أصدرت منظمة ” الشبكة ” الفلسطينية غير الهادفة للربح  والتي تتبني حقوق الإنسان وتحديد المصير للفلسطينيين، ورقة رصد وتحليل حول موقف مرشحي الرئاسة الأمريكية ورؤيتهم للعدالة العنصرية والقضية الفلسطينية، كتبتها الباحثة في السياسة العامة ” هالة أحمد ” وذلك بتاريخ 3 مارس 2020.

نظرة عامة

بدأت الورقة حديثها حول اختيار مرشحي الرئاسة الأمريكية البارزين الحديث عن المطالب المتزايدة حول إصلاحات العدالة العنصرية، بداية من إصلاح السجود وحتى تمويل وترميم المدارس. وأشارت الورقة أنه على وجه التحديد، تبنى المرشحون الإصلاحات التي تستجيب للحركات الشعبية ضد وحشية الشرطة ومجموعة من قضايا العدلة الجنائية، وسعوا إلى مكافحة العنصرية تجاه اللاجئين والمهاجرين.

ورغم ذلك، فإن تلك الأسس والرؤى الأخلاقية العالية المفروضة من قبل الأوضاع الداخلية تلك، لا تُترجم لمواقف موازية بشأن عدم المساواة خارج الولايات المتحدة. في الواقع، فإن آراء المرشحين الديمقراطيين بشأن فلسطين وحقوق الإنسان تعكس في كثير من الأحيان تضاربًا في التزامهم بمعالجة عدم المساواة والعنصرية. وبينما تباينت قضايا السياسة الخارجية بين مرشحي الرئاسة نادراً فيما مضى، إلا أنها في هذه الانتخابات تمثل اختبارًا رئيسيًا لإخلاص المرشحين فيما يتعلق بالتزامهم بالعدالة والحقوق المدنية وحقوق الإنسان.

وبينما تجادل العديد من النشطاء والباحثين في مجال الحقوق المدنية، فإن الكفاح من أجل المساواة بين المجتمعات السوداء في الولايات المتحدة له أوجه شبه كبيرة مع النضال الفلسطيني من أجل الحقوق الأساسية والكرامة. في فلسطين / إسرائيل، يواجه الفلسطينيون الوحشية على أيدي الجنود الإسرائيليين الذين نادراً ما يخضعون للمساءلة؛ الأطفال الفلسطينيون يُحتجزون ويُعتقلون بشكل تعسّفي في الضفة الغربية؛ وتضمن ممارسات الأحكام الظالمة في المحاكم الإسرائيلية السجن الجماعي والاعتقال للفلسطينيين دون تهمة أو محاكمة. يواجه المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل وكذا أولئك الذين يعيشون تحت الاحتلال الإسرائيلي، على غرار الأمريكيين السود في الولايات المتحدة، تمييزًا شديدًا ومنهجيًا، قمع، وحرمان اقتصادي مؤسسي.

وأشارت الورقة إلى أن الأمر التنفيذي الذي أصدره ترامب مؤخرا حول تعريف معاداة السامية، والذي وصف بشكل فاعل الانتقاد الموجه لإسرائيل بالمعادٍ للسامية، مُقيداً مناصري الحقوق الفلسطينية.فكما يعلم النشطاء من أجل العدالة العنصرية في الولايات المتحدة جيدًا، فإن المواقف الحكومية حول الشرعية والخطاب الشرعي أو غير المشروع كثيرا ما أسكتت تاريخياً منتقدي اللامساواة النظامية. وفي نفس الوقق، ومع استمرار حصول إسرائيل على 3 مليار دولار سنويًا كمساعدات غير مشروطة من دافعي الضرائب الأمريكيين، فإن الفلسطينيين يعانون من الفصل العنصري ويواجهون مزيداً من ضم أراضيهم. وبما أن إسرائيل تتمتع بالحصانة، فإن قضية الاضطهاد الفلسطيني، باعتبارها امتدادًا لنفس المبادئ التي تقوم عليها العدالة العرقية في الولايات المتحدة، هي أمر حاسم بالنسبة لمرشحي الرئاسة الأمريكية للتعامل معها.

