في كتابه بعنوان “الانشقاق عن جماعة الإخوان المسلمين: الفرد والمجتمع والدولة”، الصادر عام 2020، يحاول مصطفى منشاوي، المدرس المساعد في معهد الدوحة للدراسات العليا، فهم حالات الانشقاق داخل الجماعة، وكيف يمكن للأعضاء شرح حالتهم، والعمل على ربطها بما أوضحه أسلافهم من أسباب لمعرفة ما إذا كان هناك نمط متكرر لتلك الأسباب أم لا، وليس عقد مقارنة. ووضع الكاتب ثلاث مراحل للانشقاق أولها الجانب العاطفي، وثانيها الأيديولوجي، وثالثها محاولة معرفة مدى تأثير ذلك على السياسة الاجتماعية لفهم عواقب ذلك في سياق التطورات الأوسع مثل صعود الجماعة إلى السلطة وسقوطها بعد فترة قصيرة. 

واستهدف الكاتب الفترة من 2011 حتى 2017 لتكون محور الكتاب، لأنها شهدت حدثين رئيسيين هما صعود الجماعة، ثم نهاية حكم الجماعة في 30 يونيو 2013، مما يطرح تساؤل عن كيف ساهمت هذه الأحداث في تنامي عمليات الانشقاق عن الجماعة خاصة في ظل انقسام قياداتها؟ 

ويعمل الكاتب على فكرته من خلال إعطاء مركزية للغة المستخدمة في الخطاب كوحدة التحليل الرئيسية، على اعتبار أن اللغة جزءً من الآلية التي يتم بموجبها الانشقاق، وتتخذ الهوية موقعًا مركزيًا فيه، إذ اتضح من التحليل أن الأعضاء المنشقين يحاولون استبدال الهوية الجماعية بهوية أكثر فردية، يظهر هذا من خلال كلمات مثل “نحن” التي كانت تعبر عن دوره وواجباته كعضو، و”أنا” التي تعبر عن أنه لم يعد عضوًا فيها.

تتضمن البيانات التي اعتمد عليها الكاتب السيرة الذاتية التي كتبها الأعضاء المنشقون، وتم نشرها بين عامي 2011 و2017، ومقابلات أُجريت مع 32 منهم خلال نفس الفترة، مختلفين في العمر والجنس والموقع الجغرافي، فقد لجأ لدول مثل مصر وتركيا وقطر والمملكة المتحدة. تعمّد الكاتب إخفاء أسماء الأفراد الذين لم يعرضوا خروجهم علنًا أمام الجمهور.

اعتمد الكاتب على منهجية تحليل الخطاب، وقسّم العينة التي استخدمها إلى 37٪ من الكتاب أو الصحفيين و16٪ من الطلاب، وسياسيين ورجال أعمال صغار أو كبار، وهذه كلها فئات تمثل “الطبقة الوسطى” التي ينتمي إليها معظم أعضاء جماعة الإخوان. انضم 44٪ من أفراد العينة إلى جماعة الإخوان المسلمين عندما كان عمرهم أقل من 16 عامًا و53٪ عندما كانوا تتراوح أعمارهم بين 17 و24 عامًا، و3٪ فقط من الذين تمت مقابلتهم في الحركة عندما كان عمرهم 25 عامًا أو أكثر. 

الانشقاق عن الجماعة بين السرية والإفصاح

يرى الكاتب أن الجماعة قبل 2011 اتبعت الحذر والسرية في معلوماتها، واعتبار أن الكشف عنها يعرض أمن الجماعة للخطر، لكن تراجع هذا الأمر بحلول عام 2011، وبات تقدير حالات الانشقاق ممكنًا، وذلك بسبب الدعاية الجديدة “الموثقة” عن طريق إعلان الأعضاء انشقاقهم صراحةً عبر شاشات التليفزيون أو في رسائل الاستقالة المرسلة إلى الصحف، واعتمد الكاتب على طريقة شرح الأعضاء لحالة انفصالهم لتحليل سلوك أسلافهم، تحت ما يسمى “مشهد الإفصاح”.

