شهدت العاصمة الهندية نيودلهي في الأيام الأخيرة موجة عنف من أسوأ موجات العنف منذ عقود، تسبب في إصابة المئات وسقوط ما يزيد عن 34 قتيلًا. ويرجع السبب فيها إلى إندلاع المصادمات بين مؤيدي ومعارضي قانون الجنسية الذي يسمح بقبول المهاجرين من ثلاث دول مجاورة “باكستان وبنجلاديش وأفغانستان” شريطة ألا يكونوا مسلمين. تطورت المصادمات إلى اشتباكات باستخدام شظايا الزجاج والحجارة و اندلاع بعض الحرائق المحدودة. في صورة قد تبدو غير مناسبة للهند التي تُوصف بكونها أكبر ديمقراطية توافقية في العالم ذات دستور ينص على علمانية الدولة منذ نشأتها في 1947.

إلا إن ما يحدث في الهند لا يمكن فصله عن السياق العالمي الذي يموج بتيارات عنصرية متزايدة سواء في صورتها العرقية أو الإثنية أو الدينية أو الرافضة للأجانب والمهاجرين أو النابذة للاجئين. وذلك بالرغم مما تعج به الساحة الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية من وثائق ومؤتمرات متعددة تنبذ العنصرية والتمييز العنصري أبرزها: ميثاق الأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهدين الدوليين. 

C:\Users\DELL\Desktop\indprotest0225_960x540.jpg

قانون الجنسية المثير للجدل

في البداية تجدر الإشارة إلى أن الدستور الهندي علماني يحترم التعددية، وتنص الفقرة (295) منه، على أن كل من يحاول بسوء نية وبقصد مبيت المس بالمشاعر الدينية لفئة من المواطنين سواء بالكلمة المكتوبة أو المنطوقة، أو باستخدام علامات معينة، أو سب ومحاولة القيام بذلك سيكون تحت طائلة القانون. كما أكد كبير القضاة في المحكمة الأعلى في الهند “تى. إس. تاكور” على أنه: “لا يسمح لأي سياسي بحشد الأصوات باسم الطائفة أو العقيدة أو الديانة”، مضيفًا أن “عملية الانتخابات يجب أن تكون ممارسة علمانية”.

إلا أنه مع وصول الحزب القومي الهندوسي “بهارتيا جاناتا” في انتخابات عام 2014 اتسعت مخاوف مسلمي الهند بسبب المواقف المتطرفة التي تبناها “ناريندرا مودي” على مدار تاريخه. وفي الانتخابات الأخيرة في مايو2019 تعززت قوة الحزب في البرلمان، وحصل بزعامة ناريندرا مودي على 303 مقاعد من أصل 542، وحصل التحالف الذي يقوده هذا الحزب على 65% من المقاعد، مما ضمن له سيطرة شبه كاملة على الساحة السياسية. 

تعود قصة قانون الجنسية في بدايتها إلى ظهور حركة شعبية بولاية آسام بشمال شرق الهند منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي لإخراج المهاجرين ومعظمهم من بنجلاديش وبورما. ثم وقّعت الحكومة الهندية حينها اتفاق مع زعماء هذه الحركة في 1985، قضت بإجراء إحصاء لسكان الولاية، وعبر هذا الإحصاء يعتبر هنديًا كل من يُثبت وجوده في الولاية قبل سنة 1971، أي قبل انفصال دولة بنجلاديش. وفي أعقاب ذلك لم تتكمن الحكومات المتعاقبة من إجراء التعداد السكاني، إلى أن وصلت حكومة مودي وقررت إجراء الإحصاء خلال عام 2019. وبعد الانتهاء منه، أعلنت عن وجود ما يقرب من مليوني أجنبي في الولاية، إلا أن المفاجأة كانت في أن أغلبهم من الهندوس وليس المسلمين. 

لذا فكرت الحكومة في تعديل قانون الجنسية الهندي لسنة 1955، بإدخال مادة تنص على قبول المهاجرين من ثلاث دول مجاورة، باكستان وبنجلاديش وأفغانستان، بشرط أن يكونوا من أصحاب الديانات الهندوسية أو السيخية أو البوذية أو الجاينية أو الزردشتية والمسيحية، مع استثناء المسلمين. ومع غياب ثقافة التوثيق لدى فئات واسعة من الشعب الهندي إما بسبب الأمية أو بسبب الإقامة في أماكن نائية، يتعذر على فئات واسعة من الشعب إمتلاك وثائق رسمية. بعبارة أخرى، سيصبح المسلمين – أكبر أقلية في الهند – غير الحاملين للوثائق الرسمية بدون جنسية، أما أصحاب الديانات الأخرى فسيُسمح لهم بالحصول على الجنسية عبر هذا القانون لمجرد كونهم غير مسلمين. 