تتتبع الورقة الخطابات المواقف السياسية لأهم 3 مرشحين ديمقراطيين، بشأن فلسطين وتقيمها بما يتعلق بمواقفهم من العدالة العرقية في الولايات المتحدة. ثم تناقش الطرق التي نجح خلالها المجتمع المدني الفلسطيني وحلفاؤه في إيجاد سياق للمرشحين لمعارضة العنصرية وعدم المساواة عبر الحدود. وتقترح الورقة في النهاية استراتيجيات يمكن  للعامة من خلالها أن يطالبوا المرشحين بوضع الحقوق الفلسطينية إلى جانب القضايا التقدمية الأخرى التي يناصرونها، بما في ذلك العدالة العنصرية وإصلاح العدالة الجنائية.

تتبع مواقف المرشحين من فلسطين

ترى الورقة أن السباق الرئاسي لعام 2020 قد أفرز أبرز المرشحين التقدميين الذين شهدتهم الولايات المتحدة منذ عقود، متمثلين بشكل خاص في شخصيات كبيرني ساندرز وإليزابيث وارين. ومع ذلك، فإن مرشح مؤسسي كجو بايدن، حوّل خطابه إلى لليسار عندما تعلق الأمر بقضايا العدالة العرقية. لقد جذب كل مرشح ديموقراطي رئيسي الانتباه إلى الحرمان التاريخي الذي يواجهه الأمريكان السود، من خلال خطط متنوعة لمواجهته بمقترحات كإصلاح السجون، إصلاح الكفالة، تخفيف عبء الديون، والحصول العادل على الرعاية الصحية.

وأضافت أن الرابط المشترك بين جميع برامج المرشحين للعدالة العرقية هو إقرارهم بأن السياسات الأمريكية كانت ضارة ولم تتبع معاييرالعدالة العنصرية، وأن هذا يتعارض بشكل أساسي مع قيم الحرية وتكافؤ الفرص والإنصاف. وعند المقارنة بمواقفهم بشأن حقوق الفلسطينيين، فإن تلك القيم التقدمية عادةً ما تكون قصيرة، حيث يكرر المرشحون خطابًا أحادي الجانب بشأن حق البقاء الآمن لإسرائيل ويدعمون إسميا حل الدولتين و”عملية السلام” بما يسمح لإسرائيل بمواصلة استعمارها للأراضي الفلسطينية وتشريد الفلسطينيين. ومع ذلك، شهدت هذه الانتخابات أيضًا تطوراً لمزيد من المساءلة لإسرائيل ودعم تقرير المصير الفلسطيني – وهي لغة تخرج عن الوضع الراهن وتعكس تحول الآراء بين الناخبين في الحزب الديمقراطي.

وجاء رصد الورقة ورؤيتها لمرشحي الرئاسة الأمريكية من الديمقراطيين على النحور الآتي :

1- إليزابيث وارن :

C:\Users\DELL\Desktop\resize.jpg

شجبت وارن التمييز التاريخي ضد الأمريكيين السود في خطابها الافتتاحي لإعلان ترشيحها. و تستهدف العمل من أجل وضع حد للحبس الجماعي وتزعم أن خطة الإسكان الخاصة بها ستعكس عقوداً من سياسة الخط الأحمر ( زيادة التكلفة في الخدمات كالتأمين والتوظيف والحصول على الرعاية الصحية، وحتى التسوق والامتناع عن الإقراض للسود ) التي تسببت في فصل وحرمان مجتمعات السود في مدن الولايات المتحدة.

