يأتي تقرير ميونيخ للأمن لعام 2020 والذي تم نشره بضعة أيام قبيل انطلاق أعمال مؤتمر ميونيخ للأمن في الرابع عشر من فبراير، بتسليط الضوء على ظاهرة ما يطلق عليها تراجع الغربية Westlessness والتي تعني الاضطراب العام الناتج عن حالة اللايقين بشأن المستقبل ومصير الغرب. وذلك انطلاقاً من أن العديد من التحديات الأمنية الراهنة مرتبطة بانسحاب الغرب وتراجع قيمه، هذا إلى جانب فقدان الغرب لبوصلته وماهيته وغموض تعريفه لنفسه وانحسار البعد القيمي لديه في علاقاته الدولية وافتقاره لـ “رد من منظور غربي” للتحديات التي يواجهها. يرتد هذا الغموض على عدم اتضاح إلى أي مدى يمكن للغرب أن يجد استراتيجية ورد مشترك لتحديات عصر تتنافس فيه القوى الكبرى، والتي قد تكون أكبر تحد استراتيجي للشراكة عبر الأطلسي. انطلاقاً من ذلك، سيوفر مؤتمر ميونيخ للأمن فرصة رئيسية ليس فقط لمناقشة حالة السلام الدولي والأمن، ولكن أيضا لإعادة النظر في المشروع الغربي على وجه الخصوص.

ومن خلال تكريس التقرير هذا العام إلى الأزمة التي يمر بها الغرب حالياً، يشمل المحتوى نظرة عامة حول التحديات الأمنية الرئيسية والتطورات الحالية للسياسة الأمنية في الصين وأوروبا وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية، فضلاً عن تحليله الديناميكيات الإقليمية في منطقة البحر المتوسط ​​والشرق الأوسط وجنوب آسيا. بالإضافة إلى ذلك، يناقش التقرير قضايا الفضاء والأمن المناخي وكذلك التهديدات التي تطرحها التقنيات الجديدة والتطرف اليميني العابر للحدود على نحو متزايد. 

مناطق الصراع

البحر المتوسط:

تناول التقرير أن الغرب قدم مساعدات للمحاولة من أجل القضاء على حالة عدم الاستقرار التي تشهدها منطقة البحر االمتوسط. كما امتد الأمر إلى محاولات احتواء الأضرار الجانبية لعدم الاستقرار، بما في ذلك الجريمة المنظمة والإرهاب والهجرة غير الشرعية، إلا أن تلك الجهود لم تسفر عن الوصول للهدف المنشود وواجهت العديد من العقبات، وصولاً لنتيجة أن النفوذ الأوروبي في الجوار الجنوبي له يتراجع. فلا تزال دول البحر المتوسط تشكل مصدراً ومسار عبور للهجرة وحوادث الغرق، وخاصة من مناطق وسط وغرب المتوسط.

وأن منذ 2011 وصعود المطالب بالتغيير في دول شمال إفريقيا، ما زالت الاقتصاديات راكدة وازدادت معدلات الفساد والبطالة. كما يمكن وصف الوضع في ليبيا بأنها أزمة ذات أبعاد سورية. ونظرًا أن الاتحاد الأوروبي يفتقر إلى “وحدة الهدف” ، فإن الغرب يتخلى تدريجياً عن تأثيره لحل الأزمة الليبية إلى أطراف وقوى أخرى. 

 الشرق الأوسط: 

أشار التقرير إلى أن الشرق الأوسط في عام 2019 شهد خطر المواجهة الإقليمية بين إيران التي كانت مركزاً لتوترات الإقليم من جانب والولايات المتحدة من جانب أخر.  وأنه على الرغم من حملة العقوبات الاقتصادية الأمريكية على إيران، إلا أن الاقتصاد الإيراني ما زال صامداً بل وامتدت إلى ممارستها نفسها لحملة ضغط على الغرب. وأن البعثة البحرية الأمريكية لتأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز انضم إليها عدد قليل من الدول، بل واطلعت فرنسا بإطلاق بعثة أوروبية منفصلة خاصة بها. 

كما تسببت الأزمة في سوريا إلى إحداث خلاف داخل الناتو وعن عدم التنسيق داخل الحلف. إلى جانب تخلى الولايات المتحدة عن حلفائها. وصولاً إلى وجود حالة من عدم اليقين بشأن دور الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. ففي الوقت الذي تم فيه خفض أعداد الممثلين الدبلوماسيين الأمريكيين والتخلي عن قواعد عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط، تزايد بيع السلاح الأمريكي وازدادات أعداد القوات الأمريكية في المنطقة.

جنوب آسيا: وقف إطلاق النار

على الرغم من وجود الإرادة والرغبة لدى الغرب لتسليم مسئولية الأمن الإقليمي إلى الفاعلين من دول جنوب آسيا، إلا أن حدة النزاعات والتنافس بين القوى الرئيسية في المنطقة بين الهند وباكستان والصين قد ازدادت بشكل مطرد في عام 2019. كما إن خطر حدوث سباق تسلح نووي يضيف عنصراً آخر إلى تدهور الوضع الأمني في إقليم جنوب آسيا. هذا إلى جانب عودة أزمة كشمير للظهور على الساحة مرة أخرى.

