في مقالة على موقع مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي تناول الكاتب Jonathan Masters الحديث عن معضلة الوضع الأوكراني الراهن، فما بين السعي في مسار المقاربة مع الغرب مع أوروبا والولايات المتحدة أ و التقارب مع موسكو في الشرق، أو النضال من أجل صياغة طريق مستقل، تبدو كييف في مفترق طرق.
يوضح الكاتب أن أوكرانيا لعبت دوماً دوراً مُهماً في نظام الأمن العالمي، واليوم تبدو كييف غنيمة كبرى لمنافسات القوى العظمى التي تسعى للهيمنة على النظام الدولي في العقود المقبلة.
وبدافع من العديد من العوامل، تسبب العدوان الروسي لأوكرانيا في أكبر أزمة أمنية في أوروبا منذ الحرب الباردة. وفي حين اتخذت الولايات المتحدة وحلفاؤها إجراءات عقابية كبيرة ضد روسيا، إلا أنهم لم ينجحوا في إحراز تقدم كبير في مساعدة كييف على استعادة سلامتها الإقليمية.

أهمية أوكرانيا الجيوستراتيجية

يقول الكاتب إن أوكرانيا كانت حجر الزاوية في الاتحاد السوفيتي، وكانت أقوى حليف مع روسيا ضد الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة. وكانت ثاني أكبر جمهوريات الاتحاد السوفيتي من حيث عدد السكان، حيث كانت تضم كثيرا من الإنتاج الزراعي والصناعات العسكرية الدفاعية للاتحاد السوفييتي، بما في ذلك أسطول البحر الأسود وبعض الترسانات النووية. كانت أوكرانيا حيوية للغاية بالنسبة للاتحاد إلى درجة أن قرارها بقطع العلاقات في عام 1991 كان بمثابة انقلاب على القوة العظمى المريضة حينذاك.
وخلال ما يقرب من ثلاثة عقود من الاستقلال، سعت أوكرانيا إلى صياغة طريقها كدولة ذات سيادة تتطلع إلى الانحياز بشكل كبير مع المؤسسات الغربية، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي ومنظمة حلف شمال الأطلسي (ناتو). ومع ذلك، كافحت كييف لموازنة علاقاتها الخارجية والتغلب علي الخلافات الداخلية العميقة. من جانبهم دعم عدد كبير من سكان أوكرانيا الناطقين باللغة الأوكرانية في الأجزاء الغربية من البلاد تكاملًا أكبر مع أوروبا، في حين أن سكان الشرق الناطقين بالروسية يحبذون إقامة علاقات أوثق مع روسيا.
وفي عام 2014 أصبحت أوكرانيا ساحة للمعركة عندما ضمت روسيا شبه جزيرة القرم وبدأت تسليح وتحريض الانفصاليين في منطقة دونباس في جنوب شرق البلاد. وكان استيلاء روسيا على شبه جزيرة القرم هي المرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية التي تضم فيها دولة أوروبية أراضي من دولة أخرى. ولقي نحو 14 ألف شخص حتفهم في الصراع، في مشهد بدا أنه الأكثر دموية في أوروبا منذ حروب البلقان في التسعينيات.
الصراع كان بمثابة تحول واضح في البيئة الأمنية العالمية من نظام أحادي القطبية تهيمن عليه الولايات المتحدة إلى نظام متعدد الأقطاب بين القوى العظمى.