مع ذلك، وفيما يتعلق بسياسات الفصل العنصري في فلسطين وإسرائيل ، كررت وارن حديثها عن سياسات المؤسسات الحاكمة. إلى جانب زملائها المرشحين الديمقراطيين، دعمت حل الدولتين. كما قالت أن الضغط على الواقع الديموغرافي لإسرائيل يتطلب التصرف. وتُعد الإشارة إلى معدل النمو الأسرع للعائلات الفلسطينية اقتراحاً مقلقاً بأن الولادة الفلسطينية إشكالية أو غير مرغوب بها. ويتجاهل التعليق أيضًا النزوح التاريخي للفلسطينيين ويُعيد التأكيد على فكرة خاطئة بأن اليهود جاءوا إلى أرض خالية وسكنوها، وأنهم -الفلسطينيين- الآن فقط، عن طريق الصدفة وليس النزوح، يتم تجاوزهم في عدد السكان.


في نوفمبر 2019، شن سلاح الجو الإسرائيلي غارة بالقرب من مدينة غزة أسفرت عن مقتل 34 فلسطينيا. رغم أن وارن رحبت بوقف إطلاق النار اللاحق وشجبت كل من الهجمات الصاروخية على إسرائيل والمحنة الإنسانية في غزة، إلا أنها لم تصل إلى حد تحميل إسرائيل مسؤولية القتلى الفلسطينيين. في الوقت الذي تواجه فيه إسرائيل تهم في المحكمة الجنائية الدولية لجرائم الحرب في غزة في عام 2014 ( هجوم تسبب في مقتل أكثر من 2000 فلسطيني ، ثلثهم من النساء والأطفال ) بالإضافة إلى جرائم حرب مستمرة في الضفة الغربية والقدس الشرقية، فإن لغة وارن تسمح لإسرائيل بمواصلة الإفلات من العقاب.

علاوة على ذلك، تشير وارن إلى إسرائيل على أنها ” ديمقراطية ليبرالية “، وهي تسمية خاطئة الآن أكثر من أي وقت مضى. في عام 2018، أقر الكنيست الإسرائيلي قانون الدولة القومية الذي يعلن إسرائيل كدولة لليهود، مؤكدًا شرعية السياسات التفضيلية تجاه سكانها اليهود. وبحسب ما ذكر مركز ” عدالة ” القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل، فإن هذا القانون يُعد واحداً من أكثر من 50 قانونًا تمييزياً ضد المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، من قوانين ” الأحياء اليهودية فقط ” (مثل سياسة الخط الأحمر السابقة في الولايات المتحدة) وحتى القيود على الزواج. في عام 2017 أصدرت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا، تقريراً يؤكد على وجود فصل عنصري في الضفة الغربية. بالإضافة إلى ذلك، اتُهم التقرير نتنياهو بالفساد والتحريض ضد أعضاء ” القائمة الفلسطينية المشتركة “، وهو الحزب الإسرائيلي الذي يمثل مواطنين إسرائيليين فلسطينيين.

إن انتقاد وارن لنتنياهو كزعيم فاسد متحالف مع ترامب لا يعني أنها تقف ضد عقود من التمييز والعنف المبني على أساس منهجي ضد الفلسطينيين. بدلاً من ذلك، تحجم وارن عن انتقاد انتهاك إسرائيل لحقوق الإنسان الفلسطينية. مقروناً بسجلها التشريعي، مثل دعم مشروع القانون الذي أعطى إسرائيل مساعدات طارئة في عام 2014 خلال هجومها على غزة، فإن دعوات وارن للعدالة تعكس عدم اتساقٍ مع العدالة للفلسطينيين.

ومع ذلك، زادت وارن من خطابها لصالح تقرير المصير الفلسطيني وضد الاحتلال، وكانت أول مرشح يقول أنه سيتخطى المؤتمر السنوي للجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC) هذا العام، وهو ما كان تقليدًا لجميع المرشحين الرئيسيين. كما قالت وارن أن ” كل شيء مطروح على الطاولة ” عندما يتعلق الأمر بوقف توسع إسرائيل في المستوطنات، بما في ذلك المساعدات الأمريكية. هذا الموقف يعد دفعة غير مسبوقة لمساءلة إسرائيل، وقد أثاره ساندرز لأول مرة.

