قرأ سطرًا من القرآن الكريم أمام حشود وصفها بأنها “أكبر موكب جنازة في العالم” التفّت لتشييع قائد فيلق القدس بالحرس الثوري قاسم سليماني الذي قُتل في غارة أمريكية الشهر الماضي، الزعيم الديني البارز والمرشد الأعلى آية الله خامنئي فتح الأبواب مجددًا على اتساعها أمام تساؤل مشروع، من سيخلفه؟

وذكرت صحيفة فاينانشيال تايمز البريطانية أننا نشهد المرحلة الأكثر تعقيدًا حول مسألة الخلافة، بالنظر إلى أن المزيد من التمكين للحرس الثوري هو سياسة مدروسة لجعلهم القوة المهيمنة حتى يتمكنوا من لعب الدور الرئيسي في انتقال السلطة . وحسب البعض فإن هناك حاجة ملحة إلى وجود زعيم برجماتي على استعداد للتعامل بشكل أكثر مرونة مع الولايات المتحدة.

الحرس الثوري في صدارة المرشحين

الحرس الثوري البالغ عدد أعضائه 120 ألف شخص هو المؤسسة الإيرانية الأكثر تنظيمًا، مما يمنحهم نفوذًا كبيرًا يؤثر على دفة اختيار الخليفة، خصوصًا وأنه يسيطر على قوة متطوعة قوامها عدة ملايين، مما يزيد من قدرته على ممارسة هذا التأثير، كما أن السياسيين المقربين من الحرس موجودين في مؤسسات مختلفة مثل البرلمان والقضاء، ويُعتقد أن للحرس مصالح في الاتصالات والتجارة والبتروكيماويات وقطاعات أخرى.

وجماهيريًا يحظى الحرس الثوري بتأييد كبير، فبعد حادث إسقاط طائرة الخطوط الجوية الدولية الأوكرانية الذي أسفر عن مقتل جميع ركابها، واعتراف الحرس الثوري بضلوعه في ذلك عن طريق الخطأ، تدفق الآلاف من الناس في المدن الإيرانية الكبرى، بما في ذلك طلاب الجامعات، إلى الشوارع، ورددوا شعارات مناهضة للحرس وقائده، إلا أن آية الله خامنئي قال إن هؤلاء “المئات” لا صلة لهم بالمواجهة في وجه “عشرات الملايين” الذين حضروا جنازة سليماني.

من هو مجتبى خامنئي؟

ولد مجتبى في الثامن من سبتمبر من عام 1969، وارتبط اسمه بالعديد من فضائح الفساد وصفقات الأسلحة، وهو ما كشفت عنه المفتشة السابقة في هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية التي أكدت أن لديها وثائق تثبت تورط مجتبى في شراء الأسلحة بشكل غير قانوني عن طريق الالتفاف على العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران منذ سنوات.

الابن الثاني لعلي خامنئي، درس في مدينة ” قم” مركز تعليم الإسلام الشيعي، مما يمنحه مكانة رجل دين رفيع المستوى، ويقول أحد المقربين إنه بفضل عقليته المماثلة لأبيه، يملك نظرة ثاقبة في القضايا السياسية والعسكرية.

بعد نجاح الثورة الإيرانية عام 1979، انتقل مجتبى مع عائلته للسكن في طهران. والتحق بمدرسة دينية خاصة تقع وسط العاصمة، ومعروفة بمناهجها الدراسية الصارمة، وتخرج فيها عام 1987، مثلما فعل العديد من قادة إيران الحاليين. وخلال السنة الأخيرة من الحرب الإيرانية مع العراق، عمل مجتبى وأخوه الأكبر مصطفى في القوات المسلحة الإيرانية على جبهات الحرب.

وكان أول ظهور له لدعم الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد في انتخابات 2005 ، الأمر الذي أثار حفيظة البعض، ومن بينهم شيخ مهدي كروبي، الذي وجه رسالة للمرشد الأعلى في 20 يونيو 2005، اشتكى فيها مجتبى قائلًا “بالرغم من أن مواقف سيادتكم شفافة فإن هناك أنباء تتحدث عن دعم نجلكم الموقر – السيد مجتبى – لأحد المرشحين” .

صلات بطالبان

كشفت تقارير وجود علاقات سرية بين قيادات إيرانية وجماعات إرهابية، إذ سرّبت المعارضة الإيرانية تقارير أكدت أن لمجتبى خامنئي نفوذ كبير في دائرة قيادات طالبان، وحسب التقرير فإن أسر حركة طالبان يعيش بعضهم في طهران ويتلقون دعمًا مباشرًا من ” بيت المال” التابع للمرشد مباشرة.

وعطفًا على العلاقات بين طالبان والولايات المتحدة فقد قام خامنئي بجهود شتى لعرقلة التوصل إلى أي اتفاق مع طالبان، ويعزى ذلك إلى أن النظام الإيراني يعتمد على الحروب والفوضى التي تضطلع بها طالبان وغيرها من الجماعات الإرهابية لمد النفوذ الفارسي في أفغانستان والدول المجاورة.

