أول انتخابات تشريعية في أيرلندا، بعد انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. شكلت نتائجها سابقة قد تعيد تشكيل الأورواق السياسية وتغير موازين المشهد السياسي. طرفاها حزب “شين فين” اليساري الذي يناضل من أجل توحيد جمهورية آيرلندا مع آيرلندا الشمالية الخاضعة للمملكة المتحدة من جهة، والحزبين الوسطيين الرئيسيين (“فين جايل” وحزب “فيانا فايل”) اللذين هيمنا على المشهد السياسي الآيرلندي منذ الاستقلال قبل نحو قرن ويحكمان البلاد بالتداول أو في إطار ائتلاف من جهة أخرى. 

وضعت نتائج الانتخابات، أيرلندا في دائرة الشعبوية التي ظهرت مع بداية الأزمة المالية العالمية في عام 2008، ومازالت تتسع دائرتها على مستوى العالم، رفضاً للأمر الواقع وفشل النخبة السياسية في حل المشكلات الاقتصادية وتحسين مستوى معيشة المواطنين. وعززت الشعبوية نفوذها بنجاح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وانتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة. 

C:\Users\marwa\Desktop\irish.PNG

تصدر حزب “شين فين” نتائج الانتخابات التشريعية، مستغلاً تأثر قطاع عريض من المواطنين بتبعات الأزمة الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة، مركزاً برنامجه الانتخابي على إصلاح أزمة الإسكان وتحسين الخدمات العامة، فمعظم الناخبين كانوا مدفوعين بالمخاوف الاقتصادية والقضايا الداخلية أكثر من البريكست أو توحيد أيرلندا، وأظهر استطلاعاً للرأي أن 32% من الناخبين قالوا أن الرعاية الصحية كانت أهم عامل في التصويت، في حين رأى 26% من الناخبين أن إصلاح أزمة الإسكان كانت الأهم. وذكر 1% فقط أن السبب هو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، على الرغم من أن هذه هي أول انتخابات منذ خروج بريطانيا من الاتحاد وهيمنت قضية البريكست على النقاش السياسي واهتمام النخبة لفترة طويلة.  

نظرياً، تُعتبر أيرلندا قصة نجاح اقتصادي “النمر السلتي” -نسبة إلى السلالة السلتية التي ينحدر منها سكان أيرلندا الحاليين- الذي حوّل نفسه من واحدة من أفقر دول أوروبا إلى واحدة من أغنى الدول، باستخدام معدلات ضريبية منخفضة لجذب الاستثمارات الأجنبية إلا إن عائدات النمو الاقتصادي لم تعود بالنفع على المواطنين. وقد أظهر أحد استطلاعات الرأي أن 63% من المواطنين لا يشعرون بأنهم أفضل حالًا. وعلى الرغم من الازدهار الاقتصادي في البلاد، فإن عدد الأشخاص الذين لا مأوى لهم ويقيمون في أماكن طوارئ سجل رقما قياسيا بلغ عشرة آلاف و514 شخصا، حسب بيانات الإسكان الحكومية. ويشكل الأطفال ثلاثة آلاف و754 من هذا الرقم الإجمالي، وفي بلد يقل عدد سكانه عن خمسة ملايين نسمة، فإن هذا الرقم يعد مرتفعا بشكل كبير.

سياسيًا، شكلت نتائج الانتخابات لحزب “شين فين” الذي لطالما وجد صعوبة في التخلص من روابطه القديمة بالعنف الطائفي الأيرلندي وعلاقاته مع الجيش الجمهوري الأيرلندي المنظمة شبه العسكرية المعارضة للوجود البريطاني في أيرلندا الشمالية ضربة قاسية لسياسة حزبي (فين جايل، فيانا فايل) السائدة في أيرلندا. فقد عاش الحزب في عزلة وصلت إلى حظر زعيمه السابق جيري آدامز وغيره من ممثلي الحزب من الظهور الإعلامي بسبب العنف المناهض للحكم البريطاني لأيرلندا الشمالية والذي استمر ثلاثة عقود حتى 1998، تاريخ توقيع اتفاق السلام المعروف باسم “اتفاق الجمعة العظيمة“. ولكن بعد عقدين من السلام وتولي “ماري لو ماكدونالد” زعامة الحزب، دعت ماكدونالد أعضاء حزبها لتجنب ترديد الشعارات السابقة والتي كان يستخدمها الجيش الجمهوري الآيرلندي. وأظهرت نتائج الانتخابات أن 32% من الشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين 18 و24 عاماً والذين ليس لديهم معرفة بتاريخ العنف في آيرلندا قد صوتوا لصالح شين فين، مقارنة بأكثر من 12% ممن تجاوزوا 65 عاما لم يصوتوا لصالح الحزب.  