2- بيرني ساندرز :

C:\Users\DELL\Desktop\Berney Sanders.jpeg



بنى ساندرز حملته حول نقد عدم المساواة في الثروة والرعاية الصحية للجميع. ضمن برنامجه الانتخابي، هناك العديد من المناصب التي وصفها صراحة بأنها استجابة لعدم المساواة العرقية والحبس الجماعي وإصلاح العدالة الجنائية.

فيما يتعلق بالحقوق الفلسطينية ، أشار ساندرز صراحة إلى طرق ملموسة لمحاسبة إسرائيل على انتهاكات حقوق الإنسان. لقد كان أول من قال إنه سيستخدم المساعدات لإسرائيل كوسيلة ضغط في تسهيل السلام في المنطقة. انتقد ساندرز نتنياهو علناً، وكذا رؤساء الدول والديكتاتوريين المتواطئين في انتهاكات حقوق الإنسان على الصعيد العالمي. إن تركيزه على عدم المساواة يضفي بعض الاتساق في السياسة الخارجية، لأنه انتقد المملكة العربية السعودية وغيرها بسبب الوحشية والفساد والديكتاتورية.

علاوة على ذلك ، كان ساندرز هو المرشح الوحيد في عام 2016 الذي غاب عن المؤتمر السنوي لـ AIPAC، وسيتغيب عنه مرة أخرى هذا العام، حيث قال إن القرار ينبع من قلقه “حول البرنامج الذي توفره أيباك للقادة الذين يعبرون عن التعصب ويعارضون الحقوق الفلسطينية الأساسية “. ساندرز هو المرشح الوحيد الذي استحضر بشكل متكرر الحقوق والكرامة والعدالة الفلسطينية كامتداد منطقي لانتقادات انتهاكات حقوق الإنسان من قبل دول أخرى، حيث قال : ” لم يعد جيداً كفاية أن نكون موالين ببساطة لإسرائيل. أنا مؤيد لإسرائيل. لكن يجب أن نتعامل مع الشعب الفلسطيني بالاحترام والكرامة التي يستحقها  “.

وبينما كان لا يزال متجاهلاً لتاريخ الدولة الإسرائيلية ، مع التركيز على اليمين الإسرائيلي المتطرف لنتنياهو، فإنه يغفل القضية الأوسع –والظلم الأوسع-  ضمن الرؤية الصهيونية لدولة يهودية تمثلها وتدعو لها إسرائيل. ومع ذلك، فاستدعائه الحقوق الفلسطينية دفعت المرشحين الديمقرايطيين لمناقشة قضية المساواة الفلسطينية بطريقة نادراً ما كانت موجودة من قبل.

3- جو بايدن :

C:\Users\DELL\Desktop\5dd64e714236043a4d3adc99.jpg

فيما يتعلق بإصلاح العدالة الجنائية، أقر بايدن مجموعة من السياسات الأساسية المشتركة لجميع المرشحين الديمقراطيين، مثل إنهاء الحد الأدنى الإلزامي في إصدار الأحكام، إغلاق السجون الخاصة، وقف حبس الأحداث في سجون البالغين، إصلاح نظام الكفالة، وتجريم الماريجوانا. ومع ذلك ، لم يستطع بايدن تفسير تورطه التاريخي في ” الحرب على الجريمة ” وسياساتها التي أدت إلى الحبس الجماعي والتجريم للأمريكيين السود. وهكذا، بينما يمكننا انتقاد افتقاره إلى مبادئ متماسكة حول العدالة العرقية خارج الولايات المتحدة، فمن الضروري أن نلاحظ أن تغيرات موقفه بلاغية بشكل صارم في تلك المرحلة، مع سجله الأقل تقدمية بكثير مما تنطوي عليه لغته الانتخابية الحالية.