واشتمل هذا المشهد أسرار تنظيمية مختلفة، في نقطة تحول جديدة في تاريخ المنظمة وتفاعلها مع العالم الخارجي خاصة أن تفسير تحركات الجماعة كان يعتمد بشكل أساسي على “الأفعال الجماعية” مع افتقاد تحليل الفرد كعضو في المجموعة، وهو ما فتح المجال لمحاولة معرفة العلاقات بين القادة والأعضاء. 

وفي إشارة للتحولات التي شهدها المنضمين لجماعة الإخوان، اتخذ الكاتب الشابة زينب المهدي ذات الـ22 عامًا كمثال على التحولات النفسية التي شهدها شباب الجماعة، التي أدت لانتحارها في 2014، بعد انشقاقها ودعمها لحملة المرشح الرئاسي “عبد المنعم أبو الفتوح” في 2012 وليس “محمد مرسي”. بات المشهد متكررًا مع أشخاص الجماعة على مستويات مختلفة من العضوية في الفترة من 2011 حتى 2015 بسبب ما أسماه الكاتب “الألم العاطفي” أو “الضغوط النفسية”، بعكس الخلاف الذي كان سبب الانشقاق فيما سبق

مستويات تحليل الانشقاق عن الجماعة

حاول الكتاب مناقشة الانشقاق النفسي -الاجتماعي، وتضمن مناقشةً التحديات التي واجهت العضو بعد انفصاله عن الجماعة مثل علاقاته الشخصية مع الذين كانوا سببًا في دخوله أو مشاركته بالجماعة، أو أسرته لأنه تم تصوير العضو المنشق على أنه جزء اجتماعي من الولاءات والالتزامات والهويات التي تكوّن الجماعة

من جانب آخر، أشار الكتاب لمكونات صنع الهوية، منها تغيير نمط الملابس أو تسريحات الشعر، وأيضًا كيفية حدوث الانشقاق الأيديولوجي، حيث تعبير الأفراد عن خيبة أملهم في أيديولوجية الجماعة وقادتها، بالإضافة للحواجز المادية مثل المخاوف من الانتقام وفقدان الحماية. 

كما يناقش الكتاب الانشقاق السياسي، بعد فترة صعود وهبوط الجماعة من السلطة، وعدم قدرتها على تحقيق التغييرات التي أرادتها، وتقسيم أشكال الانفصال عن الجماعة على مراحل ثلاث هي قبل تولي السلطة، وأثنائها، وبعدها. وتتبع مستوى علاقة الأفراد مع الجماعة عبر هذه المراحل، ومحاولة إيجاد رابط بين حالات الانشقاق في الماضي والحاضر. 

الانشقاق السياسي: الخروج من جماعة الإخوان إبان25 يناير

نظر الكاتب لثورة 25 يناير بأنها أحدثت تغييرًا لم يكن يتوقعه أحد؛ حيث أتاحت فرصة فريدة لفهم الجماعة، التي كانت تعمل في السياسة في هذه المرحلة على ثلاثة مستويات. فبحلول وقت استقالة مبارك في 11 فبراير 2011، ظهرت بسرعة كأقوى ممثل مدني في البلاد، إلا أن انغماس الجماعة في الشأن العام لخدمة مصالحها الذاتية كشف عنها العديد من التناقضات التي تجلت في لغة الخطاب، والتعامل مع المشهد السياسي، الأمر الذي ساهم في حدوث تصدعات داخلية في بنية التنظيم، وانشقاق عدد من الأعضاء اعتراضًا على ديناميكيات الخطاب التي تركز على كيفية توظيف الأوضاع الراهنة لخدمة مصالحهم. 