محددات المصالح الروسية تجاه أوكرانيا

يوضح الكاتب أن لروسيا روابط ثقافية واقتصادية وسياسية عميقة مع أوكرانيا، إذ تُعد أوكرانيا دولة مركزية لهوية روسيا ورؤيتها لنفسها في العالم، وهناك مُحددات تبرر تحدد الاهتمام الروسي الكبير بأوكرانيا ومنها:
العلاقات التاريخية. لدى روسيا وأوكرانيا روابط عائلية قوية تعود إلى قرون. حيث يُشار أحيانًا إلى العاصمة الأوكرانية كييف بأنها “أم المدن الروسية”، مثل موسكو وسانت بطرسبرغ. وفي القرنين الثامن والتاسع انتقلت إليها المسيحية من بيزنطة ومنها استخلص الروس والأوكرانيون والبيلاروسيون نسبهم.
ومن بين اهتمامات روسيا بكييف أيضاً دافعها للحفاظ علي رفاهية ما يقرب من ثمانية ملايين مواطن أوكراني من أصل روسي يعيشون في أوكرانيا، معظمهم في الجنوب والشرق. وتري موسكو أن واجبها هو حماية هؤلاء الناس وتتخذ ذلك ذريعة لأعمالها في أوكرانيا.
صورة موسكو كقوة عظمي. بعد الانهيار السوفيتي، نظر العديد من السياسيين الروس إلى أن الطلاق مع أوكرانيا كان خطأ تاريخي وما كان له أن يحدث، إذ يُمثل تهديد لمكانة روسيا كقوة عظمى. وينظر الكثيرون إلى فقدان قبضة موسكو على أوكرانيا، وتركها تقع في المدار الغربي، بمثابة ضربة كبرى لمكانة روسيا الدولية.
شبه جزيرة القرم. كان الزعيم السوفيتي نيكيتا خروتشوف قد نقل السيطرة علي شبه جزيرة القرم من روسيا إلى أوكرانيا في عام 1954 لتعزيز “العلاقات الأخوية بين الشعبين الأوكراني والروسي. وتُعد شبه جزيرة القرم والتي بها “مدينة سيفاستوبول” هي موطن لأسطول البحر الأسود الروسي، وهي قوة بحرية روسية مهيمنة في المنطقة.
التجارة. تعد روسيا أكبر شريك تجاري لأوكرانيا، على الرغم من أن هذا الرابط قد ذبل وتراجع في السنوات الأخيرة. بعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، وكانت روسيا تأمل في جذب أوكرانيا إلى سوقها الموحدة “الاتحاد الاقتصادي الأوروبي الآسيوي”، والذي يضم أرمينيا وبيلاروسيا وكازاخستان وقرغيزستان إضافة لروسيا.
الطاقة. أمدت أوكرانيا موسكو بمعظم الغاز الأوكراني حتى ضم القرم، وبعد ذلك تراجعت الواردات ثم توقفت بالكامل في عام 2016. ومع ذلك، لا تزال روسيا تعتمد على خطوط الأنابيب الأوكرانية لضخ الغاز إلى عملائها في وسط وشرق أوروبا. في أوائل عام 2020، كانت روسيا على وشك الانتهاء من خط Nord Stream 2، وهو خط أنابيب للغاز يمر عبر بحر البلطيق، ورغم تحذير البعض من أنه قد يؤثر بالسلب على أوكرانيا. إلا أنه تم التعاقد مع روسيا لمواصلة نقل الغاز عبر أوكرانيا لعدة سنوات أخرى.

دوافع التحركات الروسية في أوكرانيا


يختلف البعض حول دوافع روسيا من عدوانها علي أوكرانيا، بعض المحللين يرون أن توسيع الناتو في فترة ما بعد الحرب الباردة جعل روسيا تنظر له بقلق بالغ. ففي عام 2004 أضاف الناتو سبعة أعضاء، وضم في ذلك جمهوريات البلطيق السوفياتية السابقة إستونيا ولاتفيا وليتوانيا. وبعد أربع سنوات، عندما أعلن حلف شمال الأطلسي عن عزمه ضم أوكرانيا وجورجيا إلى الحلف في المستقبل، أوضحت روسيا أن الناتو قد تم تجاوز الخط الأحمر وبات يهدد مجالها الجيوستراتيجي بشكل كبير.

