خلال الفترة الانتقالية، ستستمر بريطانيا في تطبيق قوانين الاتحاد، لكنها لن تكون ممثلة في مؤسساته. وستبدأ في التفاوض على الفصل التالي في علاقتها بالاتحاد الأوروبي. تلك المفاوضات التي ستحمل العديد من أوراق الضغط من كلا الطرفين، وفشلها سيحمل العديد من التداعيات على كليهما. لذا فالمرحلة القادمة ستكون لعبة لتوزان المصالح، وتقدير لحجم الخسائر الممكن تحملها، في مقابل الأرباح التي لا يمكن الاستغناء عنها. 

المواقف المعلنة لكلا الطرفين

الجانب الأوروبي:

 في الثالث من فبراير الجاري، أعلن “ميشال بارنييه” كبير مفاوضي الاتحاد الأوروبي، عن مسودة خطته بخصوص مفاوضات شكل العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وبين المملكة المتحدة، مشيرا إلى إتباع الاتحاد “الشفافية الكاملة” منذ بدء مفاوضات الخروج، لضمان توحيد الآراء، وقطع الطريق أمام المملكة لإقامة محادثات ثنائية منفردة، مؤكدا أن خطته للمفاوضات تم وضعها وفق تصريحات رئيس الوزراء البريطاني “بوريس جونسون”، بشأن شكل العلاقات مع الاتحاد. والتي أكد فيها عن رغبته في الخروج من الاتحاد الجمركي والسوق الموحدة الخاصة بالاتحاد، وكذلك رغبته في عدم الخضوع لأحكام محكمة العدل الاوروبية. تبلورت الخطة وفق لذلك في ثلاثة محاور، دارت حول تصور للعلاقات الاقتصادية والشراكات في مجال الأمن، وأخيرا الإطار المؤسسي المحتكم لمبادئ الحوكمة بخصوص تلك الشراكات.

فيما يخص المحور الأول، العلاقات الاقتصادية: أكد بارنييه على استعداد الاتحاد للوصول لاتفاق تجاري طموح للغاية يشمل تعريفات وجمارك صفر، بالإضافة لتأكيده على وجود طموحات بالتعاون في تنظيم الخدمات المالية والبيئية والاتصالات بين الطرفين، بحيث يمكن للطرف البريطاني الاستفادة من السوق الأوروبي وفى تلك البنود، وكذلك ابداء رغبته في تسهيل انتقال الأفراد والحفاظ على التبادلات الطلابية وتوفير منصة مشتركة لحماية الإجراءات المالية وحقوق الملكية الفكرية. 

إلا أن هذا في مقابل شرطين رئيسيين: أولهم، التأكيد على عدم وجود ما يحقق للطرف البريطاني منافسة غير عادلة على حساب الاتحاد، بأن تقوم المملكة بخفض معاييرها البيئية أو بخصوص الأجور والعمال أو المساعدات الحكومية للأعمال، مما يكسبها مزايا تنافسية على حساب الاتحاد منافسها الأقرب من الناحية الجغرافية. 

لذا على الطرفين وضع معايير طويلة الأجل وآليات للتنفيذ والمراقبة على احترام تلك المعايير البيئية والمجتمعية وما يخص المساعدات الحكومية. أما ثانيهم، يتعلق بوضع اتفاق يخص تنظيم الصيد، وأن يتم الحاقه بشكل أساسي في الاتفاقية بين الطرفين، يضمن تمتع الطرف الأوروبي بالوصول لحصص محددة من الأسماك.

وفى ختام هذا المحور وبشكل عام أكد بارنييه على ما صرحت به رئيسة المفوضية الأوروبية “أورسولا فون دير لاين”، بأنه كلما كانت المعايير مشتركة، كلما كان حجم السماح للمملكة المتحدة للدخول إلى السوق الأوروبي أكبر. 

 أما المحور الثاني، فقد ركز على الجانب الأمني في العلاقات بين الطرفين: فقد ثمّن بارنييه التعاون الأوروبي البريطاني في هذا الجانب، بخاصة في ملف التهديدات المشتركة كالإرهاب والجرائم السيبرانية والتهديدات الخارجية الُمقوضة للديمقراطية الأوروبية. لذا فالتقارب والتكاتف بين الطرفين، لا مناص عنه. 

