يبدو أن فوز “أكرم إمام أوغلو”، لرئاسة بلدية إسطنبول في الانتخابات المحلية لتركيا في مارس من العام الماضي، لم تكن الهزيمة الوحيدة نحو تغيير الداخل التركي تجاه حزب العدالة والتنمية الحاكم ورئيسه رجب طيب أردوغان، بل ساهمت سياسات أردوغان الأخيرة سواء تجاه الداخل التركي والمتمثلة في بناء قناة اسطنبول الجديدة والوضع الاقتصادي في البلاد، أو سياسته الخارجية وإرسال القوات العسكرية لدول الصراع في انخفاض نسبة التأييد الشعبي، وهو ما أظهرته العديد من استطلاعات الرأي. 

أظهرت استطلاعات حديثة للرأي عن سقوط جديد للرئيس التركي رجب طيب أردوغان أمام رئيس بلدية اسطنبول إمام أوغلو، فكان الاستطلاع الأول الذي أجرته مؤسسة ” تيميس “Themis للاستشارات والأبحاث في فبراير الحالي، والذي أوضح انخفاض نسبة المؤيدين لحزب العدالة والتنمية، واصفين أردوغان بأنه ليس الزعيم الأكثر ثقة أمام الشعب التركي، مقابل تأييد أكبر لإمام أوغلو رئيس بلدية مدينة إسطنبول، وهو ما أكده استطلاع سابق أجرته شركة Piar”” في نوفمبر 2019، والذي أوضح تأييد 44,5% من حجم العينة التي أجريت عليها الدراسة والموجودة في 26 مدينة، وممثلة بنحو2416 فرداً، نحو تأييد تولي أوغلو لرئاسة الجمهورية، مقابل 39.7% لأردوغان حال تنافسهما في الانتخابات الرئاسية. 

أوغلو الزعيم الأكثر ثقة في تركيا من أردوغان

فقد أجريت مؤسسة تيميس Themis Research Company دراسة استقصائية شملت 1925 شخصًا في مقاطعات إسطنبول وأنقرة وإزمير بورصة وأضنة وأنطاليا وطرابزون وإرزوروم وغازي عنتاب وشانلي أورفا، حول الزعيم الأكثر ثقة، ووفق هذا الاستطلاع، حصل أكرم إمام أوغلو رئيس بلدية مدينة إسطنبول على نسبة ثقة بلغت 48.88%، مقابل 41.88% حصل عليها أردوغان؛ في حين حصل منصور يافاش، رئيس بلدية العاصمة أنقرة على نسبة 46.93%.. 

وفي المقابل احتل حزب العدالة والتنمية الذي يرأسه أردوغان النسبة الأكثر ثقة في حال أجريت انتخابات في وقت إجراء الاستقصاء، فقد صوتت 38% نحو تأييد حزب العدالة والتنمية، وهي النسبة الأقل منذ تولي أردوغان سدة الحكم؛ بينما حصل حزب الشعب الجمهوري على نسبة 29.3%، في حين حصد حزب الحركة القومية 10%، وحصل حزب الشعوب الديموقراطي على نسبة 8%، وحصل حزب الخير على نسبة 7.3%، فيما حصل حزب السعادة على نسبة 3.3%.. وهو ما يشير إلى انخفاض نسبة تأييد الحزب لوجود أردوغان على رأس الحزب الحاكم في تركيا.

الأمر الذي يؤكده نتيجة الاستقصاء الذي أجرته مؤسسة “ميتروبول” للأبحاث حول مدى موافقة العينة على أسلوب الرئيس التركي أردوغان في الحكم، فأبدى 46% عدم موافقتهم، فيما وافق 41,9% على سياساته. 

وقامت مؤسسة “ميتروبول” بتحليل الموقف من سياسة أردوغان وفقاً للعوامل الديموجرافية لجمهور العينة، فأوضحت الدراسة أن أردوغان لا يحظي بتأييد جمهور الشباب من سن 18 حتى 35، وكذلك ذو الأعمار المتوسطة حتى أصحاب سن الـ 54، ولكنه يلقى تأييد بنسبة ضئيلة ممن هم أكثر من الـ 55 عاماً، أما أصحاب التعليم المرتفع والمتوسط  يعترضون على طريقة إدارته للبلاد، فيما يؤيده ممن هم دون المتوسط، أما عن النوع فأصبحت النسبة الأكبر من الرجال والنساء يعترضون على سياسات أردوغان، وهو ما يشير إلى احتمال اختلاف النتائج في الانتخابات المقبلة، باعتبار أن هذه الفئة العمرية هي الأكثر تأثيراً في نتائج الانتخابات.

