مع تطور وسائل التواصل الاجتماعي، وتزايد تأثيرها محليا واقليميا ودولياً في كافة المناحي الحياتية من ثقافية واجتماعية وسياسية، شهدت الأنظمة السياسية تطورا وتغييرا لعبت فيه الوسائط الاجتماعية دورا كبيرا نحو قيام الثورات وتغيير الحكومات، إلى جانب التلاعب بالانتخابات.

 ولعل ما شهدته انتخابات الولايات المتحدة كما أشارت تقارير وسائل الإعلام مثالا واضحا على دور تلك الوسائل في عملية التضليل التي يقوم بها السياسيون من أجل الحصول على الأصوات الانتخابية، وهو ما رصدته دراسة قام بها “معهد أكسفورد للأنترنت” التابع لجامعة اكسفورد الدولية بعنوان “استخدام النظام العالمي لاستراتيجيات التضليل بالتلاعب بوسائل التواصل الاجتماعي في عام 2019”.

راقبت الدراسة  النظام العالمي خلال السنوات الثلاث الماضية وكيف تم التلاعب بوسائل التواصل الاجتماعي من قبل الحكومات والأحزاب السياسية، وأظهر التقرير من خلال دراسة اتجاهات الدعاية الالكترونية واستخدام الأدوات والقدرات والاستراتيجيات والموارد الناشئة، ارتفاع عدد الدول التي اعتمدت على تلك الاستراتيجيات إلى 70 دولة مقارنةً بـ 48 دولة في عام 2018، و28 في عام 2017، واستخدم على الأقل حزب سياسي واحد أو وكالة حكومية أسلوب الدعاية المضللة عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتشكيل المواقف العامة محلياً، وتناولت الدراسة “دراسة حالة” عن تراجع الحريات في قطر إلى جانب انخراطها في حرب دعائية ضد الدول العربية عبر الإنترنت، وما قامت به جماعة الإخوان المسلمين من الدعايات المضللة ضد النظام المصري.

لماذا تستخدم الدول الدعاية المضللة عبر وسائل التواصل الاجتماعي؟

أوضحت الدراسة أن ما أسمته بالأنظمة الاستبدادية في 26 دولة تستخدم تلك الأساليب الدعائية من أجل التحكم في المعلومات التي تصل للجمهور بثلاث طرق مختلفة، من أجل “قمع حقوق الإنسان وتشويه سمعة المعارضة السياسية ومواجهة الآراء المعارضة.”

فيما استخدمت 7 دول تلك الأساليب من أجل التأثير على الجمهور العالمي، وتغيير الصورة الذهنية لهذه الدول لدى الجمهور العالمي وهم (الصين والهند وإيران وباكستان وروسيا والمملكة العربية السعودية وفنزويلا).

الـ(فيسبوك) على رأس منصات الدعاية المضللة:

جاء  (فيس بوك)  على رأس المنصات المفضلة للسياسيين للتلاعب بالمعلومات التي تبثها عبر الوسائط الاجتماعية، بالرغم من انتشار شبكات التواصل الاجتماعي، إلا أن فيسبوك تم استخدامه في 56 دولة كأداة للدعاية المضللة.

ووجدت الدراسة أدلة عديدة على وجود حملات الدعاية الحسابية المنظمة رسميا على موقع (فيس بوك).

استخدمت الصين منصات محلية من أجل التأثير في احتجاجات هونج كونج 2019، بالاعتماد على مواقع التواصل الاجتماعي “wechat، Weibo، QQ”،   والجدير بالدراسة هو اهتمام الصين مؤخراً بمواقع تويتر و(فيس بوك)  ويوتيوب مما قد يثير المخاوف مستقبلاً من عملية التأثير في الديمقراطيات العالمية.

قطر دولة قمعية لا تتمتع بالحريات:

وعرض التقرير دراسة حالة عن دولة قطر، والذي وصفها بأنها دولة لا تتمتع بالحرية كما جاء في التصنيف السنوي لحريات الانترنت التي نشرها فريدوم هاوس، وذلك نظراً لسيطرة الأمير تميم بن حمد آل ثاني حاكم قطر على كافة السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، ويمثل أربعة أخماس سكان قطر من غير المواطنين القطريين، وبالتالي لا يتمتعون بكافة الحقوق السياسية، مع توفير فرص محدودة للوصول للحقوق المدنية والاقتصادية بالدولة. 

ووصف التقرير تورط قطر في الدعاية المضللة عبر الحسابات الالكترونية، وبالتالي اصبحت قطر مركزا مستمرا للتوترات الدبلوماسية مع الدول الأخرى في المنطقة، والتي امتدت في كثير من الأحيان إلى المجال عبر الإنترنت.