قٌسم هذا الجانب لبعدين، الأول يركز على وضع إطار بشأن البيانات الخاصة بالتعاون الشُرطي والقضائي في المجال الجزائي. وعليه أكد بارنييه على ضرورة احتكام المملكة المتحدة كغيرها من الدول المتعاونة مع الاتحاد في فضاء تشنجين إلى بنود الاتفاقية الأوروبية لحقوق الانسان، كذلك وضعها لمعايير ملائمة ومقبولة لحماية البيانات، وأخيرا ان يُرفق هذا التعاون بآلية واضحة لفض المنازعات، وفي هذا السياق، اعتبر بارنييه أن محكمة العدل الأوروبية خيارا متاحا ومقبولا من الجانب الأوروبي. 

أما الثاني، فركز على التعاون في مجال السياسة الخارجية والأمن والدفاع. وفيه أكد بارنييه على ضرورة وضع إطار للتعاون وأليات للتفاوض والتشاور وتبادل المعلومات تحترم سيادة الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وتضمن استقلاليتهم.

وأخيرا، اعتبر بارنييه أن المحورين الأوليين لتلك الشراكة المرتقبة، لن يكونوا قابلين للتنفيذ، إلا في إطار الجانب الثالث وهو الحكومة التي تضع إطارا وآليات للحوار وصندوق به أدوات لحل المنازعات تمس تلك القضايا الاقتصادية والأمنية. 

الجانب البريطاني:

بلور رئيس الوزراء البريطاني “بوريس جونسون” بنفس اليوم، رؤيته للعلاقات بين الطرفين. ولكن فضل دمجها في رؤيته الكلية لبريطانيا الفاعل الدولي الجديد، الحامل لمبادئ حرية التجارة في وجه موجة الحمائية المهددة لاستقرار النظام العالمي وفقاً له، ودمج الحديث عن تصوره بخصوص العلاقات مع الاتحاد الأوروبي في سياق هذا الحديث. 

حيث ركز على انفتاح المملكة على الشراكات الجديدة وما يمكن ان تحمله للمملكة وللنظام العالمي ككل. وركز في هذا السياق على التعاون مع ما تعتبره المملكة دوائرها الرئيسية كدول الكومنولث والتعاون مع الدول الإفريقية، وكذلك مع دائرة الدول البارزة في المحيط الهادي كنيوزيلندا وكندا وأستراليا، وأخيرا الولايات المتحدة. التي وضح ان أي مفاوضات معها لن تكون ملفات الصحة ورفاهية الحيوان مدرجة به، وإن أشار ان الاتفاقيات بين البلدين ستكون الكلمة الفاصلة بها للعلماء. وهو ما اعتبره بعض المحللين ” بأنه تمهيد لقبول تخفيض بعض المعايير الصحية – كالدجاج المغسول بالكلور- الذي يعد المثال الأبرز في الملفات التجارية الشائكة بين الطرفين ويستدل به كثيرا في الأوساط البريطانية كدليل على انخفاض المعايير الصحية.

ومن هذا المنطلق، تعرّض جونسون لشكل العلاقة والشراكة المرتقبة مع الاتحاد الأوروبي. فأكد فيه أن خروج المملكة المتحدة من الاتحاد، لا يعنى أنها تريد الارتداد أو تقويض قيمه. وسرد حينها الكثير من الملفات المشتركة بين الطرفين وهو ما تشابه مع ما عرضه بارنييه في الجانب الأمني والدفاعي وما يخص السياسة الخارجية، وكذا جانب حماية تدفق المبادلات المالية والطلابية، وكذا حماية البيانات والمعلومات. 

إلا أنه رأى أنه لا حاجة لوضع اتفاق يحكم تلك العلاقة بقوانين، فكلا البلدين لديهم أساسات مشتركة، تضمن تعاونهم. وزاد بأن تأكيد الاتحاد على رغبته في وضع ضمانة للمعايير البيئية أو الاجتماعية أو فيما يخص المساعدات الحكومية، بأن سجل المملكة سابق في دمج تلك المعايير في قوانينه الداخلية قبل الاتحاد. وأن المملكة هي أولي البلدان في الحفاظ على تلك المعايير. 

أما إذا أصر الاتحاد على وضع اتفاقية، فإنه يفضل وضع اتفاق مشابه لاتفاق الاتحاد مع كندا، أو استراليا. وفي هذا السياق وهذه النقطة بالتحديد، فقد صرح مفوض الاتحاد للتجارة ” فيل هوجان” بأن هذا يعنى عدم وجود اتفاق نظرا لعدم وجود مثل هذا الاتفاق بين الاتحاد وأستراليا. وأبدي جونسون رغبته في أن يُعامل كأي دولة تدخل في اتفاق مع الاتحاد بعكس تيريزا ماي، إلا أنه كان يرمي بذلك لضرب حجج الاتحاد بشأن ضمان معايير“الملعب المتكافئ”، أي وضع قيود لضمان عدم الاضرار عند المنافسة. وفى هذ السياق قال جونسون “إن الحكومة لن توافق على تدابير في هذه المجالات تتجاوز تلك المدرجة عادة في اتفاقية شاملة للتجارة الحرة”.