المشروعات التي يجريها أردوغان والوضع الاقتصادي الداخلي لتركيا

وعلى الصعيد الاقتصادي، أوضح الاستقصاء الذي أجرته مؤسسة تيميس أن 55% من العينة وجدوا أن الوضع المالي خلال الـ 12 شهراً الماضياً لعائلتهم أصبح “الأسوء” أو “سيئاً للغاية”، بينما قال 11% فقط أنه “تحسن” أو “تحسن كثيرًا”، أما 34% قالوا أن الوضع المادي لهم لم يصبه أي تغيير. 

وأجرت مؤسسة “متروبوليتان” للأبحاث استطلاعاً حول رؤية الشعب التركي لمشروع قناة اسطنبول الجديدة ومدى أولوية المشروع للوضع في تركيا، ونشر في يناير 2020، فأوجد أن 58,3% من حجم العينة ترى أنه ليس ذو أولوية، بينما رأي 26,5% فقط أنه مشروع أساسي، وهي النسبة التي تغيرت بشكل كبير عن آخر استقصاء أجري في ديسمبر الماضي، حيث كان يرى 48,4% أنها ليست ذو أولوية، و46.3٪ وجدوا أنها ذات أولوية، فكانت النتائج متقاربة لحد ما. 

رفض تركي للنظام الرئاسي

أوضح 50,8% من العينة أن النظام الرئاسي لم يكن النظام الأمثل لحل مشكلات تركيا، وهو النظام الذي تحولت إليه تركيا عقب الموافقة في الاستفتاء على التعديلات الدستورية الذي عُقد في 16 أبريل من عام 2017، نحو التحول للنظام الرئاسي، وأجريت الانتخابات العامة والرئاسية في 24 يونيو 2018، وعليه تم التحول كليةً للنظام الرئاسي. وهو ما يمثل تحولاً في الداخل التركي نحو تقبل التعديلات التي تجريها إدارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

كما يعتقد غالبية الناخبين أنه هناك حاجة لقائد جديد يقود السياسة التركية، فأظهرت الاستطلاعات أن 49,7% يعتقدون وجود حاجة لقائد جديد.

الموقف من سياسة أردوغان الخارجية

أوضح الاستقصاء أن الأغلبية تعترض على إرسال قوات عسكرية تركية إلى ليبيا، والتي بدأت مناقشتها أمام البرلمان التركي وحصلت على التأييد البرلماني ذو الأغلبية الداعمة لسياسات أردوغان، ولكن يبدو أنها غير داعمة لرغبات الشعب التركي الذي رأي 51,4% من جمهور العينة أنه لا حاجة لإرسال قوات إلى ليبيا. 

يتضح من استطلاعات الرأي السابقة انخفاض أسهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان التي أثرت بالوكالة على أسهم حزب العدالة والتنمية الذي يرأسه أردوغان، على الرغم من أن الحزب أثبت تأييداً مقابل الأحزاب المعارضة، وهو ما يعيد إلينا اقتراحات المعارضة السابقة نحو ضرورة إحداث تكتلات حزبية وتحالفات من أجل مواجهة حزب العدالة والتنمية، بينما انخفض التأييد الشعبي لأردوغان في المجتمع التركي مقابل إرتفاع أسهم إمام أوغلو، وتزايد رغبة الشعب التركي نحو الحاجة لوجود زعيم جديد قادر على قيادة السياسة التركية، والتي وجدت اعتراضاً في شكلها الحالي والناتج من الوضع الاقتصادي للبلاد في ظل  اهتمام إدارة أردوغان بمشروعات كبيرة لم تحظى بتاييد شعبي تركي وتأتي على رأسها قناة اسطنبول الجديدة، نظراً لتردي الأوضاع الاقتصادية للشعب التركي كما يرى أفراد العينة.

Scroll Up