علي عكس الشائع، لم تبدأ معارك ادلب في ديسمبر من العام الماضي.. بل بدأت في إبريل من ذات العام، وبالتزامن مع إطلاق الجيش الوطني الليبي معركة “طوفان الكرامة” لتحرير العاصمة طرابلس من سيطرة الميلشيات المسلحة الموالية لتركيا.

أشار التزامن لاحتمالية التنسيق بين بعض الفواعل الإقليمية والدولية المنخرطة في ميدان الحرب بليبيا وسوريا؛ كون المستهدف واحد.. وهي تركيا ووكلائها من التنظيمات المسلحة التي باتت تنشط الآن في مساحة لا تقل عن 1000 كم2 من الأراضي العربية، وتسيطر في أحيان علي عواصم عربية كطرابلس الليبية، وتنتشر في جيوب عسكرية ضيقة في مناطق هامة استراتيجياً كإدلب، ومدن وبلدات الشريط الحدودي السوري – التركي حتي غرب الفرات وبعمق يصل لـ 40 كم، فضلاً عن أجزاء من شمال العراق.

إلا أن العمليات الهجومية للجيش السوري في إدلب، تعطلت من الفترة الممتدة بين إبريل وديسمبر من العام الماضي، على إثر تواتر المحاولات بين الجانبين الروسي والتركي لإبقاء مخرجات أستانا وسوتشي على قيد الحياة، في الوقت الذي تنصلت فيه تركيا من التزاماتها بنزع سلاح التنظيمات المسلحة ولاسيما تلك المرتبطة بالقاعدة، ووصول الصبر الروسي علي الرئيس التركي أبعد مراحله.

الجدير بالذكر أن اتفاقات أستانا وسوتشي، جاءت لتكن البديل الروسي لعمليات التسوية السياسية للأزمة السورية بعيداً عن مسارات جينيف. وكذا جاءت بصورة تكميلية لبعضها البعض، فمسار أستانا وضع اتفاق مناطق خفض التصعيد في 2017، ومسار سوتشي وضع خطط الفصل بين القوات في 2018، وبرامج نزع السلاح الثقيل من التنظيمات المسلحة، والإثنين (أستانا – سوتشي)، جاءا بالأساس لمنع الاشتباك المباشر في سوريا بين (تركيا – إيران) من جهة، و(روسيا – تركيا) من جهة أخري. وذلك بعد أن دفعت جغرافيا الصراع بالثلاثي السابق، للوقوف أمام نقاط تماس جابت الميادين السورية. 

كأحجار الدومينو، انهارت الاتفاقات والبروتوكولات الأمنية بين هيئة الأركان الروسية – السورية ” المعنية بتنفيذ اتفاقات ومخرجات أستانا وسوتشي في الميدان”، وبين وتركيا،  في الفترة الممتدة من 2017 حتي ديسمبر 2019، وذلك نتيجة نقطتين رئيسيتين:

  • عدم التزام تركيا بتعهدات “سوتشي”، ونزع السلاح الثقيل من التنظيمات المسلحة في إدلب وخاصة سلاح “هيئة تحرير الشام”، جبهة النصرة سابقاً.

حيث شنت التنظيمات المسلحة العديد من الهجمات الكبرى النوعية ضد وحدات الجيش السوري وخرقت اتفاقات عديدة للهدنة، كما زودت تركيا بعض الفصائل المرتبطة بأجهزة استخباراتها بأسلحة نوعية كصواريخ التاو المضادة للدروع والأفراد، لتعزيز مواقعها الدفاعية.

كما يظهر التسجيل المصور التالي استخدام صواريخ التاو ضد الأفراد.

 فضلاً عن تحويل المناطق التي تقع ضمن سيطرة التنظيمات المسلحة لمنصات انطلاق هجمات الطائرات المسيرة علي الأهداف الروسية في قاعدتي حميميم وطرطوس.

  • استمرار تحول إدلب لنقطة إيواء للعناصر المسلحة القوقازية التي تعمل روسيا علي تصفيتهم قبل معاودة تدويرهم مرة آخري لتهديد مناطق في الحرم الأمني الروسي.

إذ تنشط في إدلب، واحدة من أخطر الجماعات المسلحة الغير نمطية، “ملحمة تاكتيكال”، وهي النسخة الإسلاموية من “بلاك ووتر” الأمريكية. قوامها القيادي الأساسي يتكون من عسكريين سابقين عملوا في جمهوريات الاتحاد السوفيتي، ومنهم مظليين سابقين  لدي القوات الخاصة الروسية.