 وكذا أكد على أن أي اتفاق بين الطرفين سيكون أكبر من التجارة فقط، ولكن مع ضمان عدم المساس بأمن المواطنين، وثمّن من رغبته في الحفاظ على سيادة بلاده وسيادة مواطنيه عليها، وهو ما صرفه للحديث عن الاتفاقات الخاصة بالصيد، وأكد فيها رغبته بأن يكون اتفاق سنوي يضمن مصالح البريطانيين أولا، وتخضع حصصه لتقديرات العلماء. وفى هذا تريد المملكة اتباع نموذج دول النرويج وأيسلندا وجزر فارو في التعامل.

عوائق وتحديات تلك المواقف المعلنة

– تبرز التحديات في تلك المفاوضات فيما يخص جانب المملكة المتحدة بشكل أكبر من الاتحاد الأوروبي باعتبار الأخير هو من أكبر الأسواق في العالم ب 450 مليون نسمة. وهو السوق الأكثر تبادلا واستقبالا لصادرات المملكة المتحدة. ففي الشكل التالي، يتضح أن ما يقرب من نصف تجارة المملكة المتحدة مع الاتحاد الأوروبي، بالإضافة لما يزيد عن 10% من تجارته مع دول لها اتفاقات مع الاتحاد وهذا قبل ان يقوم الاتحاد باتفاقات تجارية كذلك مع سنغافورة واليابان “تعد اليابان من أكبر المستثمرين في السوق البريطاني”. بالإضافة أن 53% من وارادت المملكة هي من دول الاتحاد.

لذا فخيار جونسون، هو السعي للوصول لاتفاق يشبه اتفاق الاتحاد مع كندا، أي وجود تبادلات تجارية معفاة من الرسوم الجمركية بالنسبة لمعظم السلع، ولكنها لن تغطي صناعة الخدمات في المملكة المتحدة التي تمثل أكثر من 80٪ من فرص العمل في المملكة المتحدة.

بالإضافة أن المملكة كانت وجهة رئيسية للشركات متعددة الجنسيات التي اعتبرت لندن نافذتها للاتحاد، واستثمرت الكثير في الاقتصاد البريطاني، فالشركات المملوكة للأجانب مسؤولة عن أكثر من ربع إنتاج المملكة المتحدة. وعدم تغطية مصالح تلك الشركات يعنى خروجها من البلاد لمدن أوروبية تقع داخل تشنجن لضمان الوصول للأسواق الأوروبية. وعليه، فعدم الوصول لاتفاق يحافظ على تلك الأركان الهامة في الاقتصاد البريطاني، سيكلف البلاد بشكل كبير.

في هذا السياق، ما يتم تسويقه بالتعويل المفرط على الوصول لاتفاق تجارى مع الولايات المتحدة سيعوض تلك الخسائر، يعد غير واقعي بشكل كبير لعدة أسباب، أبرزها: أن حجم المبادلات بين لندن وواشنطن 262 مليار دولار، وهو رقم يعادل تقريبا ثلث المبادلات التجارية مع الاتحاد الأوروبي التي تصل إلى 721 مليار دولار، لذا تقليص هذا الفارق سيعنى أن المملكة سترضخ للجانب الأمريكي بشكل كبير، وأن ترهن مقدراتها واقتصادها بواشنطن، وهو ما يعد شيئاً حساس في وقت يسوق فيه جونسون المملكة كلاعب دولي جديد يحمل راية “التجارة الحرة” في وجه السياسات الحمائية “التي تتبعها وفقا له كلا من بروكسل وبكين وواشنطن”. بالإضافة لطبيعة الرئيس ترامب التي لا تقبل بأنصاف الحلول ويؤمن بضرورة الرضوخ كتعبير عن التحالف، ويستخدم الأدوات الاقتصادية بشكل كبير لإضعاف منافسيه. وأخيراً أن التوصل لاتفاق تجارى شامل بين الطرفين، في تلك المدة المحدودة يعد شبه مستحيل. 