قطر والحرب الدعائية على الدول العربية:

واجهت قطر أزمة دبلوماسية في 23 مايو 2017، بعد أن نشرت وكالة الأنباء القطرية (QNA) التي تديرها الدولة تصريحات مثيرة للجدل حول تصريحات تميم بن حمد عن ارتباط قطر بعلاقات جيدة مع إيران والإخوان المسلمين وحزب الله وحماس، وسرعان ما نفى المسؤولون القطريون أن يكون تميم قد أدلى بهذه التعليقات، مدعياً أن حسابات QNA وحسابات التواصل الاجتماعي المرتبطة بها قد تم اختراقها.

وهو ما رفضته كل من المملكة العربية السعودية والإعلام الإماراتي من اختلاق قصة القرصنة واتهمت قطر بدعم الإرهاب كما جاء في صحيفة واشنطن بوست 2017.

ووصفت الدراسة أن هذا الاعتراف القطري العلني بالتورط في علاقة مع جماعة الإخوان المسلمين المحظورة في مصر ودول الخليج، قد تسبب في قيام أعضاء مجلس التعاون الخليجي ومصر بقطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر.

وتزامنت تلك الوقيعة مع المعركة الإعلامية عبر الإنترنت، والتي زادت من تعقيد العلاقات بين قطر والدول العربية الخمس، حيث زعمت بعض التقارير بأن الإمارات العربية المتحدة هي من قامت بتنسيق هذا الاختراق، بالتعاون مع 84 من المتسللين الروس الذين قاموا باختراق حساب وكالة الأنباء القطرية، وقاموا ببث تلك الأخبار.

قطر تعمل على تحسين صورة تميم وتستعين بتركيا للتلاعب بالمعلومات:

وأشار التقرير أنه تم إنشاء الهاشتاج في الغالب بواسطة حسابات مزيفة “روبوتات” مناهضة لقطر، مما يشير إلى تعرض اتجاهات تويتر القطرية للتلاعب الدولي.

 يأتي هذا في الوقت الذي ذكرت فيه هيئة الإذاعة البريطانية أن قطر استخدمت هاشتاجات بعنوان “تميم المجيد، وقطر ليست وحيدة” عقب المقاطعة مع الدول العربية، والتي استخدمت موقع التواصل الاجتماعي “تويتر” من خلال استخدام حسابات وهمية، فقد تم رصد قيام حساب واحد بنفس الاسم بإعادة التغريدة 201 في غضون بضع ثوان، وهو ما تم وصفه بأنه ليس نمطاً عادياً، كما نشر 100 حساب 1410 مرة خلال خمس ساعات، وهوما يمكن لأي بشر القيام بذلك.

وأوضح التقرير أن الهدف من إطلاق هاشتاج #قطر_ليست_وحدها هو محلي واقليمي، وذلك لاطلاقه باللغة العربية والذي ظهر عقب القطيعة مع الدولة العربية الخمس، كما أثبتت الدراسة تورط تركيا في اطلاق شبكة من برامج الحاسوب المزيفة لإحداث طفرة في نشر الهاشتاج لتعزيز تلك الرسائل ونشرها.

وتجدر الإشارة إلى أن البحرين قد اتهمت قطر علانية بالدعاية المضللة باستخدام الانترنت، حيث أصدرت وزارة الداخلية في مملكة البحرين بيانًا في 21 يوليو 2018 والذي قال فيه أن البحرين تعرضت لاستهداف منهجي “للتضحية بمصالحها الوطنية من خلال التأثير على الرأي العام وضرب الاقتصاد من خلال نشر معلومات كاذبة عبر حسابات مزيفة تديرها قطر”.

الإخوان المسلمين واستخدام صفحات مفبركة لإثارة الرأي العام في مصر:

واشارت الدراسة أنه عقب الاطاحة بالرئيس المعزول محمد مرسي، انتشرت الحسابات المزيفة على موقع (فيس بوك)، من خلال تزييف الحسابات بأسماء المسئولين المصريين من أجل تضليل الرأي العام، والتي تمتعت بحجم متابعة أكبر من الحسابات الرسمية للمسئولين، وهو ما اتخذت ضده مصر العديد من الإجراءات لفرض الرقابة على مواقع الوسائل الاجتماعية المزيفة وقامت بغلقها، إلى جانب قيام مركز المعلومات التابع لمجلس الوزراء بالرد على الشائعات التي تنشرها تلك الحسابات.

وأشار التقرير إلى قيام صفحة حزب الحرية والعدالة الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين بنشر صور لأطفال سوريا على أنهم في مصر، في محاولة لإثارة الرأي العام ضد الجيش المصري واتهامه بقيام تلك الاعتداءات على الأطفال المصريين، وذلك عقب الإطاحة بجماعة الإخوان المسلمين.

Scroll Up