وارتباطًا بذلك، قدمت الحكومة الهندية مبررات ترتكن إلى صبغة إنسانية، تقوم على أن هذا القانون جاء من أجل تأمين الحماية والمساعدة للأقليات الدينية من (السيخ والهندوس والمسيحيين وغيرهم) المضطهدة في البلاد الإسلامية المجاورة. وكتب رئيس الوزراء مودي في تغريدة تعليقًا على الأمر “هذا الإجراء يوضح ثقافة القبول والتناغم والرحمة والأخوة التي امتدت لقرون في الهند”.

ولم يكن قانون الجنسية هو المؤشر الوحيد على تبني إدارة مودي لنبرة عنصرية ترتكن إلى القومية الهندوسية، حيث شهدت الساحة الداخلية في الهند ارتفاع في عمليات العنف الديني منذ تولي مودي. ومن بين أبرز الأحداث التي تُبرهن على ذلك، سماح المحكمة العليا في نوفمبر 2019 ببناء معبد هندوسي كبير في أيوديا في موقع مسجد يرجع للقرن السادس عشر تم هدمه في 1992 من قبل متطرفين هندوس، حيث تسبب عملية الهدم آنذاك بأسوأ موجة عنف شهدتها الهند.

الهند ليست استثناء

يمكن القول بشكل عام، أن هناك اتجاه نحو تصاعد العنصرية، سواء في صورته العرقية أو الإثنية أو الدينية أو الرافضة للأجانب والمهاجرين أو النابذة للاجئين، والملفت للنظر أن هذا التصاعد حدث في دول تعززت صورتها كمعاقل للديمقراطية التي ظهرت كإطار شامل جامع يستوعب الجميع بغض النظر عن العرق أو الإثن أو الدين أو اللون أو الجنس. ومن هذا المنطلق، يمكن توضيح هذا التصاعد من خلال 3 أشكال رئيسة: 

  • العنصرية في الخطاب السياسي

تنامت الخطابات المرتبطة بالتيارات القومية والشعبوية بطريقة محفزة على العنصرية وجميع أشكال التمييز، بما في ذلك التمييز ضد السود والعرب والمسلمين، وكره الأجانب وكره السود. ويرتبط بذلك تنامي الأفكار العنصرية والمعادية للأجانب في الأوساط السياسية والرأي العام وفي قطاعات من المجتمع. ومن ضمن النماذج الواضحة، حزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني المتطرف الذي يتبنى خطاب معادٍ للإسلام والمهاجرين لبناء قاعدة شعبية، والذي استطاع أن يدخل البرلمان الألماني الإتحادي في عام 2017 لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية. وفي بولندا، تبنى حزب “القانون والإنصاف” منذ تأسيسه 2011 أجندة يمينية متطرفة ترفض إيواء اللاجئين، بجانب حركة يمينية أخرى يتزعمها مغني روك سابق والتي أصبحت ثالث أقوى حركة سياسية في البرلمان حيث تدعو إلى بناء جدار حدودي مع أوكرانيا. أما فرنسا، فقد شهدت تحول الجبهة الوطنية الفرنسية التي أسسها جان ماري لوبن في 1972، إلى حزب سياسي استطاع أن يبني قاعدة شعبية بالاستناد ألى أجندته اليمينية الشعبوية الرافضة إلى ما أسمته “أسلمة فرنسا”. بينما شهدت هولندا حضور قوي لحزب “الحرية” داخل البرلمان الهولندي، الذي يتبنى أجندة شعبوية قائمة بشكل أساسي على خروج هولندا من الإتحاد الأوروبي، والموقف المعادي للمسلمين. أما في الدانمارك، استطاع حزب “الشعب” أن يحتل مكانة على الساحة السياسية، من خلال تبني خطاب مناهض للجوء وسياسة كارهة للأجانب ولاسيما المسلمين ورافضة للاندماج الأوروبي. أما عن بريطانيا، التي استطاعت أن تصبح لعقود بوتقة لصهر واستيعاب الاختلافات الثقافية، إلا أن ظهور حزب “الاستقلال” البريطاني يُنذر بوقوع تغير في الساحة البريطانية كونه لا يتنبى فقط سياسة داعمة للانسحاب من الإتحاد الأوروبي، وإنما يطالب برقابة شديدة على الهجرة، ويرفض كذلك المجتمع المتعدد الثقافات. 