وتجسد ذلك في 20 يناير، حين أعلنت الجماعة عدم مشاركتها في اعتصام أمام مقر محكمة النقض بوسط القاهرة يوم 25 يناير. وفي 23 يناير، تراجعت عن موقفها، لكن مع تصاعد الأحداث إلى عنف واشتباكات مع قوات الشرطة في 25 يناير، رفضت المشاركة في الاحتجاجات بزعم أن “جسد الحركة أكبر من أن يتم حشده في مثل هذا الوقت القصير.” وفي 27 يناير، عكست الخطاب مرة أخرى، وأعطت تأييدها الكامل وغير المشروط للاحتجاجات التي نُظمت في اليوم التالي في أنحاء البلاد. ومع ذلك، أصدرت الجماعة أوامر معارضة لأعضائها بعدم التصعيد في ذلك اليوم، وطالبتهم بالمشاركة بالاستعراض الرمزي أمام المساجد، وليس التجمع في ميدان التحرير والعودة إلى المنزل بحلول الساعة 7 مساءً. لطفي، عضو لمدة 27 عامًا وشخصية بارزة في شعبة طلاب الجماعة وأحد قيادات الاحتجاجات المناهضة للنظام على نطاق أصغر قبل بضع سنوات، قال: “أصبحت مستاءً حقًا. بينما بقي المتظاهرون في الشوارع واستمروا في إغراقها بالآلاف، طلب منا قادتنا الانسحاب بحلول الساعة 7 مساءً”. 

وعليه، رأى الكاتب أن هوية الجماعة واجهت عددًا من التحديات بعد أن أصبحت موضع التنفيذ، بمعنى الانخراط الكامل في السياسة الوطنية، كان هذا التحول مدعومًا بطبيعة الثورة نفسها. على عكس الحركات الثورية التي نشأت حول العالم في الستينيات والسبعينيات، والتي تبنت دفعة قوية “اشتراكية ومعادية للإمبريالية وداعمة للعدالة الاجتماعية”، كانت الثورة المصرية مشغولة بقضايا تتعلق بالخطاب والسلطة والهوية مثل حقوق الإنسان، المساءلة، ومحاولات الإصلاح التنظيمي. وفي هذا السياق، وجد العديد من أفراد الجماعة موارد وفرصًا للتعبير عن رغبتهم في الاستقلال الذاتي عن الجماعة والعودة كجزء من باقي المصريين.

كما اعتقد العديد من المنشقين أن الجماعة فقدت في هذا الوقت فرصة ممتازة لأخذ زمام المبادرة، وكسب الدعم الشعبي كقوة ثورية. شعروا بخيبة أمل لأنها فشلت في تعبئة مواردها للوقوف إلى جانب المتظاهرين؛ إذ قال “إسلام لطفي” المنشق عام 2011، إن موقف الجماعة الهامشي في الأحداث دعم حجته في الانشقاق عنها.

أشار الكاتب إلى أنه مع بدء الجماعة في التفاوض سرًا مع “عمر سليمان” نائب الرئيس آنذاك ورئيس مديرية المخابرات العامة، عرض قادة الجماعة على “سليمان” مساعدتهم في تقليص الانتفاضة، في مقابل الحصول على “حصة أكبر من الكعكة السياسية”. تمت الإشارة مرارًا وتكرارًا إلى أخبار هذه المفاوضات في المقابلات الشخصية والسير الذاتية كعامل رئيسي “مناهض للثورة” أدى إلى الانشقاق أو التعجيل به. 

وتمثل ذلك مع إصدار “هيثم أبو خليل” الشخصية البارزة في الجماعة بيانًا مكتوبًا في مارس 2011 أعلن فيه استقالته احتجاجًا على الاجتماع. وكتب أن مقابلة سليمان تعني موافقة الجماعة على التخلي عن مشاركتهم في الثورة مقابل المصالح الذاتية مثل الحصول على ترخيص لإنشاء حزب سياسي جديد. وعليه قام أبو الفتوح عضو مجلس الشورى الجماعة، بأولى خطواته للخروج عندما لم يتلق أي جواب بعد مواجهة قادة آخرين في الجماعة حول “الاجتماع السري” الذي لم يكن يعرف عنه شيء هو وأعضاء آخرين بالمجلس. 