ويدرك مجتبى تمام الإدراك أن أي اتفاق بين الولايات المتحدة وطالبان من شأنه أن ينهي حالة الفوضى ويغلق الأبواب أمام المد الإيراني. وقد وصل النفوذ الإيراني في المفاوضات بين واشنطن وطالبان إلى الحد الذي جعل الولايات المتحدة تهدد بأنه لو استمرت طهران على نهجها في عرقلة المفاوضات فإن البيت الأبيض لن يتوانى عن طرد جميع القوات الإيرانية من أفغانستان. الأمر الذي يثير مزيدًا من الانقسام في دوائر صنع القرار الإيراني التي يرى بعضها أن الابتعاد عن النهج الاستفزازي لواشنطن أكثر تحقيقًا لمصالح إيران.

فساد مالي

في الذكرى الأربعين لاقتحام السفارة الأمريكية في طهران فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات اقتصادية على عدد من المؤسسات والشخصيات الإيرانية والتي كان على رأسها مجتبى خامنئي ابن المرشد الأعلى لإيران، إلا أن واشنطن لم تكن أول من تنبه لفساده المالي ففي عام 2012 وحسب موقع “الجرس” الذي يحسب على التيار الإصلاحي في إيران قالت بعض المصادر أن الرئيس الأسبق ” محمود أحمدي نجاد” اتهم ” مجتبي” نجل المرشد الإيراني باختلاس أموال بيت المال.

وعلى نفس النهج سارت صحيفة ” ليبراسيون ” الفرنسية التي نشرت معلومات حول قيام نجل خامنئي بالاحتفاظ بأموال ومدخرات في عدة حسابات ببنوك أجنبية. وفي ذلك الوقت قال موقع وزارة الخزانة الأمريكية أن مجتبى خامنئي كان من بين من شملتهم العقوبات، لأنه “يمثل والده بصفة رسمية”، على الرغم من أنه لم يتم انتخابه أو تعيينه في منصب حكومي، باستثناء عمله الذي يؤديه في مكتب والده. إضافة إلى بعض المهام التي قام والده بتفويضها إليه، ومنها العمل مع قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني إلى جانب عمله مع الباسيج.

نفوذ مجتبى

 من المعروف داخل إيران أن مجتبى يمسك عمليًا بجهاز الأمن الإيراني، ويسيطر على كل صفقات السلاح والتي تعد جزءًا أساسيًا من ثروته التي تقدر بالمليارات في العاصمة البريطانية لندن، كما أنه يسيطر على مراكز القيادة في الحرس الثوري الإيراني أحد أقوى المرشحين لتصدير رجل يخلف خامنئي، وقد سبق أن زار بغداد في عام 2018 بصحبة سليماني، ويقال إن زيارته إلى بغداد كانت لتسويقه في النجف المرجع الشيعي الأعلى في العراق علي السيستاني، وباقي المراجع، إلا أن العملية فشلت بدعوى أن خامنئي بكل سطوته لم يطرح اسم ابنه لخلافته.

شبكة علاقاته

  • –        “خوشوقت” الذي  تعرف مجتبى من خلاله إلى سعيد إمامي، وهو شخصية أمنية سيئة السمعة، كان مسؤولًا عن جرائم القتل التي وقعت في خريف عام 1998، والتي أسفرت عن مقتل ستة منشقين إيرانيين (وقتل ما يقرب من 70 منشقًا آخر ما بين عامي 1988- 1998).
  • –        العميد سيد محمد حجازي، القائد السابق لقوات الباسيج. وهو أحد مساعدي مجتبى خامنئي ووثيق الصلة به، ويعمل الآن في مكتب المرشد الإيراني، ويُعتقد أنه العقل المدبر للكثير من الحملات العنيفة على طلاب الجامعات وقادة المتظاهرين.
  • –        حسين الطيب، قائد قوات الباسيج. وهو رجل دين متشدد، تعرف إلى مجتبى خلال دراسته معه على يد مصباح يزدي.

عقبات في طريق الإرشاد

العديد من العقبات تحول بين مجتبى والوصول إلى خلافة والده، ومن أبرزها أن العديد من رجال الدين الكبار بالحوزة العلمية في “قم” لم يقبلوا ترقية خامنئي من الأصل بوصفه “آية الله العظمى”، وأنه لم يصل إلى هذه المرتبة عن جدارة، ولم يكن الخيار الأول لمنصب المرشد الأعلى بعد وفاة المرشد السابق علي الخميني، وكان السبب في وصوله إلى منصب المرشد الأعلى يتمثل في كلمة الشيخ هاشمي رفسنجاني أمام اجتماع مجلس الخبراء لملء الفراغ القيادي بعد وفاة الخميني عام 1989، فكيف هو الحال بترقية ابنه إلى المنصب الأعلى في إيران.

 والبعض يرى أن مخطط التوريث ينقل إيران من مرحلة التوريث الملكي الذي انتهى في عام 1979 إلى التوريث الديني بعد الثورة الإسلامية. وحسب مراكز أبحاث إيرانية فإن ما يحدث يدق ناقوس الخطر لأنه يتضمن تعديًا على الشعب الإيراني والمؤسسات ذات الصلة بتعيين وتحديد منصب المرشد، خاصة مجلس خبراء القيادة، وقد وصلت التحذيرات إلى حد توقع قيام ثورة لمنع تمرير مخطط التوريث.

Scroll Up