تُقدم “ملحمة تاكتيكال”، خدمات رفع القدرة القتالية لعناصر النخبة في التنظيمات المسلحة الأخرى، وتدريبهم علي أحدث تكتيكات القتال في حروب العصابات، وتنفيذ الاغتيالات، وأعمال التصفية الميدانية، والقنص، واستخدام المفخخات لفتح الثغرات في الخطوط الدفاعية، فضلاً عن تدريب عناصر “الانغماسيين” علي اقتحام النقاط الحصينة.

بدأت المجموعة بالتدريب في سوريا في عام 2015، وانطلقت رسميًا عام 2016 على يد “أبو رفيق”، الذي كان مظليًا بالقوات الخاصة في روسيا، قبل أن يقتل بقصف روسي في فبراير 2017، مع عائلته.


ومن أشهر المجموعات التي تدربها “ملحمة تاكتيكال”، القوات الخاصة التابعة لـ”هيئة تحرير الشام”، جبهة النصرة سابقاً، والمعروفة باسم “العصائب الحمراء”، التي تقاتل في جبهات ريف إدلب الجنوبي. وقُتل قائد المجموعة المعروف ”أبو سلمان البيلاروسي” في ريف إدلب الجنوبي، في 17 من أغسطس الماضي، في أثناء مشاركته في العمليات العسكرية الدائرة ضد قوات الجيش السوري، وعينت المجموعة بدلًا منه علي الشيشاني.

من النقطتين السابقتين، لم يطل الصبر الروسي علي الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، ولاسيما بعد نجاح تركيا في تنفيذ أجندتها الرامية لإبعاد وحدات قوات سوريا الديموقراطية بعيداً عن غرب الفرات، واجتياحها شمالي شرق سوريا بأقل خسائر ممكنة نتيجة اعتمادها في هجومها البري الرئيسي علي وكلائها الميلشياويين. 

أعطت موسكو الضوء الأخضر للجيش السوري لاستئناف شن عمليات هجومه الموسع على إدلب مطلع ديسمبر الفائت، وجاءت هجمات الجيش السوري بإسناد جوي روسي في أكثر من محور.

 وبدا واضحاً رغبة روسيا في السيطرة الميدانية علي شمالي غرب سوريا، وتباعاً تحجيم قدرة تركيا علي الضغط علي روسيا بملف إدلب، وخاصة بعد اتجاه الرئيس التركي لربط مسارات التصعيد العسكري فيها بما يجري في مصراته وطرابلس، ومستوي العلاقات مع أوكرانيا.

حيث توجه الرئيس التركي في زيارة سريعة لأوكرانيا، في الثالث من فبراير الجاري، وحيا حرس الشرف المصطف لاستقباله بعبارة نشأت كتحية وسط القوميين الأوكرانيين المناهضين لروسيا.

كما صرّح الرئيس التركي إن بلاده لم ولن تعترف بـ”ضم” روسيا لشبه جزيرة القرم، مشيرا إلى أن أنقرة تتابع عن كثب أوضاع أتراك القرم.

ضوء أخضر روسي .. ومعارك السيطرة علي أعصاب سوريا

الضوء الأخضر الروسي لاستئناف الهجوم السوري الموسع علي  إدلب “آخر معاقل المسلحين”، أعاد للواجهة، ديناميكيات سير كبريات المعارك، بعدما هدئت وتيرة الحرب بعد تحرير كل من تدمر، وحلب منتصف العام 2016. فالسمة الغالبة في هذه الديناميكية المفرطة للمعارك الكبرى؛ السيطرة علي الطرق الدولية وخطوط الإمداد.

وعلى إثر ذلك، زحف الجيش السوري باتجاه إدلب على امتداد طريقي (إم 4 – إم 5)، عصب المواصلات في سوريا. فهما يربطان مدينتي دمشق وحلب، وحلب باللاذقية. أي أن من يسيطر عليهما يسيطر على خطوط الإمداد المارة عبر بؤر الصراع الأخيرة في الحرب السورية.