فيما أوضح أحمد بان البالغ من العمر 50 عامًا، أن الاجتماع مع “سليمان” كان السبب الرئيسي لاستقالته من الجماعة في أكتوبر 2011 بعد 20 عامًا من العضوية. وكتب: “تحرك الإخوان بلا خجل وبدون إحراج لعقد صفقة من جانب واحد مع النظام“، بينما يعلنون دعمهم الكامل للمتظاهرين في نفس الوقت. على الرغم من أن قادة الإخوان تراجعوا عن المحادثات مع سليمان بعد جولة مبدئية، كان الضرر قد حدث بالفعل. 

وعليه، خلقت أطر الجماعة لتبرير المحادثات مع سليمان تناقضات وارتباكات بين الأعضاء. قبل لقاء “اللواء سليمان” قال قادة الإخوان إنهم “لن يعقدوا محادثات مع النظام حتى استقالة مبارك”. وبعد مقابلته، قالت الجماعة إنها تعمل من أجل إنهاء الاعتصام في التحرير لأنها تبنت موقف “سليمان” المتمثل في ضرورة وقف المتظاهرين للاعتصامات. كما تعرضت الجماعة لمزيد من التنافر مع فشل المحادثات، إذ رأى البعض أن الجماعة أساءت تقدير مصالحها الخاصة مما أدى لفشل المحادثات.

توصل الكاتب إلى أن خيبة الأمل في سلوك الجماعة في الفترة من يناير إلى فبراير 2011 تجذرت بشكل أكبر لتصل لمستويات أخرى تمس القاعدة الأيديولوجية التي أنشأها مؤسس المجموعة، حسن البنا.

التماهي مع الوطنية

يكشف الكتاب عن الادعاءات الكاذبة للجماعة بعد مشاركتها في الاحتجاجات، وجد أعضاء الجماعة أنفسهم بعيدون عن هويتهم التي حاول قادة الجماعة مزجها في سياق الهوية الوطنية تماشيًا مع واقع الاحتجاجات. فبالنسبة للقصّاص، البالغ من العمر 42 عامًا، وانضم للجماعة لمدة 15 عامًا، فإن فشل الجماعة في الموازنة بين الهويتين الوطنية والدينية كان أحد أسباب استيائه. 

قد سبق للقصّاص المشاركة في احتجاجات ميدان التحرير منذ البداية، عندما كانت الجماعة لا تزال مترددة في الانضمام. وأصبح عضواً في “تحالف شباب الثورة”؛ الذي جمع أعضاء الجماعة والأشخاص الذين تربطهم صلات مع الجماعات السياسية الأخرى، بما في ذلك الاشتراكيون والعلمانيون الليبراليون. وقال إنه شعر بالقبول التام والاندماج في “الثقافة السياسية” الموحدة والثابتة للميدان بسبب تقاسم نفس الأنشطة والمطالب رغم اختلاف الانتماءات. 

أقامت الجماعة خيام لأعضائها في الميدان، كما فعلت الجماعات الأخرى، للتعرف عليهم وإبقائهم سويًا. لكن حدث اختلاط في الأيام الأخيرة مما جعل من الصعب تحديد الانتماءات السياسية أو الاجتماعية للأشخاص الموجودين في الميدان. لم يكن “التحول القومي” كاملاً في طبيعته، حيث تم إيصاله من خلال نوع جديد من “ثورة” وسائل الاتصال التي تبرز الفردية. 

