تُعد المملكة المتحدة من أكثر الدول الأوروبية إنخراطًا بالأحداث الجارية بمنطقة الشرق الأوسط، وتحتفظ بالعديد من الأصول العسكرية في البحر المتوسط والخليج العربي والمحيط الهندي؛ لضمان دعم عملياتها الجارية ضد تنظيم داعش، وحماية الملاحة التجارية بالمنطقة والخليج العربي بشكل خاص. وتنتشر القوات البريطانية في الشرق الأوسط بعدد من القواعد البريطانية وأخرى وطنية وفقًا لاتفاقيات تعاون تم توقيعها بهذا الصدد، وعلى رأس الدول التي تنتشر بها تلك القوات تأتي قبرص شرق البحر المتوسط، وتركيا كونها عضوًا بحلف الناتو، وعدد من الدول الخليجية كقطر والعراق والبحرين وسلطنة عُمان والكويت والمملكة العربية السعودية، بالإضافة الى المملكة الأردنية الهاشمية. وهي في مُجملها قواعد بحرية وجوية، إذا لا تدير بريطانيا قواعد برية بالمنطقة بشكل مستقل، إلا في جزيرة قبرص، ولذلك فالانتشار البري بباقي المنطقة مقتصر على مشروعات وعمليات مشتركة.

Image result for uk army in iraq

أطر متكاملة … الانتشار البريطاني بالمنطقة

وتمثل خريطة الانتشار البريطاني بالمنطقة مجموعة متكلمة من الأطر التشغيلية؛ فرغم تولي كل قوة منها عدد من المهام والأدوار، إلا أنها تتكامل معًا بما يضمن نجاح الاستراتيجية الدفاعية البريطانية من وجود قواتها بتلك الدول. ورغم من غياب تقارير لوزارة الدفاع البريطانية حول القواعد التي تدير عبرها عمليات الطائرات بدون طيار، أو مناطق انتشار قواتها الخاصة وأعدادها، يمكن أن نستعرض تاليًا خريطة التواجد البريطاني المُعلن بالشرق الأوسط فيما يلي:

أولاً: القوات البريطانية في جزيرة قبرص:

تمتلك بريطانيا قاعدتين في قبرص هما أكروتيري وديكيليا، وتتمتع حكومة المملكة المتحدة بسيادة على تلك القواعد؛ باعتبارها جزءًا من أقاليم ما وراء البحار التابعة لها، ويتمركز بهما (3،370) من موظفي وزارة الدفاع بشكل دائم، منهم (2،150) عسكري. ولدى المملكة وحدات منفصلة نشرتها ضمن قوات الأمم المتحدة في قبرص (UNFICYP)، وهي وحدات لا تنتشر في قواعدها بقبرص وليس لها مرافق مستقلة، ولكنها تتبع القوات الأممية بشكل مباشر.

وقاعدة “أكروتيري” الجوية هي قاعدة التشغيل الرئيسية للطائرات في المنطقة، وتضم مقر جناح الدعم الجوي الملكي “903”، وعبرها يتم تنفيذ مهام القيادة والسيطرة، والدعم القتالي، والاستخبارات، والمراقبة، والنقل الجوي. وتتمركز بها طائرات التزويد بالوقود جوًا، ومقاتلات f-35 المتطورة. وعبرها يتم إدارة الطلعات الجوية بعملية “شادر” ضمن مهام التحالف الدولي ضد داعش منذ يونيو 2014. ونشرت لندن كتيبتين من قوات المشاة بشكل دائم، مدعومةً من عناصر فيلق اللوجستيات الملكي وغيرها من الوحدات. 

ثانيًا: القوات البريطانية في قطر:

https://www.forces.net/sites/default/files/styles/cover_image/public/F-35%20jet%20sits%20on%20the%20runway%20on%20board%20HMS%20Queen%20Elizabeth%20070220%20CREDIT%20MOD.jpg?itok=OgPfsX4v

تستخدم القوات الجوية الملكية البريطانية قاعدة العديد في قطر كمقر تشغيلي لها لعملياتها الجوية في الخليج العربي، وهي ذاتها مركز العمليات الجوية الأمريكية في المنطقة. وتتمركز بها قوة الجناح الجوي “103” بسلاح الجو الملكي البريطاني، وعبرها يتم إدارة عمليات القيادة والسيطرة على 4 أسراب استطلاع تعمل كقوة دعم لعملية “كيبيون” البحرية وعملية “شادر” ضد داعش.

ثالثًا: القوات البريطانية في البحرين:

كشفت تقارير رسمية عن تمركز حوالي (10) عسكري بريطاني بالبحرين، فيما يُعد مرفق الدعم البحري البريطاني في البحرين، وهو ميناء سلمان -ليس قاعدة بحرية- وهو المرفق البحري الرئيسي في الخليج العربي للسفن البحرية البريطانية، وتتمركز به توجد أربع قطع بحرية مضادة للألغام، بالإضافة الى فرقاطة من طراز (type-23)، ويتم دعم تلك القطع عبر سفينة تابعة للأسطول الملكي، وتم تطوير الميناء ليصبح قادرًا على استقبال حاملات الطائرات البريطانية.