وفي الأسابيع التي سبقت قمة حلف شمال الأطلسي عام 2008، حذر الرئيس فلاديمير بوتين الدبلوماسيين الأمريكيين من أن الخطوات الرامية إلى ضم أوكرانيا إلى الحلف “ستكون عملاً عدائيًا تجاه روسيا”. وبعد أشهر، دخلت روسيا في حرب مع جورجيا، وبدا أن بوتين يسعي لاستخدامه القوة لتأمين مصالح بلاده.
علي الجانب الأخر، يجادل بعض الخبراء بأن العامل الاكبر وراء سعي بوتين للتدخل في أوكرانيا ليس سعي الناتو لتوسيع نفوذه وضم دول أخري إذ أن بعد عام 2008 تراجع اهتمام الحكومات الغربية بضم دول أخري للناتو ، ورأو ان العامل الأكبر وراء تدخل روسيا كان خوف بوتن من فقدان شعبيته في الداخل، خاصة بعد اندلاع الاحتجاجات التاريخية المناهضة للحكومة في روسيا في أواخر عام 2011. وادعى بوتين أن أمريكا تغذي هذه الاضطرابات. واستغل هذا الأمر لحشد تأييد سياسي داخلي له. واختار التدخل في أوكرانيا. سعياً منه لتحقيق انتصار خارجي يُكسبه شعبية في الداخل. وهو ما اتضح بعد ذلك، حيث ارتفعت شعبية بوتين بنسبة تجاوزت ال 80% بعد ضم شبه جزيرة القرم.

دوافع تأجيج الأزمة

كانت علاقات أوكرانيا مع الاتحاد الأوروبي هي التي أدت إلى توتر العلاقات مع روسيا. في أواخر عام 2013، ألغى الرئيس يانوكوفيتش، تحت ضغط من موسكو، اتفاقيات اقتصادية كان مُخطط أن توقعها أوكرانيا مع الاتحاد الأوروبي. كانت روسيا في نفس الوقت تضغط على أوكرانيا للانضمام إلى الاتحاد الاقتصادي الأوروبي الآسيوي. واعتبر العديد من الأوكرانيين القرار بمثابة خيانة من قبل حكومة وصفوها بال “فاسدة والموالية لروسيا”، وأشتعلت الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد وفي الميدان الأوروبي في كييف.
أدت هذه المظاهرات إلي عزل الرئيس يانكوفيتش ما أثار غضب بوتين، وأعتبر عزل الرئيس “انقلابًا فاشلاً” مدعومًا من الغرب ويهدد الأغلبية الروسية العرقية في القرم. وردا على ذلك، أمر بوتين بغزو شبه جزيرة القرم. وبرر بوتين التدخل قائلاً إن الغرب قد تجاوزا الخطوط الحمراء.