في تحليل الكاتب، وجد العديد أنفسهم قادرون على المشاركة في النقاش السياسي وتبادل الأفكار، فيما يسميه ناثان براون ظهور “جمهورية النقاش” في مصر، والمشاركة أيضًا في “تبادل متعدد الوسائط للرسائل التفاعلية”، ولم يكن تبادلًا من “واحد إلى كثير (كما كان الحال مع التواصل الخاضع للرقابة داخل جماعة الإخوان، حيث كان القادة المصدر الوحيد لنشر المعلومات للأعضاء)، لكنه كان تبادلًا من “الكثيرين إلى الكثيرين”، حيث تبنى المتظاهرون أشكالًا جديدة ومستقلة لتوليد المحتوى والاتصال، شملت شبكة لاسلكية، ومحطة إذاعية تُدعى “إذاعة التحرير “التي تم إعدادها بسرعة لإنشاء مجال عام بديل، كان فيها أعضاء من الجماعة.

وقد أمرت الجماعة أعضائها بعدم استخدام شعاراتها الإسلامية المعروفة، والتركيز على التعبير عن الإرادة الشعبية. “العيش، الحرية، العدالة الاجتماعية”، في المقابل تجاهل أعضاء الجماعة الشعارات التي كرّروها لفترة طويلة في الاحتجاجات التي سبق لهم تنظيمها وتعكس “الهوية الإسلامية”، وعمدوا لتكرار  شعارات تحتوي على كلمات مثل “مصر” و “الشعب” و “الأمة”. واعتبر الكاتب أن هذا الواقع الخاص بالشعارات الجديدة قد خلق “نحن” جديدة. أي أن مسألة الهوية الوطنية قد أثيرت ضمنيًا، في شكل الشعب الأمة الذي يمثله المجتمعون في الميدان، وهكذا تم طرحها فيما بعد كجزء من تشكيلها.  

أشار الكتاب إلى أنه في ميدان التحرير وغيرها من أماكن الاحتجاج المنسق، أصبحت الشعارات بمثابة “نصوص غير معدّة مسبقًا” يمكن أن ينتجها ويطلقها المتظاهرون تلقائيًا بعيدًا عن قادة أي مجموعة قد يحاولون الرقابة أو تنظيم استخدامها وانتشارها، كما فعلت قيادات الجماعة من قبل في الاحتجاجات الخاصة بها. بدا أن كل شعار ينفصل عن الشروط المحددة لتكوينه الأولي، وإلى الدرجة التي ينتشر بها لأنها كانت التعبير المجهول عن الإرادة الجماعية. على سبيل المثال، ألقى “وائل غنيم” أول خطاب له في ميدان التحرير في 8 فبراير 2011، أنهى الأمر بالصراخ بأن “مصر فوق كل شيء“، وكررها أربع مرات مع المتظاهرين. عندما انتهى غنيم من خطابه، أذاعت محطة الإذاعة الداخلية في الميدان أغنية قومية كُتبت ونُفذت في الخمسينيات في عهد ناصر. عززت الأغنية هذه النغمات القومية بتكرار
“مصر.. يا أحلى اسم في الوجود، نعيش لمصر ونموت لمصر.. تحيا مصر”.

بات الأعضاء أمام مشهد الهتاف بشعارات لن توافق عليها الجماعة أبدًا في الظروف العادية، ففي اليوم الذي استقال فيه مبارك، كان هناك أحد الهتافات المهيمنة في احتجاجات الشوارع: “ارفع راسك فوق.. أنت مصري”. هذا الشعار يشير ضمنيًا إلى شعار استخدمه الرئيس السابق جمال عبد الناصر: “ارفع رأسك يا أخي، فقد مضى عهد العبودية”. استعار المتظاهرون أيضًا من الحقبة الفرعونية بوصف أفعالهم بـ “ثورة اللوتس”. 