هل ستتأثر بريطانيا بنتائج الانتخابات؟

سيكون لمشاركة حزب “شين فين” في حكومة أيرلندا تأثيراً كبيراً على مستقبل المملكة المتحدة وبريكسيت، وستكون آيرلندا أقل حرصًا على مساعدة رئيس الوزراء البريطاني “بوريس جونسون” فقد تجعل مفاوضات التجارة واستكمال إجراءات الانسحاب من الاتحاد الأوروبي أكثر صعوبة، لا سيما ما يخص الحدود بين شطري أيرلندا. وقد صرحت ماكدونالد من قبل أن من الديمقراطية إجراء استفتاء بشأن الوحدة بين الشطرين. وبعد ظهور نتائج الانتخابات، دعت ماكدونالد الاتحاد الأوروبي للعب دور في هذا السياق، وشبهت ذلك بالجهود التي بذلت لتوحيد شطري ألمانيا في السابق.    

ومع تقديرات بأن بريكست وما ينص عليه اتفاق الخروج من وضع خاص لشمال أيرلندا داخل الاتحاد الأوروبي الجمركي، قد يدفع الشطر الشمالي ليقترب أكثر من جمهورية أيرلندا، وهذا الوضع قد يعزز التوجهات لدى الآيرلنديين للوحدة، بحسب استطلاع أجراه حزب المحافظين في بريطانيا، وأظهر أن نحو 45% من سكان أيرلندا الشمالية باتوا مؤيدين للوحدة مع جمهورية أيرلندا.   

ولكن نتائج الانتخابات ليست كافية للدفع نحو توحيد جمهورية أيرلندا مع مقاطعة أيرلندا الشمالية البريطانية، على الرغم من أن حزب “شين فين” لم يعلن صراحة في برنامجه الانتخابي أنه يريد إجراء استفتاء بشأن الحدود، وحتى إذا قرر الحزب ذلك فإن القرار لا يعود له منفرداً، حيث ينص “اتفاق الجمعة العظيمة” على أن التصويت لتوحيد أيرلندا الشمالية لا يمكن أن يدعو إليه إلا وزير خارجية أيرلندا الشمالية، وهو وزير بالحكومة البريطانية، وموافقة سكانها على الاستفتاء. وإذا دخل “شين فين” في الحكومة ، فمن المحتمل أن يدفع باتجاه عدد من التطورات، بما في ذلك الدعوة لتغيير دستوري، وإعداد ورقة استشارية حول الوحدة الأيرلندية وتعيين وزير مسؤول عن التخطيط للوحدة. ويدرك حزب “شين فين” أنه من الخطأ الاستراتيجي أن يدفع في اتجاه التعجيل بعقد استفتاء، نظرا لمخاطر تجدد العنف في آيرلندا الشمالية. لكنه يدرك أيضا أنه لا يمكنه أن يجازف بوصمه خائنا للقومية الآيرلندية.  

لقد تأسيس حزب “شين فين” عام 1905، وله نشاط سياسي في آيرلندا الشمالية منذ عقود، ولكنه رفض شغل مقاعد في البرلمان البريطاني. ومع ذلك، عندما تولت “ماري لو ماكدونالد” منصب الرئيس، ضاعف الحزب جهوده لكسب النفوذ في لندن وفي السياسة والإعلام البريطاني. وفي حين عملا حزبي فيانا فايل و فاين جايل لعقود مع حزب المحافظين، فإن حزب “شين فين” لم يفعل ذلك، لأن هدفه طويل الأمد المتمثل في عودة أيرلندا الموحدة من شأنه أن يحطم المملكة المتحدة. لذلك يشير بعض المراقبين إلى عدم ترحيب داوننج ستريت بهذه النتيجة.

مستقبل التحالف الحزبي

حل حزب “شين فين” ثانيًا مع 37 مقعدا، مقابل 38 مقعدا لحزب “فيني فيل”. وهذه النتيجة تجعل “شين فين”، المحسوب على اليسار، شريكا محتملا في أي مفاوضات لتشكيل الحكومة الجديدة، رغم استبعاد الحزبين الكبيرين مشاركته في الحكم. وفي حال عدم قدرة الأحزاب على التعاون معاً، وهو ما حدث من قبل في عام 1982، حيث نجح حزب فيانا فيل في تشكيل حكومة بعد الانتخابات – في فبراير – لكنها انهارت بعد بضعة أشهر، وتم إعادة الانتخابات مرة أخرى في نوفمبر، وتولى فاين جايل السلطة مع حزب العمل. ولكن في هذه المرة سيتجنب حزبي فيانا فيل وفاين جايل إعادة الانتخابات، فمن المتوقع أن يحصل شين فين على نتائج أفضل في حال الإعادة.

ويسعى حزب “شين فين” للتواصل مع أحزاب اليسار الأخرى لتشكيل أغلبية قادرة على تشكيل حكومة (80 مقعدا على الأقل من أصل 160). وقد أعلنت بعض الأحزاب بالفعل رغبتها في التعاون معه مثل حزب (الخضر، العمال، الاشتراكيين الديمقراطيين، والتضامن)، لكن قرار الحزب يجب أن يكون جماعياً، وإذا أراد فرد ما القيام بذلك، فسيتعين عليه مغادرة الحزب. ومع ذلك، حتى لو دعم كل حزب مستقل حزب شين فين ، فإنهم سيحصلون على أقل من 80 مقعدًا، وهو عدد غير كافي لتشكيل حكومة مستقلة.

Scroll Up