بالنسبة لفلسطين / إسرائيل، فإن بايدن يصف نفسه بالصهيوني أثنى منذ مدة طويلة على ضرورة الحفاظ على ” دولة ديمقراطية يهودية ” وحمايتها. لقد أكد مرارًا وتكرارًا دعمه لحل الدولتين باعتباره ” الحل الوحيد ” الذي يمكن أن ينجح في ضوء ” الحقائق الديموغرافية “، مكررًا بعض مزالق إليزابيث وارن في التأكيد على ذلك دون وعود لازمة لتحميل إسرائيل مسؤولية تقويض مثل هذا الحل مرارًا وتكرارًا. علاوة على ذلك، وبينما أشارت وارن وساندرز إلى الأزمة الإنسانية في غزة وعارضت الحظر المفروض على مقاطعة إسرائيل، فإن بايدن لم يشر إلى انتهاك حقوق الفلسطينيين. بدلاً من ذلك ، فإن يلتزم باستمرار بدعم فكرة شاملة عن حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ضد أولئك الذين تضطهدهم وبما لا يعطي أي اعتبار لضرورة مساءلتها.

رغم توتر علاقة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما مع نتنياهو في نهاية فترة رئاسته، بقي بايدن على علاقة طيبة معه. لقد وصف نتنياهو بأنه صديق رغم انتقاد الديمقراطيين الآخرين، مثل وارن وساندرز، لسياساته المتطرفة، توسعه الاستيطاني العدواني، وفضائح الفساد. يمثل بايدن ترسيخا لتواطؤ طويل الأمد للمؤسسات الديمقراطية مع اضطهاد إسرائيل للفلسطينيين، وعدم محاسبتها نهائياً على انتهاكاتها لحقوق الإنسان والقانون الدولي ، وتقديس ” الأمن ” الإسرائيلي على أي اعتبار للقهر الممنهج للفلسطينيين.

كرئيس وعضو رئيسي في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ لمدة 12 عامًا، حافظ بايدن على موقفه المؤيد لإسرائيل بثبات. ولكن، كنائب للرئيس، أدان إعلان إسرائيل عن إنشاء 1600 مستوطنة جديدة في القدس الشرقية عام 2010. ويبدو أن بايدن يفهم أن إسرائيل تقوض باستمرار المفاوضات المشروطة بحسن النية مع الفلسطينيين. ومع ذلك، فهو لا يشك أبدًا في العنصرية الكامنة لـ ” الدولة يهودية ” التي تقوض حقوق غير اليهود بما لا يعد مجرد انحراف، وإنما كمظهر جلي لها.

إلغاء استثنائية فلسطين وتمكين المنصات التي تحترم الحقوق الفلسطينية

تقول الورقة أنه بينما يواصل بايدن وحتى وارن تكرار الخطاب المرهق للدعم الأعمى لإسرائيل، وحتى ساندرز يناشد وجهات نظر المشروع الصهيوني الاستعماري الإسرائيلي كتعبير صحيح عن تقرير المصير اليهودي على الرغم من كونه على حساب الفلسطينيين، فإن برامجهم للعدالة تثبت أنها أضعف وأكثر محدودية مما يظهره خطابهم. إن أجندة العدالة العنصرية والموجهة نحو المساواة والتي تستثني الفلسطينيين فقط تعزز تراجع المساءلة عن حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم.

وترى الورقة أنه إذا وجدت المحكمة الجنائية الدولية أدلة كافية، كما فعلت، لرفع قضية ضد إسرائيل لارتكابها جرائم حرب ضد الفلسطينيين ليس فقط في غزة بل في القدس الشرقية والضفة الغربية، فلن يعد بإمكان مرشحي الرئاسة الأمريكية جعل فلسطين استثناءً لمواقفهم التقدمية على المساواة والعدالة والكرامة. يجد الناخبون في هذه الانتخابات خيارًا حقيقيًا في السياسة الخارجية أكثر مما رأوا منذ فترة طويلة : المؤسسات الحاكمة من بايدن وحتى وارن ( رغم أنها قلّت في خطاباتها الأخيرة )، أو مذهب أكثر اتساقًا مع حقوق الإنسان من ساندرز.