ما يجعل الأمور أكثر تعقيدا بالنسبة للمملكة، أن طبيعة التصويت على الاتفاقيات اللاحقة سيكون مرهون بموافقة البرلمانات الوطنية للدول ال 27 في الاتحاد. لذا ستبرز المصالح المباشرة لكل الدول الأطراف مع المملكة. كالجانب الأيرلندي الذي سيكون لاعب رئيسي في محاولة الوصول لاتفاق نهائي يحفظ مصالحه الاقتصادية. فقد حذر رئيس الوزراء الإيرلندي ليو فرادكار من “تهديد وجودي” على الاقتصاد الإيرلندي في حال لم يتم التوصل إلى اتفاق تجاري لمرحلة ما بعد “بريكست”. 

 وكذلك إسبانيا وقضية جبل طارق الواقع تحت السيطرة البريطانية، فبموجب معاهدة أوسترخت 1713، الواقع على مشارف الأراضي الاسبانية وتأكيده على ضرورة الوصول لتلك المنطقة الهامة، حيث أشار بارنييه بأن الجبل لن يقع ضمن المفاوضات ولكن تسوية أوضاعه ستكون جزء رئيسي في تيسير المفاوضات والوصول لاتفاق مع المملكة. 

وبالإضافة للدول التي تستفيد من مصائد الأسماك في المياه البريطانية، حيث يعتمد صيادو الأسماك من عدة دول أعضاء مثل فرنسا والدنمارك وهولندا وبلجيكا على المياه البريطانية التي تشكل أيضا 30% من رقم أعمال الصيادين الفرنسيين على سبيل المثال. يتم إخراج 42 في المائة من جميع الأسماك التي يتم صيدها في الاتحاد الأوروبي من المياه البريطانية، وفقًا للتحالف الأوروبي للمصايد. 

رغم كل التحديات التي تواجه الجانب البريطاني، فإن الجانب الأوروبي سيخسر أيضاً وإن كانت الخسائر الاقتصادية لن تكون أكبر خسائره. إلا أن بريطانيا في هذا الجانب كانت تمثل طرفاً هاماً. فالمملكة المتحدة كانت “مساهماً صافياً” في الميزانية الأوروبية، أي أنها تعطي أكثر مما تتلقى. فوفق حسابات المفوضية الأوروبية، سترتفع الخسارة في ميزانيته من 12 مليار يورو عام 2021 إلى 84 مليار على امتداد 7 أعوام. وكذلك فإن الاتحاد سُيحرم من 15 في المائة من حجم اقتصاده، ومن أكثر الدول الأعضاء إنفاقاً على التسلح، ومن العاصمة المالية الدولية لندن، هذا من جانب. 

ومن جانب أخر، فإن المملكة لا تزال لاعبا هاما في التنمية الدولية والأمن والدفاع. فلها مقعد دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وعضو في منظمة حلف شمال الأطلسي “الناتو” ومجموعة السبع ومجموعة الثماني ومجموعة العشرين ومجلس أوروبا والكومنولث. وتعد أبرز اللاعبين الدوليين المتقاربين في مبادئ ومجالات السياسة الخارجية مع الاتحاد الأوربي، وتشاركهم في النظر للتحديات المشتركة من تغير المناخ إلى الإغاثة في حالات الكوارث والدفاع عن النظام الدولي القائم على القواعد.

ختاماً، 

إن رئيس الوزراء بوريس جونسون في هذه المرحلة الحرجة يعول كثيراً على ما تمثله المملكة كوسيط هام، ولاعب دولي فاعل، وعنصر يمتلك المقدرات الدفاعية والأمنية والمخابراتية، وشريك رئيسي في العديد من القضايا الدولية التي تهم الاتحاد، في وقت تتصاعد فيه التهديدات الخارجية المحيطة بالاتحاد من الصين والولايات المتحدة، بخلاف الأوراق الداخلية التي يملكها كالاقتصاد الكبير ومصائد الأسماك وغيره، كعنصر رئيسي وورقة ضغط على الاتحاد للوصول لاتفاق يحقق أكبر قدر من مصالحه. 

وعلى الجانب الأخر من بحر المانش، فإن الاتحاد يريد إيصال رسالة قوية وواضحة لأي دولة تفكر في الخروج، بأنها ستخسر الكثير، وفى أحسن الأحوال فإنها ستظل تدور في الفلك الأوروبي باتفاقات جديدة. لذا فالخروج ليس الخيار الأمثل في تلك الحالة. وبهذا فإن المرحلة القادمة ستحمل الكثير من التحركات والمساومات الدقيقة، لأن كل طرف يسعي لإعادة رسم صورة، ستؤثر على أقل تقدير على شكل الاتحاد الأوروبي القادم، إن لم تمدد للنظام العالمي ككل.

Scroll Up