وتوضح الصورة التالية كيف تربط وتشرف الطريقين علي خط المواجهة

وتفصيلاً، يمكننا تتبع الخريطة الميدانية التي توضح محاور زحف الجيش السوري بإسناد جوي روسي عبر طريقي (إم 4 – إم 5)، الجدير بالذكر أن مدينتي معرة النعمان وسراقب كانتا خارج سيطرة الحكومة السورية 30 ديسمبر الفائت.

منذ 30 ديسمبر الفائت وصولاً لتاريخ اليوم، نري التقدمات الميدانية الحاسمة للجيش السوري، إذ تمكن من السيطرة علي مدينتي معرة النعمان، وسراقب، خلال أسبوع واحد. الخريطة التالية بتاريخ اليوم وتوضح سيطرة القوات السورية.

في هذا التقدم الكبير، حاصر الجيش السوري أكثر من 8 مراقبة تركية، وأصبحت لأول مرة خلف خطوط الجيش السوري، بدلاً من أن كانت بعيدة عنه، ويفصل بينها وبينه عشرات الآف من العناصر المسلحة.

إذ عبّر الرئيس التركي رجب طيب إردوغان عن خطورة الأمر، وقالها صراحة، هنالك نقاط مراقبة لنا أصبحت خلف خطوط النظام السوري. ما دفع باستجابة تركية مغايرة تماماً عن أنساق التدخل التركي الميداني في مسار الحرب السورية.

فمنذ الثاني من فبراير الجاري، وحتي الآن، أدخلت تركيا نحو 1200 مركبة وآلية مدرعة، وأكثر من 5000 آلاف جندي، متوزعين علي مختلف نقاط المراقبة وكذا خلف خطوط التنظيمات المسلحة التي باتت تواجه خطراً حقيقياً إما بالتصفية الميدانية، أو الهرب باتجاه الحدود التركية.

تجدر الإشارة أن نقاط المراقبة التركية موجودة في الأراضي السورية ضمن اتفاقات أستانا وسوتشي، وتعمل كنقاط دعم لوجيستي للعمليات الرئيسية التركية في الميدان السوري، فضلاً عن أعمال المراقبة الميدانية والاستطلاع ومهام الاستخبارات. كما أن تركيا قد شرعت بإقامة 5 نقاط مراقبة جديدة لها في إدلب، منها 4 نقاط حول مدينة سراقب الهامة استراتيجيا، لتطوقها من جهاتها الأربع، ونقطة أخري في بلدة “الأتارب” بريف حلب الغربي. ليصل اجمالي عدد النقاط لـ 17 نقطة، نصفهم الآن محاصرين خلف خطوط القوات السورية.

الاشتباك الأول .. ومواجهات كاشفة

منذ مطلع فبراير، يرسل الجيش التركي تعزيزاته علي مستوي القوة المدرعة لنقاط مراقبته، إلا أن ثمة أشتباك أول قد وقع بين الجيشين السوري والتركي، كان في الثالث من فبراير، إثر قصف المدفعية السورية لأحدي نقاط المراقبة التركية وقد أدي لمقتل 8 جنود أتراك، تبعه قصف سوري آخر، الإثنين الماضي، استهدف نقطة مراقبة في مطار تفتناز بريف إدلب، وأوقع القصف السوري حسب البيانات الرسمية التركية نحو 5 جنود. فيما قال الرئيس التركي اليوم أن القصف السوري أدي لمقتل 14 وإصابة 40 من عناصر الجيش التركي.

ردت القوات التركية باستهداف عدة نقاط تابعة للجيش السوري بصورة مباشرة، فيما كان الحدث الأبرز بالأمس، اسقاط الجيش التركي لمروحية عسكرية سورية. يوضح التسجيل المصور التالي عملية الاسقاط.

وعلي قدر التصعيد المباشر الأخطر بين الجانبين السوري – التركي منذ تسع سنوات، كشف الوضع الميداني في إدلب عن ارتباط مباشر بين الجيش التركي وهيئة تحرير الشام، جبهة النصرة سابقاً، والمدرجة علي قوائم الإرهاب الدولي وكذلك قوائم الإرهاب داخل الحكومة التركية، فلأول مرة تقدم تركيا لعناصر الهيئة مدرعات وناقلات جند، ويظهر جنباً إلى جنب الضباط الأتراك مع عناصر مسلحة مصنفين كإرهابيين بقرارات حكومات تركيا –روسيا-  الولايات المتحدة- سوريا.

