحريات سياسية أكبر.
وحتى الآن، يبدو أن الدولة غير مستعدة للقيام بذلك. بل على العكس كانت تنجرف أكثر نحو الاستبداد. هنا يكمن التناقض الرئيسي والذي سيتصاعد في السنوات القليلة المقبلة: فالمجتمع الروسي سوف يتطور بشكل أسرع من الدولة، ما يجعل التغيير حتمي في نهاية المطاف، لكن تحمُل نتيجة التغيير تظل غير واضحة بعد.

Scroll Up