عرض – آية عبد العزيز

تشهد الدول الأوروبية عددًا من التحديات في سياق التحولات العالمية التي تجلت في التنافس الأمريكي الصيني، الذي من المفترض أن يساهم في بلورة النظام العالمي في العقود المستقبلية. وعليه فقد أصدر المعهد الفرنسي Institut de Recherche Stratégique de l’Ecole Militaire تقريرًا بعنوان “هل أوروبا مستعدة لعالم ثنائي القطبية؟” لـ “بيير هاروش”، وهو زميل باحث في الأمن الأوروبي (IRSEM) في يناير 2020، لإدراك ماهية التحدي الذي ستواجهه القوى الأوروبية والعلاقات عبر الأطلسي في سياق احتمالية التقارب أو المواجهة بين الولايات المتحدة والصين. 

تحولات في هيكل النظام الدولي

يوضح “هاروش” أن الانتقال إلى عالم ثنائي القطبية يعد قضية حاسمة للعلاقة بين الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي؛ حيث أن الارتباط عبر الأطلسي هو نتاج العديد من العوامل التي تتراوح ما بين القيم الديمقراطية المشتركة إلى العلاقات التجارية والخلفيات الثقافية. ومع ذلك، فقد أثر شكل النظام الدولي في تطور العلاقة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وأوروبا، وهو ما تمثل على النحو التالي:  

  • قبل عام 1945؛ الذي شهد حالة من التعددية القطبية ساهمت في التأثير على العلاقات عبر الأطلسية التي تميزت بالانفصال الاستراتيجي. وأما الولايات المتحدة فقد اعتمدت على توازن القوى بين الدول الأوروبية لمنع تشكيل قوة أوروبية مُهيمنة، وذلك تجنبًا للالتزام الكامل بالتعاون مع الجانب الأوروبي.  الأمر الذي انعكس على الأمن الأوروبي الذي واجه عدد من المحاولات الأمريكية لتقليصه.
  • خلال الحرب الباردة؛ اتسم النظام الدولي في هذه المرحلة بالثنائية القطبية التي تمثلت في التنافس الأمريكي مع الاتحاد السوفيتي؛ حيث استند الأمن والدفاع الأوروبي على الشراكة مع الناتو لمواجهة القوة السوفيتية، فيما تبلورت العلاقات عبر الأطلسي في نمط الاقتران الاستراتيجي. 
  • بعد الحرب الباردة؛ هيمنة الولايات المتحدة على النظام الدولي، واتسمت العلاقات عبر الأطلسي بفصل جزئي، نتيجة اعتقاد واشنطن أن أوروبا لم تعد لديها منافس قوى مثل الاتحاد السوفيتي يمكن أن يهدد مصالحها، لذا فقد أصبح التزامها بأوروبا أقل قابلية للتنبؤ. في الوقت الذي نجح فيه الناتو في تجديد نفسه، لا سيما عن طريق إضافة إدارة الأزمات إلى مهام الدفاع الإقليمية التقليدية، شجعت الاحتكاكات عبر الأطلسي التي شهدتها أزمات البلقان في التسعينات أيضًا أعضاء الاتحاد الأوروبي على وضع سياسة الأمن والدفاع المشتركة CSDP)) لتطوير قدراتهم على التصرف بشكل مستقل. 

تطور الثنائية القطبية نحو الانفراج أو المواجهة

أفاد التقرير أن تحول النظام الدولي إلى الثنائية القطبية (واشنطن– بكين) من المتحمل أن يشهد أحد السيناريوهات التي تتمثل على النحو التالي:  

  • مواجهة حاسمة

يعتمد سيناريو المواجهة بين الولايات المتحدة والصين على التجارب التاريخية، فعندما تتراكم القوة الصاعدة من المحتمل أن تتحول إلى قوى كبرى يمكن أن تتحدى القوى المهيمنة، التي سينتج عنها حربًا كبرى مثل حرب بيلوبونيزية، التي سعت فيها سبارتا إلى معارضة ظهور أثينا.

وقد تشمل المصادر المحتملة للمواجهة بين الجانبين وضع تايوان، والمطالبات المتنافسة مع اليابان بشأن جزر دياويو / سينكاكو أو مع الفلبين بشأن جزر هوانغيان / سكاربورو شوال، وبشكل أعم، مطالبة الصين بمعظم مياه بحر الصين الجنوبي، وفي كل هذه القضايا، تسعى الصين إلى مراجعة الوضع الراهن؛ حيث تبنت الصين موقفًا حازمًا بشكل متزايد يعكس موقفها المتنامي من القوة، تمثل في تكثيف الدوريات البحرية في المناطق المتنازع عليها، وبناء المنشآت العسكرية في بحر الصين الجنوبي.