تأطير القادة: الانشقاق الشخصي

ارتبطت عمليات الانشقاق بين أعضاء الجماعة بتأثير الشخصيات؛ حيث إحالة الأطر المتعلقة بالانشقاق عن أيدولوجية الجماعة أو عملية صنع القرار السياسي إلى الصفات الشخصية لقادة بعينهم، مثل البنا، أو مرسي، الذي حكم البلاد لمدة سنة. ويكمن جزء من أهمية الشخصنة في إنه يوحد الأطر السابقة التي حددت الأشخاص كجزء من المشاكل التي تؤدي بالأعضاء إلى الانفصال عن الجماعة، على سبيل المثال، ربط بعض الأعضاء المنشقين خلافاتهم حول تشكيل حزب الحرية والعدالة بأنه يمثل خيانة لنوايا المؤسس “حسن البنا” الذي رفض منذ فترة طويلة خلط النشاط الديني التبشيري للجماعة مع سياسات الحزب، وذلك وفقًا للكاتب.

ففي ثلاثينيات القرن الماضي، أتيحت للبنا الفرصة لتشكيل حزب سياسي ولكن لم يختار ذلك أو هكذا قيل للأعضاء الحاليين الذين آمنوا بضرورة تشكيل حزب. مما اعتبره بعض الأعضاء مناسبة للتشكيك في آراء البنا وآراء الزعماء الحاليين، الذين ظلوا يحتفظون منذ فترة طويلة بمكانة البنا كجوهر غير مرن لأيديولوجية الجماعة وحتى للإسلام نفسه. 

جادل أبو السعد قائلاً إن قادة الجماعة الذين لم يكونوا مؤيدين متحمسين للحزب، بناءً على الادعاء بأن البنا قد رفضه، هم نفسهم الذين دافعوا عنها. وأضاف أنهم فقدوا الفرص في الماضي لإيصال صوت الجماعة كما هو الحال في البرلمان، عندما تم حجب الوسائل السياسية الأخرى. كما أعرب أنه بدون مبدأ “الحزب”، ربما تكون الجماعة قادرة على تكييف أيديولوجيتها مع الواقع الحديث، مثل الدولة القومية. وذلك تماشيًا مع نهج البنا الذي استندت إليه قادة الجماعة، إلا إنهم وضعوه في حرج بعد قبولهم تشكيل حزب الحرية والعدالة.  

وفي هذا السياق؛ لم يتمكنوا من الاعتراف بأن البنا كان لديه آراء سلبية حول تشكيل حزب سياسي، أو أنهم كانوا مخطئين في تقديم آرائه حول هذه المسألة على أنها مقدسة، هذا الإحراج من جانب القادة شجع الأعضاء الخارجين في خطاب حول غطاء سابق يضفي الشرعية على الفصل بين الديني والسياسي، أو الإسلام ولم يعد شخصية البنا المعصوم. 

وفيما يتعلق بتولي “محمد مرسي” السلطة، فقد كشف الكاتب انتقاد العديد من أعضاء الجماعة بسبب أفكاره وشخصيته. واعتبر جميع المنشقين أن “مرسي” أداءه ضعيف وساذج كزعيم للدولة المصرية أو الجماعة، خاصة في ضوء الآمال التي كانت لدى الكثير منهم. إذا كانت “أبسط رسالة في السياسة هي الوجه الإنساني” كما يرى مانويل كاستيلز، فإن جماعة الإخوان لم تكن ممثَّلة تمثيلا جيدًا، ووجد الكثيرون ذلك مخيبا للآمال.

وقد برهن “لطفي” على ذلك، إذ أصيب بالصدمة عندما علم بترشيح مرسي. في حين اعتبره البعض كعلامة لروح الانتفاضة ‘الديمقراطية، رآها لطفي كخطوة إلى الوراء. بعد أن عمل تحت قيادة “مرسي” في لجنة شؤون الطلاب التابعة للجماعة، وقال: كيف يمكن للجماعة أن تختار رجلاً يبدو عقائديًا للغاية، غير ثوري، عفا عليه الزمن، وتقليديًا لقيادة بلد ما تحت تأثير مزاج ثوري وتوقعات كبيرة؟ 