كما توفر الانتخابات دروسًا بارزة لنشطاء حقوق الفلسطينيين وحلفائهم. لم يكن موقف ساندرز بشأن إسرائيل وفلسطين ممكناً لمرشح رئاسي بارز دون عمل نشطاء تضامني على المستوى الشعبي، الأكاديميي وحركة التضامن الدولية. انطلق النشطاء الفلسطينيين، متضمنين الطلاب الوطنيين من أجل العدالة في فلسطين، لجعل فلسطين أولوية بين التقدميين، وخاصة ساندرز. ففي حملته الرئاسية الأولى عام 2015، رفعت مجموعة من النشطاء في تجمع حاشد لافتة كبيرة تقول ” هل ستشعر يا بيرني بفلسطين؟ “، وذلك باستخدام الشعار المحبب لمؤيديه. وبعد أن أجبرهم أحد الموظفين على المغادرة، اعتذرت حملة بيرني، مما تسبب في عاصفة إعلامية وطنية حول السماح للخطاب الموالي للفلسطينيين بمكان في حملة ديمقراطية تقدمية.

بينما كان أن هذا الحدث مجرد واحدة من العديد من مبادرات الناشطين الحقوقيين المؤيدين للفلسطينيين لدفع المؤسسة لإدراج فلسطين في تساؤل حول الأجندة التقدمية، فقد صاغ نموذجًا للعمل المباشر الفعال الذي يمكن أن يثير اهتمام وسائل الإعلام الرئيسية، تمامًا كالعمل المباشر الأحدث الذي قامت به مجموعات مثل ” IfNotNow ” اليهودية المعارضة للاحتلال الاسرائيلية للضفة الغربية وقطاع غزة، التي أجبرت المرشحين على الرد على قضايا المساعدات العسكرية الإسرائيلية، الاحتلال، والمستوطنات غير القانونية.

وفي نفس الوقت، في حين لعب عمل هؤلاء النشطاء بالتأكيد دورًا في تعزيز الحوار الوطني حول فلسطين، فإن التحول في الخطاب بين اليهود الأمريكيين أمر بالغ الأهمية بالنظر إلى عدد المجموعات المؤثرة التي تدعي أنها تمثل وجهات نظرهم، مثل ”  AIPAC لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية “. إن تحول اليهود الأمريكيين، وخاصة الشباب، إلى انتقاد إسرائيل اعتمد، من بين أشياء أخرى، على منحة ما بعد الصهيونية المتاحة بشكل متزايد للقراء الإنجليز منذ التسعينيات.

علاوة على ذلك، فإن التضامن المتعدد الجوانب والمناهض للعنصرية،عزز قضية حقوق الإنسان الفلسطينية. في عام 2015، وجدت الاحتجاجات ضد وحشية الشرطة في فيرجسون تضامنًا طبيعيًا بين المحتجين الفلسطينيين في فلسطين، الذين قدموا المشورة بشأن طرق التعامل مع الغاز المسيل للدموع من الشرطة الأمريكية -الشرطة الذين يتم تدريبهم في كثير من الأحيان من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلية. مع تأسيس ” مسألة حياة السود “، أُعيد إدراج التضامن مع الفلسطينيين في أجندة تقدمية وطنية بشأن العدالة، حيث أن المواقف المنشورة من ” حركة حياة السود ” في عام 2016 قد هاجمت بصوتٍ عالٍ سياسات الفصل العنصري الإسرائيلية، وهي خطوة أثارت الإنتقادات ولكن أجبرت حركة ” تقدميون ما عدا فيما يتعلق بفلسطين ” للتصدي لتناقض مواقفهم مع إسرائيل. التضامن بين السود والفلسطينيين ليس بالأمر الجديد. شخصيات في حركة الحقوق المدنية السوداء مثل أنجيلا ديفيز وجيمس بالدوين ومالكولم إكس وكورنيل ويست وميشيل ألكساندر جميعهم ينتقدون ظروف الفلسطينيين والعنصرية الممنهجة لدولة إسرائيل.