 هذا الاتجاه قد يشجع الولايات المتحدة في النهاية على الهجوم قبل أن تكون الصين قوية بما يكفي لفرض نظام إقليمي جديد. علاوة على ذلك، فإن الوجود العسكري الأمريكي، وخاصة من خلال مجموعات المعارك البحرية وقواعد المسرح في اليابان والفلبين وجوام، يشكل العقبة الرئيسية أمام إقامة هيمنة إقليمية صينية، وقد تم تعزيزه منذ إعلان عام 2011 عن “المحور” الأمريكي. إلى منطقة آسيا والمحيط الهادئ من قبل إدارة أوباما. 

  • احتمالية الانفراج

أحد العوامل التي يتم ذكرها في أغلب الأحيان التي تدعم سيناريو يتوقع السلام والتعاون بين الولايات المتحدة والصين هو الترابط الاقتصادي بينهما. فكلهم شريك تجاري رئيسي للآخر، لكن صعود الإنتاج عبر الوطني والاستثمار الأجنبي المباشر جعل الشركات الأمريكية أكثر اعتمادًا على المدخلات المصنوعة في الصين والصادرات الصينية أكثر اعتمادًا على الاستثمارات الأمريكية.

وهنا يطرح التقرير تساءلًا عن ماهية الشكل الذي يمكن أن يتخذه الانفراج الأمريكي الصيني؟، يجادل بعض المؤلفين بأنه يمكن تجنب الحروب الوقائية بين الدولة المتراجعة والدولة الصاعدة إذا كانت مصادر القوة النسبية لمستقبل الدولة الصاعدة يمكن نقلها جزئيًا إلى الدولة المتراجعة أو مشاركتها فيها. عن طريق تجميد توازن القوى بين الدولتين، الذي سيسعى إلى ضمان عدم قدرة الدولة الصاعدة على استغلال الحالة المتراجعة في المستقبل. وبالتالي إزالة حافز الأخير لشن حرب وقائية بينما لا تزال قوية بما يكفي للفوز بها. في حالة العلاقات بين الولايات المتحدة والصين، فإن هذا التقاسم لموارد الطاقة يمكن أن يتعلق بالتكنولوجيات الجديدة. 

وتعتمد قدرة الصين على اللحاق بقوة الولايات المتحدة إلى حد كبير على قدرتها على امتلاك وإنشاء تكنولوجيات جديدة، وهو ما ينعكس في أولويات برنامج “صنع في الصين 2025” الصادر في عام 2015. ويمكن القول إن الصين تقود بالفعل أو تقترب من قيادة السباق في تقنيات الحدود الاستراتيجية مثل اتصالات 5G والذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والحوسبة الكمية وتقنيات الفضاء، التي لها آثار أمنية ودفاعية. 

مخاطر محتملة: كيف سيؤثر ظهور عالم جديد ثنائي القطبية على أوروبا في حالة المواجهة أو الانفراج؟ 

نوه التقرير أن في حالة تطور الثنائية القطبية نحو المواجهة أو الانفراج، أو يمكن أن تتناوب بين الاثنين. يجب أن تؤخذ في الاعتبار الآثار المحددة لكلا الوضعين لتقييم المخاطر الاستراتيجية التي قد تواجه أوروبا في السنوات المقبلة؛ حيث تُكمن المخاطر التي تنطوي عليها المواجهة في اعتماد الأوروبيون بشدة على الولايات المتحدة على الصعيد الأمني فيما يتعلق بمواجهة التهديد الروسي من خلال حلف شمال الأطلسي، والتعاون الثنائي المشمول بمبادرة الردع الأوروبية EDI) ) كما أنها القائد الرئيسي لجهود التحالف المخصصة في الجوار الأوروبي، علاوة على قيادة التحالف الدولي ضد “داعش” في الشرق الأوسط. وعليه تنطوي المواجهة المحتملة بين الولايات المتحدة والصين التأثير على التزام الولايات المتحدة بأمن أوروبا.

نتيجة إعادة تركيز الولايات المتحدة معظم قدراتها الجوية والبحرية على المسرح الآسيوي، مما سيؤثر على الأرجح على قدرات الأسطول الأمريكي السادس المتمركز في أوروبا، الذي سيواجه صعوبة متزايدة في إقناع هيئة الأركان المشتركة بإرسال سفن إضافية إلى أوروبا في سياق يتسم بالوجود الروسي المتزايد في المحيطين الأطلسي والقطب الشمالي وفي المحيط بحر البلطيق والبحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط. ومع ذلك، نظرًا لأنه من غير المحتمل حدوث عمليات برية ضخمة في شرق آسيا، فمن المحتمل أن تكون قدرة الردع لنشر الجيش الأمريكي في أوروبا أقل تأثراً بشكل مباشر. 