رابعًا: القوات البريطانية في سلطنة عُمان:

تحتفظ المملكة المتحدة بحوالي (90) عسكري في سلطنة عمان، بينهم (50) بالجيش و(20) بسلاح الجو و(20) بالقوات البحرية. ووقعت مع السلطات العُمانية اتفاقية لتوفر قاعدة دعم لوجستية مشتركة دائمة، وتم افتتاحها في عام 2018، وهي قاعدة “الدقم” البحرية -خارج الخليج العربي- قادرة على استقبال ودعم حاملات الطائرات البريطانية الجديدة من طراز “الملكة اليزبيث”، وتحتوي على مرفأً جافًا مما يزيد من فرص استخدامها كمركز دعم لوجيستي، وتعتبرها وزارة الدفاع قاعدة بحرية مهمة ودائمة من الناحية الاستراتيجية كما تستخدم القوات الجوية البريطانية قاعدة المصنعة الجوية في تنفيذ مهمات عسكرية.

خامسًا: القوات البريطانية في السعودية:

يتواجد بالمملكة حوالي (130) عسكري، بينهم (20) من القوات البحرية و(60) بالجيش و(70) من سلاح الجو البريطاني، بالإضافة الى (70) من المدنيين بوزارة الدفاع البريطانية. وينقسمون بين برنامجين الأول هو مشروع اتصالات الحرس الوطني السعودي (SANGCOM)، والثاني هو مشاريع القوات المسلحة السعودية التابعة لوزارة الدفاع (MODSAP)، كما يعمل بعض موظفو سلاح الجو الملكي البريطاني، ومنهم بعض المعارين لشركة BAE Systems، بمهام دعم القوات الجوية الملكية السعودية. 

سادسًا: القوات البريطانية في الكويت:

يوجد قُرابة الـ (40) عسكري بريطاني بالكويت، منهم (30) عنصر بالجيش و(10) عنصر تابع للقوات الجوية الملكية. واستخدم سلاح الجو الملكي البريطاني قاعدة “علي السالم الجوية” خلال التسعينات لفرض حظر الطيران بالمناطق الجنوبية، كذلك في فترة الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003.

سابعًا: القوات البريطانية في الإمارات:

ARMYHQ-2017-017-OP SHADER 4 RIFLES-480-TJ.jpg

يستخدم سلاح الجو الملكي البريطاني قاعدة “المنهاد الجوية” في الإمارات العربية المتحدة لتنفيذ عمليات ودعم للقوات البريطانية في أفغانستان، كذلك المناورات المشتركة مع دول مجلس التعاون الخليجي، ويتمركز بها الجناح الجوي “906” ويٌقدر عدد العناصر في القاعدة من (50) الى (100) بريطاني. كما تحتفظ المملكة المتحدة بكتيبة مشاة في القاعدة ذاتها؛ تتولى عمليات تدريب مشتركة مع القوات الإماراتية، وهو ما تضمنته خطة عمل الدفاع البريطانية لمراجعة وجودها في الخليج بعد الانسحاب من أفغانستان عام 2013

ثامنًا: القوات البريطانية في العراق:

نشرت بريطانيا حوالي (400) عسكري بالعراق، يتمركزون في ثلاثة مواقع رئيسية هي معسكرات “التاجي” و”عين الأسد” بنطاق العاصمة “بغداد”، ومطار “أربيل” في إقليم كردستان العراق. وتتواجد تلك القوات كجزء من التحالف الدولي ضد داعش، في أدور غير قتالية، وتعمل على تقديم التدريب للقوات العراقية والقوات الكردية، ووفقًا للجيش البريطاني فقد قدمت قواته بالعراق تدريبًا لـ 25.000 عسكري عراقي.

أشكال الانتشار العسكري للمملكة المتحدة بالإقليم 

تتوزع القوات البريطانية بالمنطقة وقوامها (5.110) عنصر بالمناطق سابقة الذكر ضمن مجموعة من العمليات أولها عملية “كيبيون” لتأمين الملاحة بالخليج العربي ومضيق هُرمز والمحيط الهندي، وتشارك ذات القوة في مهام مشتركة بعملية “الحارس” التي دعت اليها الولايات المتحدة لتأمين الملاحة من التهديدات الإيرانية في 2019. وثانيها، عملية “شادر” الفرع العملياتي للقوات البريطانية المشاركة بالتحالف الدولي ضد تنظيم داعش منذ عام2014، كما تعمل بعض القوات البريطانية ببرامج التعاون الاستراتيجي المشتركة لبناء القدرات العسكرية لبعض الدول كالمملكة العربية السعودية والمملكة الأردنية الهاشمية. هذا ويمكن بيان أنماط الانتشار بشكل أكبر كما يلي: 

