من الأعراض الجانبية للوضع الميليشياوي القائم حالياً في طرابلس، التناقضات المستمرة في المواقف المعلنة من جانب الأجسام السياسية والميدانية الموجودة داخل العاصمة، وذلك بسبب تعدد هذه الأجسام، والتعارض بينها وبين بعضها، وعدم الانضباط الذي يعتبر من السمات الرئيسية للعمل السياسي والعسكري في العاصمة منذ سنوات.

أخر هذه التناقضات، كان تصريح رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق فائز السراج، خلال مؤتمر صحفي في طرابلس، قال فيه أن إغلاق حقول النفط الليبية تم بأياد القبائل الليبية وقرارها، محذراً من تبعات ذلك. وهذا التصريح يناقض بشكل صارخ، ما قاله منذ بضعة أيام، مندوب ليبيا الدائم في الأمم المتحدة طاهر السني، أثناء كلمته في اجتماع للأمم المتحدة، وفيها صرح بشكل واضح، أن من يغلق حقول النفط الليبية هم مرتزقة سودانيون!

حديث كل من السراج والسني عن النفط الليبي والإقتصاد، يحمل في حد ذاته مفارقة أخرى، فبعد التفاصيل العديدة التي تم الكشف عنها، حول سبل تمويل عمليات إستقدام وإعاشة الآلاف المرتزقة السوريين، وكذا تمويل شراء ونقل الأسلحة التركية بمختلف أنواعها عبر الرحلات المدنية الجوية والبحرية، لم يعد الحديث مستساغاً على المستوى الشعبي الليبي، حديث هؤلاء عن النفط والإقتصاد.

مسار جنيف السياسي، وما سبقه من مسارات ومؤتمرات في برلين وباليرمو وباريس وأبو ظبي والصخيرات، حملت مواقف حكومة الوفاق منها جميعاً مفارقات كبيرة، تتعلق بحقيقة مواقفها من المشاركة في هذه المسارات، وجديتها في التعاطي مع نتائجها ومتطلباتها. مسار جنيف ومخرجات مؤتمر برلين، لم تكن خارج هذه القاعدة. فكل من حكومة الوفاق والمجلس الأعلى للدولة، يتحدثان بشكل يومي عن رغبتهما في المشاركة في هذه المسارات، لكن تخرج بشكل دائم تصريحات لأقطابهما، تحاول إيصال معنى معاكس تماماً لهذه الرغبة. 

أخر هذه التصريحات كان ما قاله رئيس المجلس الأعلى للدولة، والقيادي الإخواني المستقيل (أسمياً) خالد المشري، الذي تحدث لأحدى القنوات القطرية، مؤكداً على (عدم تعويل مجلسه كثيراً على المسار السياسي)، و(عدم ثقة مجلسه في الأطراف الدولية لحل الأزمة الليبية)، وإشتراط مجلسه حدوث تقدم في مباحثات المسار العسكري، كي يشارك في مباحثات المسار السياسي .

مفارقة اخرى تتعلق بالشأن العسكري، وهو ملف المرتزقة السوريين المتواجدين في طرابلس، فقد نفت معظم مكونات حكومة الوفاق والمجلس الأعلى للدولة، تواجد هؤلاء داخل طرابلس، إلا أن عضو المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق أحمد معيتيق، أقر في حديث صحفي لجريدة الواشنطن بوست، أن حكومة الوفاق قبلت تلقى المساعدة من المقاتلين السوريين، بعد أن أحجمت الولايات المتحدة عن مساعدتها، وهو إعتراف سبقه فيه رئيس المجلس الرئاسي للحكومة فائز السراج، خلال تصريحات تلفزيونية منتصف الشهر الماضي.

بالطبع موضوع الهدنة الحالية في طرابلس يعد من أهم ملامح تناقضات الأجسام السياسية والعسكرية في طرابلس، ففي ظل تصريحات عديدة من جانبها حول التزامها بالهدنة ورغبتها في تحولها إلى وقف دائم لإطلاق النار، يستمر تدفق المرتزقة والأسلحة النوعية، مضافاً أليه المحاولات اليومية من جانب ميليشيات الوفاق للتقدم في المحاور الجنوبية للعاصمة والشرقية لمدينة مصراتة, حتى على مستوى التصريحات، نجد بعضها يصل إلى حد التطرف في الدعوة إلى عودة المعارك مرة أخرى. مثال لهذه التصريحات هو ما كتبه الناطق بما يسمى مكتب الإعلام الحربي لعملية بركان الغضب (عبد المالك المدني)، في حسابه على موقع (فايسبوك)، مطالباً قائد ما يسمى غرفة العمليات المشتركة (أسامة الجويلي)، بقصف مدينة ترهونة بصواريخ الغراد.

أحد القياديين في ميليشيات الوفاق (حميد عيسى)، كتب أيضاً في موقع (فايسبوك)، مطالباً الكتائب التابعة لحكومة الوفاق، بالتوجه إلى مدينة مسلاتة، فتح محور قتالي يستهدف مدينة ترهونة.

اجتماعات متتالية في برلين … بحثاً عن نقطة إنطلاق للمسار السياسي

نشاط دبلوماسي كبير شهدته مدينة ميونيخ الألمانية، سواء خلال فعاليات مؤتمر ميونيخ للأمن، أو خلال اجتماعات اللجنة الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار في ليبيا، والتي أُقيمت اليوم، بمشاركة ممثلين عن الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا ومصر وإيطاليا والإمارات. شهدت هذه الاجتماعات، جملة من المواقف المهمة، منها تصريحات وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، التي دعا فيها صراحة تركيا إلى احترام مخرجات مؤتمر برلين بشأن ليبيا. كذلك أكد على هذا المعنى وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان آل سعود، الذي أعلن في تصريحاته على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن، رفض بلاده للتدخل الخارجي التركي في الأزمة الليبية.

وزير الخارجية المصري سامح شكري، عقد سلسلة من اللقاءات على هامش اجتماعات ميونيخ، وأكد في تصريحات صحفية على الموقف المصري الداعم لخرجات مؤتمر برلين، ومسارات جنيف المنبثقة عنه، لكن كان له تصريح لافت، عبر فيه عن قناعة مصر بضرورة إعادة تشكيل المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق في طرابلس، ليضمن تمثيل كل أطياف الشعب الليبي، وحذر من محاولات بعض التيارات السيطرة على مجريات اجتماعات المسار السياسي، التي سيتم عقدها في جنيف بالسادس والعشرين من فبراير الجاري.

Scroll Up