وعلى المستوى السياسي، فمن المحتمل أن تعزز المواجهة إحجام الولايات المتحدة عن تولي زمام المبادرة في عمليات إدارة الأزمات في الجوار الأوروبي. وقد ظهر هذا التردد بالفعل في عهد الرئيس السابق “باراك أوباما” خاصة خلال الأزمة الليبية، التي أصرت الولايات المتحدة على أن تكون مهمة أوروبية في المقام الأول. وقد تأكد ذلك بقرار الرئيس الحالي “دونالد ترامب” بسحب قواته من سوريا. 

ووفقًا للكاتب فمن المحتمل أن تتعاطف الولايات المتحدة مع أوروبا، للحفاظ على هامشها العالمي للمناورة. وستكون في وضع صعب إذا حدثت أزمة في شرق آسيا فسيتعين على الدول الأوروبية أن تحدد موقفها من هذه الأزمة وإظهار دعم سياسي لا لبس فيه وربما حتى المساهمة عسكريًا في جهودها. من ناحية، فإن الانحياز إلى الولايات المتحدة سيكون شرطًا ضروريًا لاستمرار ضمان الأمن الأمريكي في أوروبا؛ من ناحية أخرى، قد يؤدي المواءمة مع واشنطن إلى خطر اتخاذ إجراءات انتقامية من بكين. سيكون هذا الوضع أكثر صعوبة بسبب التأثير الاقتصادي للصين في أوروبا. 

أما على صعيد الانفراج يبدو للوهلة الأولى إنه سيناريو أكثر أمانًا للأوروبيين، ومع ذلك، فإنه لا يخلو من المخاطر، فوفقًا للكاتب تكمن هذه المخاطر في توافق القوى العظمى حول إدارة التوازنات الدولية بدون دعم للحلفاء، تجنبًا للوقوع في صراعات غير مرغوب فيها. 

في المجال الاقتصادي، سيعتمد الانفراج بين البلدين على صفقة تجارية ثنائية خارج القواعد المتعددة الأطراف المقررة، وبالتالي من غير المرجح أن يأخذ في الاعتبار مصالح البلدان الأخرى. سيكون الوضع أكثر صعوبة بالنسبة للاقتصادات الأوروبية لأنه إذا حلت الولايات المتحدة نزاعاتها مع الصين، فسوف تتاح لها الفرصة لإعادة تركيز حروبها التجارية بالكامل على الاتحاد الأوروبي، وهو اتجاه ظهر بالفعل خلال إدارة “ترامب”. إذا اتخذ التعاون بينهم طريقًا أكثر طموحًا في قطاعات التكنولوجيا، فسيؤدي ذلك إلى تهميش المنافسين. وعليه ستتمكن الولايات المتحدة والصين من فرض معاييرها في جميع أنحاء العالم. 

وفي مجال الأمن، قد يدفع الانفراج الثنائي القطب الولايات المتحدة إلى تنسيق سياساتها الخارجية مع الصين على نحو متزايد على حساب الحوار عبر الأطلسي. يكون الأساس المنطقي هو أن الاستقرار العالمي سوف يخدم بشكل أفضل من خلال التعاون بين القوى العظمى وأن التنسيق الثنائي أسهل في التعامل معه وأكثر فعالية من المناقشات المتعددة الأطراف المعقدة. 

إجمالًا؛

أشار تقرير المعهد الفرنسي، على أنه يجب على الأوروبيين تطوير استقلالهم الاستراتيجي وتعزيز سيادتهم الاقتصادية واستعادة قوتهم البحرية. وذلك بالرغم من أن بعض المؤلفين يجادلون بأن النظام أحادي القطبية من غير المرجح أن يتآكل في المدى القريب، بينما يرى آخرون أن العالم يتطور نحو التعددية القطبية.

وقد برهنوا على ذلك فمن الناحية الاقتصادية، تمثل الصين 66 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة، في حين أن ثالث أكبر قوة وهى اليابان، تمثل 24 ٪ من المستوى الأمريكي، من حيث القدرة العسكرية، وصلت الصين إلى 38 ٪ من ميزانية الدفاع الأمريكية في عام 2018، بينما كانت المملكة العربية السعودية في المرتبة الثالثة بنسبة 10٪. بشكل عام، تضيق الفجوة بين الولايات المتحدة والصين تدريجيًا، بينما تتسع الفجوة بين الصين والمنافسين المحتملين مثل روسيا أو الهند، وتعد الصين بالفعل منافسًا أخطر للولايات المتحدة مقارنةً بالاتحاد السوفيتي؛ حيث تجاوز الناتج المحلي الإجمالي السوفيتي لفترة وجيزة فقط 50٪ من مثيله في الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة، من المحتمل أن يكون للتحول نحو القطبية آثار مهمة على الديناميات السياسة العالمية.

وأخيرًا من المفترض أن يكون النظام الثنائي القطبية مستقرًا نسبيًا لأن القوتين العظميتين يمكنهما تركيز اهتمامهما الكامل على بعضهما البعض، والاعتماد على قدراتهما الخاصة لتحقيق التوازن بين منافسهما.

Scroll Up