وعلي وقع الضربات السورية الروسية في مسرح العمليات في إدلب، كان هنالك اجتماعاً بين وفد روسي رفيع المستوي يضم شخصيات من مؤسسات عدة، الخارجية والدفاع والاستخبارات، وبين مسؤولين أتراك رفيعي المستوي في العاصمة أنقرة، واستمر ليومين دون أن يسفر عن التوصل لأي صيغة توافقية من شأنها الحد من الاشتباكات الدموية الجارية وخاصة بعد دخول جبهة النصرة بكامل قدراتها لميدان المواجهة، فكما يوضح التسجيل المصور التالي، استخدامها لأخطر أسلحتها، السيارات المفخخة للفتك بالدفاعات السورية.

كما تطور الأمر لمحاولة مهاجمة القواعد الروسية مجدداً عبر الطائرات المسيرة، حيث قال

رئيس المركز الروسي للمصالحة، اللواء يوري بورينكوف في بيان، إن وسائل الدفاع الجوي في قاعدة حميميم تصدت لهجوم جديد باستخدام طائرات مسيرة. وتابع أن التقنيات الروسية رصدت أول من أمس، طائرتين مسيرتين تم إطلاقهما من الأراضي الواقعة تحت سيطرة المسلحين في منطقة خفض التصعيد بمحافظة إدلب السورية.

وأضاف بورينكوف أن منظومة “بانتسير إس” للدفاع الجوي تصدت للهجوم الأول، القادم من جهة الشمال الشرقي، على بعد كيلومترين عن القاعدة. وتمت إصابة الهدف الثاني على بعد 6 كيلومترات عن القاعدة، الذي كان قادماً من جهة الشمال الغربي.

خاتمة

يمكن عدّ الضوء الأخضر الروسي للقوات المسلحة السورية ببدء الهجوم الموسع علي إدلب، وتقديم الإسناد الجوي المطلوب لتأمين التقدمات الميدانية وسط أشد بيئات الحرب السورية عدائية وخطورة؛ كونه ممارسة ضغوط كبيرة على تركيا وإجبارها على تحمل المسؤولية في نزع سلاح هيئة تحرير الشام وحلفائها مقابل تعهد روسي بوقف الأعمال العدائية. وذلك وفقا لمؤشرات أبرزها:

  • استباق الكرملين أمس، محادثات هاتفية بين الرئيس التركي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب إردوغان حول تطورات الوضع في إدلب، بإعلان دعم واضح لـ«استمرار عمليات الجيش السوري في المنطقة» رغم التلويح التركي بتصعيد المواجهة. وقال الناطق باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، إن موسكو «تعتبر هجمات المسلحين من إدلب أمراً غير مقبول ويجب التصدي لأي نشاط إرهابي».
  • تمهل موسكو في الاستجابة للمطلب التركي بإجراء محادثات علي المستوي الرئاسي رغم الاتصال الهاتفي الذي جري اليوم بين الرئيس الروسي ونظيره التركي.
  • تجاهل موسكو الدعوات التركية بوقف العمليات العسكرية السورية.

عادة ما تتجه تركيا للمناورة ببراغماتية بين المحور الشرقي، والغربي، كلما اتجهت دفة ميدان المعركة بعيداً عن تطلعاتها، مستغلة موقعها الجغرافي المميز، وموضعها في النظام الأمني الغربي الموجود بالأساس لتطويق روسيا وتحجيم نفوذها المتنامي. في لعبة يسودها الصبر الاستراتيجي. ولاسيما بعد تذبذب الموقف الأمريكي من النظام التركي، إذ تدعم واشنطن الموقف التركي في إدلب، حيث اعتبرت مصادر دبلوماسية في واشنطن أن التطورات الجارية في إدلب، أو ما يعرف بمنطقة خفض التصعيد، أدت عمليا إلى أن يلفظ اتفاق سوتشي أنفاسه الأخيرة، في ظل عملية “قضم ممنهجة لحصة تركيا”، من هذا الاتفاق، تمارسها روسيا وقوات النظام السوري وإيران، بشكل علني لتغيير الواقع على الأرض.

المناورات التركية شرقاً وغرباً تحدد مجالها وقائع الميدان علي الأرض ولاسيما في الفترة التي تسبق بلورة اتفاق جديد يقضي بفصل بين القوات أو هدنة مؤقتة، إذ بات واضحاً جدية اختبار القوة “الروسي – السوري”.

Scroll Up