الخطاب المتنامي الذي ينتقد السياسات الإسرائيلية ويؤيد المدافعين عن الحقوق الفلسطينية، والمبني على العمل الطلابي والأكاديمي في الجامعات في جميع أنحاء العالم، أدى لزيادة الوعي بانتهاكات الحقوق الإسرائيلية، على الرغم من حملات قمع هذا العمل. لقد أصبح أسبوع الفصل العنصري الإسرائيلي، على سبيل المثال، حدثًا سنويًا في العديد من الجامعات يهدف إلى تعميق تحليل جريمة الفصل العنصري التي ترتكبها إسرائيل. في عام 2017، أصدر الأستاذان فرجينيا تيلي وريتشارد فولك تقريرهما عن الفصل العنصري الإسرائيلي، مستخدمين القانون الدولي واتفاقيات حقوق الإنسان للتقييم والتأكيد في نهاية المطاف، على وجود نظام الفصل العنصري في الضفة الغربية. ساعد تعميم هذا الخطاب لنصف عقد من الزمان على دفع مرشح مثل ساندرز، المنتقد للسياسة الإسرائيلية، لتلقي الدعم الذي يتمتع به. لا يمكن لأي مرشح أن يظهر نفس القدر من الاتساق عبر السياسات التقدمية مثل ساندرز.

في النهاية تستنتج الورقة أنهناك عدداً من الدروس والإجراءات التي توصي بها في ظل الطلب المتزايد على العدالة العرقية والحقوق الفلسطينية عبر أي منصة تقدمية مشروعة :

1- يجب أن يطالب مؤيدو أي من المرشحين الديمقراطيين للرئاسة بأكثر من مواقف المؤسسات الحاكمة حول إسرائيل. مثلما يمكن للعمل المباشر أن يحاسب المؤسسات والأفراد على مبادئهم وقيمهم المعلنة، ينبغي على دعاة المجتمع المدني دفع حملات تقدمية وأبطالهم، مثل ساندرز ووارن، لدعم حقوق الإنسان الفلسطينية وتقرير المصير، ليس فقط في الخطابات ولكن أيضًا في السياسات التي تحمّل إسرائيل مسؤولية انتهاكاتها لحقوق الفلسطينيين.


2- يجب أن يواصل الناشطون الذين يسعون إلى دفع المرشحين لإلغاء الاستثناء عن فلسطين في جداول أعمالهم التقدمية، ربط كفاح الأمريكيين السود والفلسطينيين، وكذلك الجماعات الأخرى التي تكافح ضد القمع الممنهج. يأتي هذا التضامن من تعميق التعلم حول قضايا الاضطهاد خارج فلسطين واتخاذ إجراءات كحلفاء في الدعوة إلى العدالة والمساواة والكرامة؛ شهد العقد الماضي أمثلة فعالة في العمل المباشر، والمظاهرات والبيانات المشتركة، وحتى العرائض الجماعية المشتركة بقيادة شخصيات بارزة من الحركات المتحالفة.

3- نظرًا لأن نشاط الحرم الجامعي والأوساط الأكاديمية قد أثبت نفوذه في إنشاء ناخبين مطلعين على نحو متزايد على الاضطهاد التاريخي والحالي للفلسطينيين، يجب أن يكون هناك مساحة للارتقاء بالدراسات والخطابات غير المتحيزة والشاملة حول إسرائيل وفلسطين. مع استمرار نشطاء الطلاب والأكاديميين في تسليط الضوء على تاريخ السكان الأصليين الفلسطينيين والظلم المستمر، يجب أن يطالب مؤيدو العدالة العرقية والقيم التقدمية الأوسع نطاقًا بحماية أكبر لحرية التعبير والحق في التنظيم.

Scroll Up