ARMYHQ-2017-017-OP SHADER 4 RIFLES-395-TJ.jpg

أولًا: عملية شادر (Shader) ضد تنظيم داعش: 

هي التسمية الرسمية لمشاركة القوات البريطانية بالتحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش، يضم 71 دولة، وفي إطارها تم نشر (1350) عسكري بريطاني في المنطقة، وهي ثاني أكبر مساهم بالتحالف. وترتكز قوة كبيرة منهم في العراق -حوالي 400- بمطار أربيل وقاعدة عين الأسد والعاصمة بغداد، والباقون في تركيا والأردن والكويت وقطر، فيما تتخذ من قبرص قاعدة تشغيلية للمقاتلات المشاركة بالعملية. وكانت أول الغارات البريطانية ضد داعش في عام 2014. وحتى 2017 نفذت أكثر من 1300 غارة بالعراق وأكثر من 260 غارة في سوريا، وقام سلاح الجو التابع للمملكة المتحدة بأكثر من 8000 طلعة جوية تضمنت غارات وعمليات مراقبة واستطلاع، وشحن وتزود بالوقود جوًا، كما ساهم في توفير غطاء جوي لقوات سوريا الديمقراطية والجيش العراقي وعملياتهما البرية خلال تحرير الموصل ومحافظة نينوى.

ثانيًا: عملية “كيبيون” لتأمين الملاحة:

في يونيو 2011، تم تطوير دورية “أرميلا” – لتأمين الملاحة بمنطقة الخليج العربي منذ أكتوبر 1980- لتصبح عملية أكبر لتأمين الملاحة في الخليج العربي والمحيط الهندي باسم “كيبيون” (Kipion)، وتتولى العملية “كيبيون” مهام تأمين الملاحة من الألغام غير المنفجرة من فترة الحرب العراقية الإيرانية، ومكافحة جرائم القرصنة البحرية، الى جانب ضمان تدفق النفط والتجارة الدولية بالمنطقة. وتضم العملية في الوقت الحالي سفينتين تابعتين للبحرية الملكية البريطانية، الأولى هي السفينة Montender، والثانية هي مدمرة من طراز type 45. بالإضافة الى سرب مضاد للألغام من أربعة قطع أثنين من الفئة Hunt-class هم Ledbury وBrocklesby، وأثنين من فئة Sandown-class هم Shoreham وBlyth، بالإضافة الى سفينة الدعم Cardigan Bay التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني. وتتمركز قيادة العملية “كيبيون” في البحرين، وهو ذاته مقر إدارة العمليات البحرية البريطانية بالمنطقة، كما تشارك ذات القطع البحرية بـ “كيبيون” في عملية “الحارس” الامريكية والتي تم الإعلان عنها في أغسطس 2019، وغرضها تأمين الملاحة بالخليج العربي ومضيق هُرمز من التهديدات الإيرانية.

ومما سبق، فإن المملكة المتحدة حريصة على تأمين وجودها بالمنطقة، وأن تكون متفاعلة وبقوة بكافة التفاعلات الجارية بالشرق الأوسط. ويقترن هذا الحرص بعدة محددات للتحرك كالشراكة مع الدول الإقليمية، عبر القواعد المشتركة وبرامج بناء القدرات، وهو ما يمكنها من تلاشي النظر اليها كقوة عسكرية أو مستعمر مرفوض عودته للمنطقة مستقبلاً. بالإضافة الى الاعتماد على عناصر التدخل الأكثر قوةً وردعًا لأي تهديد، وهو ما يفسر تركيزها على العمليات الجوية والبحرية لمواجهة التهديدات التي تؤثر على أمن المنطقة كتنظيم داعش وإعاقة الملاحة بالخليج، وعدم الزج بقوات برية الى المنطقة، واتباع استراتيجية مفادها الشراكة في استخدام المرافئ والموانئ مع دول الشرق الأوسط.

وختامًا، فان الانتشار البريطاني بالمنطقة يُرجح أن يصبح في الفترات القادمة أكثر سعيًا نحو التمدد وتكثيف الوجود؛ لتلافي أية حوادث تضر بالمصالح الاقتصادية البريطانية بالمنطقة، وخصوصًا فيما بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي، كذلك توطيد علاقاتها بدول المنطقة واستحواذ قدر أكبر من العوائد الاقتصادية والاستثمارية نظير تعزيز التعاون العسكري مع دول الخليج. ولكن يظل ذلك الاتجاه مرهونًا بحجم التحديات الداخلية التي ستواجه لندن، لاسيما احتمالات بروز دعوات انفصاليه أو غيرها من التداعيات التي تتوخى حدوثها في تلك المرحلة الدقيقة.

Scroll Up