أما خيرت الشاطر. كقائد لجماعة الإخوان المسلمين لفترة طويلة، ترشح كمرشح رئاسي على باسم حزب الحرية والعدالة في انتخابات 2012، ضد مرسي بعد استقالته من الجماعة لهذا الغرض. اعتُقل عام 2013، وحُكم عليه بالإعدام في عام 2015 ولا يزال في السجن حتى يومنا هذا. نظرًا لكونه يسيطر على الجماعة، فقد تم إلقاء اللوم عليه بإدخال “الستالينية في الجماعة”، التي أجهضت كل المحاولات لتوسيع تقاسم السلطة واحتكار ها مما أدى إلى صعود مرسي، الذي كان ممثلاً لمكتب الإرشاد، وأفضل عضو فيها بسبب الطاعة والانضباط التنظيمي. 

التحرر من الو هم بعد 30 يونيو

استكمل الكاتب أُطر الانشقاق، فقد بدأ إطار جديد مع اعتصام رابعة، الذي بدأ عشية 30 يونيو 2013، بالتزامن مع إقالة مرسي من منصبه. إذا حكمنا من خلال روايات الأفراد المنشقّين، كانت هذه “نقطة تحول” أخرى تؤدي إلى الانشقاق عن الجماعة. فقد وظّف قادة الجماعة هذا الحشد للتعبير عن دولتهم القائمة على “المشروع الإسلامي”، لكنها كانت بمثابة تمهيد مسبق “نهاية نهائية” لهذا المشروع. 

فبدلاً من احتواء المثل الأعلى لـ “دولة إسلامية” في مخيلة الأعضاء، بدأ الزعماء يقترحون أن هذه الدولة المثالية قد تحققت فعلاً في الاعتصام، بطريقة عرّفوها بأنها معجزة (إلهية). كانت الخطابات المروعة التي تستخدم شخصيات دينية سائدة آنذاك، مع استحضار شخصيات من الأساطير والخرافات الدينية، وإمكانية التدخل الإلهي. خلال الاعتصام، استحضر الزعماء صوراً للنبي محمد يصلي مع الرئيس مرسي؛ رووا قصص القرآن. كما ادعوا أن ملك الوحي جبريل صلى في الساحة المطلة على المسجد، وكانوا يرددون العديد من النبوءات التي انتشرت أثناء الاعتصام: بما في ذلك إذا حافظ أعضاء الجماعة على ثباتهم مع مرسي، مثل ما فعل أصحاب موسى، فستتحقق المعجزة. 

كانت الأحداث مشبعة بأهمية كبيرة في حين تم تصنيفها أيضًا على أنها تنتمي إلى الإدراك المحتمل للآمال استنادًا إلى الأفكار النبوية والطوباوية التي نشأت منذ زمن طويل داخل الجماعة كجزء من “خيالها”. مع فض الاعتصام خيم الصمت على الخطاب الديني ذو الأبعاد الإلهية حيث فقد المصداقية والفعالية. في حين أن مطالب احتجاج ميدان التحرير تبدو واضحة وقابلة للتحقيق، بما في ذلك الدعوة لسقوط النظام، فشلت احتجاجات ميدان رابعة في تحقيق أهدافهم. 

إجمالاً؛ 

أظهر ميدان التحرير اعتبارًا من يناير 2011 التناقض والتفتت والتردد الذي اتسم به خطاب الجماعة. وصف العديد من الأعضاء السابقين تصرفات الجماعة على أنها تعبير عن شخصيتها غير الثورية، أو عن رغبتها في “تأمين المصالح الذاتية بدلاً من المصالح العامة أو الوطنية”. قدمت الأحداث لأعضاء الجماعة الذين باتوا جزءً من موجة الغضب التي احتشد فيها الكثير من المصريين، بمن فيهم العديد من الأعضاء الأصغر سناً في الجماعة، موارد معرفية وعاطفية ومادية سهّلت خروجهم من الجماعة. 

Scroll Up