إن خفض عدد القوات الأمريكية في أفغانستان من شأنه أن يتسبب في انسحاب الحلفاء الآخرين في بعثة الدعم الحاسمة التابعة لحلف الناتو. وأن من شأن هذا السيناريو جعل باكستان حجر الزاوية الرئيسي للجهود المبذولة لمنع الجماعات الإرهابية العابرة للحدود من استعادة قوتها. 

كما يضيف دور الصين المتزايد في المنطقة بعداً أخر في تعقيد الوضع الأمني بجنوب آسيا. حيث يثير الممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني لمبادرة الحزام والطريق التوترات الصينية مع الهند، في الوقت الذي تعمق فيه الولايات المتحدة من علاقتها مع الهند.

القضايا 

أمن الفضاء:

يشير التقرير إلى أن استكشاف الفضاء كان دائمًا مرتبطًا بالجغرافيا السياسية والمصالح العسكرية. ونتيجة لخفض تكاليف الإنتاج، ازداد عدد الأقمار الصناعية بأكثر من الثلثين منذ عام 2015، وأصبح الفضاء مجال تعتمد عليه جميع الدول ويتطلب التعاون لاستخدامه بصورة آمنة. ومع تمكن العديد من الدول وفاعلين من دون الدولة الوصول إلى ميدان الفضاء، تزايد القلق بشأن أمن الأصول الفضائية، وخاصة العسكرية منها، وتحول القضاء لمجال للتنافس والصراع. فقد أعلن حلف الناتو أن الفضاء “مجال عملياتي” ، وكشفت الولايات المتحدة وفرنسا عن خطط “قوات فضائية مخصصة”.

وعلى الرغم من الخلاف بين الولايات المتحدة وروسيا والصين حول أساسيات الحد من الأسلحة الفضائية، إلا أن وجود تدابير لمنع اختبار  الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية يمكن أن تكون نقطة انطلاق. فهناك حاجة ماسة للعودة إلى التعاون للحفاظ على الفضاء، انطلاقاً من معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967.

الأمن المناخي:

ذكر التقرير أن الجهود المبذولة للحد من ظاهرة الاحتباس الحراري قد فشلت حتى اللحظة الراهنة، مشيراً إلى أن التغير المناخي يمثل تحدي أمني للعديد من الشعوب. فقد أسهم التغير المناخي بصورة أكبر بكثير من النزاعات المسلحة في زيادة حالات النزوح الداخلي في أرجاء العالم. ومن المتوقع أن يؤدي تأثير التغير المناخي إلى زيادة حالات النزاع المسلح داخل الدول وفيما بينها. إلا أن هدف الوصول لخفض درجات الحرارة بمقدار 1.5 درجة مئوية لا يزال ممكنا، الأمر الذي  يتطلب انخفاض الانبعاثات بنسبة 7.6 % في العالم كل عام من الآن وحتى عام 2030. 

التطرف اليميني:

أشار التقرير إلى أن التطرف اليميني لم يحظى بنفس القدر من الاهتمام مقارنة بالموارد الهائلة التي تم تكريسها في الحرب ضد الإرهاب الجهادي. فقد تسبب التطرف اليميني في مقتل مواطنين في الولايات المتحدة أكثر من الإرهاب الجهادي. 

يستغل اليمين المتطرف حالة “الخوف” من التغيير الديموغرافي والاجتماعي والاقتصادي، والتي عززتها الأحزاب القومية اليمينية المتطرفة. وعلى هذا النحو، يعتبر التطرف اليميني جزءًا من مشكلة تآكل نسيج الديمقراطيات الليبرالية الغربية من الداخل.

وعلى الرغم من أن معظم المتطرفين اليمينيين يدبرون هجماتهم بمفردهم، إلا أنهم يندمجون بشكل متزايد في شبكات عابرة للحدود، معتمدة على شعور قوي بالهوية المشتركة، استنادًا إلى الإيمان بتفوق العرق الأبيض. ويلعب الإنترنت دورًا رئيسيًا في تدعيم الفكر المتطرف، من حيث تفوق المتطرفين اليمينيين عن الجهاديين في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، والاعتماد بصورة كبيرة على منصات الإنترنت للتواصل ونشر أفكارهم.

التكنولوجيا والابتكار:

تطرق التقرير إلى أن النقاش حول التكنولوجيا يستلزم حالياً ربطه بقضية سيادة الدولة. وترى أوروبا أن وضعها الاقتصادي يواجه تحديات متزايدة من قبل قوى عالمية أخرى كالصين والولايات المتحدة. إلى جانب خسارتها لما يقارب 50% من مقار الشركات الرائدة في العالم على أراضيها.

انطلاقاً من ذلك، تحتاج أوروبا إلى نهجها الخاص للابتكار وتحفيز الشراكة والتعاون بين القطاعين العام والخاص خاصة في قطاعات الأمن والدفاع والفضاء. 

Scroll Up