الأهداف الروسية في أوكرانيا


تسعي روسيا في ظل حكم بوتين لاستعادة قوتها ومكانتها السابقة. كان هدف بوتين دائمًا إعادة روسيا إلى وضع القوة العظمى مرة أخري في شمال أوراسيا.
من خلال الاستيلاء على شبه جزيرة القرم، عززت روسيا سيطرتها بضمان موطئ قدم لها على البحر الأسود. بوجود تواجد عسكري أكبر وأكثر تطوراً هناك، ما يسمح لروسيا بنشر قوات أكثر في منطقة البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث كان لها تأثير محدود علي تلك المناطق. وفي الوقت نفسه، في الجنوب، تعمل روسيا على تعزيز علاقاتها العسكرية والحفاظ علي مصادر لطاقة مع تركيا، وهي قوة أخرى على البحر الأسود.
أولويات الولايات المتحدة الأمريكية في أوكرانيا
ويُضيف الكاتب، أنه وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، كانت أولوية واشنطن الدفع باتجاه مصادرة الترسانة النووية لكلاً من أوكرانيا وبيلاروسيا وكازاخستان. في الوقت نفسه، سارعت الولايات المتحدة لدعم الديمقراطية المهزوزة في روسيا. وشعر بعض المراقبين البارزين في ذلك الوقت أن الولايات المتحدة كانت مُتسرعة في هذه الخطوة مع روسيا، وأنه كان ينبغي لها أن تعمل أكثر على تعزيز التعددية الجيوسياسية وبلورة علاقات قوية مع بقية دول الاتحاد السوفيتي السابق.
وفي عام 1994، وصف مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق في الشؤون الخارجية، زبيغنيو بريجنسكي أوكرانيا قائلاً “عندما تكون كييف مستقرة وديمقراطية فإنها تُمثل ثقل موازن موازِ لروسيا، وطالب بلاده أن تعمل في هذا الاتجاه وان يكون ذلك محور الاستراتيجية الكبرى الجديدة للولايات المتحدة بعد الحرب الباردة. وأضاف أن روسيا بدون أوكرانيا لن تكون إمبراطورية كبري، لكن في حالة وجود علاقات طيبة بين اوكرانيا وروسيا تصبح روسيا تلقائيًا إمبراطورية ومصدر خطر كبير في النظام الدولي”.
وفي الأشهر التي تلت نشر مقال بريجنسكي، تعهدت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وروسيا عبر استفتاء بودابست باحترام استقلال أوكرانيا وسيادتها في مقابل أن تصبح دولة غير نووية.
بعد عشرين عامًا، عندما استولت القوات الروسية على شبه جزيرة القرم، أعتبر الأمريكان والأوروبيين الغربيين سيادة أوكرانيا أولوية عليا في السياسة الخارجية لهم. وتتمثل المصالح الرئيسية الأخرى للولايات المتحدة في أوكرانيا في القضاء على الفساد، وتعزيز سيادة القانون، وتشجيع خصخصة الشركات المملوكة للدولة، وخاصة في قطاع الطاقة. وكانت إعادة تنظيم شركة نفت وجاز، عملاق الغاز الطبيعي الذي تديره الدولة، التي تُعد محط تركيز رئيسي في سياسة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

موقف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تجاه أوكرانيا

لا تزال الولايات المتحدة ملتزمة باستعادة وحدة أراضي أوكرانيا وسيادتها. ولا تعترف بضم روسيا لشبه جزيرة القرم، وتدعو روسيا وأوكرانيا لحل نزاع دونباس عبر اتفاقيات مينسك. هذه الاتفاقات، الموقعة في عامي 2014 و2015 بوساطة من فرنسا وألمانيا، تدعو إلى وقف إطلاق النار، وسحب الأسلحة الثقيلة، وسيطرة أوكرانيا على حدودها مع روسيا، واجراء انتخابات محلية في تلك المقاطعة.
وقبل الأزمة، كانت أوكرانيا الوجهة الأولى للمساعدات الخارجية الأمريكية، حيث كانت تتلقى في المتوسط أكثر من 200 مليون دولار سنويًا. ورداً على ما اعتبرته الولايات المتحدة عدواناً روسياً علي أوكرانيا، عززت واشنطن دعمها لكييف، حيث قدمت أكثر من 600 مليون دولار سنويًا في مجال التنمية والمساعدات الأمنية. إضافة لتزويد القوات الأوكرانية بالتدريب والمعدات، بما في ذلك بنادق القناصة وقاذفات القنابل اليدوية ومعدات الرؤية الليلية والرادارات وصواريخ جافيلين المضادة للدبابات.
واتخذت الولايات المتحدة وحلفاؤها أيضًا إجراءات انتقامية ضد روسيا بسبب أعمالها في أوكرانيا. فرضت واشنطن عقوبات على مئات الأفراد الروس، وكذلك عقوبات علي الاقتصاد الروسي، شملت قطاعات الدفاع والطاقة والمالية. كما فرض الاتحاد الأوروبي ودول مثل أستراليا وكندا واليابان عقوبات مماثلة. أيضاً تم تجميد عضوية روسيا في مجموعة الثماني في 2014 بسبب تدخلها في الأزمة الأوكرانية وضم شبه جزيرة القرم.
في أواخر عام 2019، فرضت واشنطن عقوبات على الشركات المشاركة في بناء خط الأنابيب. Nord Stream 2الذي سينقل الغاز إلي أوروبا.

Scroll Up