  • العنصرية في الإجراءات الحكومية

يقوم الشكل الثاني من العنصرية على تجاوز مسألة الخطاب السياسي إلى إتخاذ إجراءات على الأرض ذات تأثيرات عنصرية، ويأتي في مقدمة ذلك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي تبنى منذ حملته الانتخابية الأولى في 2016 خطاب عنصري مناهض للهجرة والأجانب، وبعد وصوله لسدة الحكم تبنى مجموعة واسعة من الإجراءات لوضع برنامجه موضع التنفيذ. يتنبى الرئيس ترامب خطاب عنصري ذو أبعاد جندرية وعرقية ودينية وثقافية، وصل إلى السخرية من نائبات ديمقراطيات ينحدرن عن أقليات. أما على المستوى التنفيذي سعى الرئيس ترامب إلى تبني سياسات من شأنها خفض أعداد المهاجرين واللاجئين، أبرزها، الحظر الذي فرضه الرئيس ترامب في  يناير 2017 على دخول مواطنين من سبع دول (إيران وليبيا والصومال وسوريا واليمن وفنزويلا وكوريا الشمالية)، ويدرس الآن إضافة 7 دول أخرى إلى هذه القائمة. إضافة إلى “خطة مايو 2019” التي تُعطي الأولوية لأولئك لأصحاب المستوى المادي المرتفع، والمتعلمين، وأصحاب المهارات المتقدمة، من متحدثى الإنجليزية بطلاقة. كما عمدت إلى التوسع في عمليات الترحيل، وفتح آلاف الملفات لحالات الترحيل التي كانت مغلقة، وكذا وضع خطط جديدة لتجاوز محاكم الهجرة تمامًا، من خلال “الإجلاء العاجل” لترحيل المهاجرين غير الشرعيين الذين لا يستطيعون إثبات أنهم عاشوا بشكل مستمر في الولايات المتحدة لمدة عامين أو أكثر، مع الحرمان بشكل أساسي من حقوقهم في الإجراءات القانونية الواجبة. 

أما في إسرائيل، فقد صادق الكنيست الإسرائيلي على ما يُسمى بـــ”قانون القومية” في يوليو 2018، الذي ينص على أن “دولة إسرائيل هي الوطن القومي للشعب اليهودي، يحقق فيها تطلعاته بتقرير مصيره وفقا للتقاليد الثقافية والتاريخية” وأن ” حق تقرير المصير الوطني في دولة إسرائيل يعود حصرًا للشعب اليهودي”. الأمر الذي قوبل بترحيب من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، معلقًا ” أقول للعالم أجمع، هذه دولتنا دولة الشعب اليهودي”.

  • حوادث العنصرية

يمكن القول إن انتشار أفكار وخطاب العنصرية مثل دافعًا ومحركًا لدى البعض للقيام بعمليات وهجمات عنصرية موجهة ضد الآخر المختلف. ومثل الهجوم الذي وقع مسجدي كرايست تشيرتش بنيوزيلاندا في 15 مارس 2019، الحادثة الأبرز حيث قُتل 49 شخصًا على يد مسلح، مع تعمده عرض المقطع مباشرة على وسائل التواصل الاجتماعي. كما شهدت الولايات المتحدة عدد من حوادث عنف للكراهية والعنصرية، تأتي على رأسها حوادث إطلاق النار العشوائية التي وقعت خلال عام 2019، أبرزها، مذبحة تكساس التي وقعت في 3 أغسطس، حيث قُتل 20 شخصًا وأُصيب 26 آخرون، إثر إطلاق نار داخل متجر “وول مارت” بمدينة إل باسو حيث يعيش عدد ضخم من المكسيكيين بجانب مهاجرين آخرين من أصول لاتينية. وفي 4 أغسطس، سقط تسعة قتلى على الأقل، وأصيب 16 آخرين، إثر إطلاق نار في وسط مدينة دايتون بولاية أوهايو، حيث اتجهت أغلب وسائل الإعلام إلى ربط الحادث بمذبحة تكساس. وتفيد أرقام قدمها مركز الأبحاث “أمريكا الجديدة” أن أعمال العنف التي ارتكبها اليمين المتطرف أوقعت من الضحايا أكثر مما أوقعته الهجمات التي نسبت لإسلاميين متطرفين في الولايات المتحدة.

إجمالًا،

 يمكن القول بشكل عام أن إنتهاج الدولة الهندية لخط قومي هندوسي يتناقض مع بروزها لعقود كنموذج للديمقراطية التوافقية، إلا أنه لا يمكن النظر إليها بمعزل عن السياق العالمي الذي يشهد تزايد واضح في الإتجاهات العنصرية سواء من حيث الخطاب أو الإجراءات والسياسات أو حوادث العنف.

Scroll Up