صوتت الحكومة اللبنانية في 07 مارس بالإجماع على عدم قيامها بدفع 1.2 مليار دولار من الديون الخارجية مُستحقة السداد في 09 مارس 2020، يأتي هذا التخلف عن السداد في ظل أزمة سياسية طاحنة تجتاح البلاد يتكبد الاقتصاد اللبناني على أثرها خسائر فادحة، إذ تنخفض مُعدلات النمو وترتفع مُعدلات البطالة ومُعدلات التضخم، وما انعكس على قطاع المصارف وأوشك على إعجازها عن توفير العملة الصعبة اللازمة لتأدية واجبات القطاع الخارجي اللبناني، وهو ما دفع الحكومة إلى اتخاذ قرارها بعد السداد، ويعرض هذا المقال للأسباب التي دفعت في اتجاه تبني هذا القرار ثم انعكاساته على الاقتصاد اللبناني.

أولًا الأسباب التي دفعت لاتخاذ قرار التوقف عن السداد

1- ارتفاع الدين العام:

 اتجهت مُستويات الدين العام إلى الارتفاع المُستمر لتبلغ في عام 2018 ما نسبته 151% من الناتج المحلي الإجمالي اللبناني، ويُعتبر لبنان من بين أسوء دول العالم من حيث نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، كما يتوقع يتوقع صندوق النقد الدولي استمرار هذا الارتفاع ليبلغ في عام 2022 ما نسبته 172%، الأمر الذي يعني مزيدًا من أعباء خدمة الدين فمزيدًا من المصروفات فمزيدًا من الاقتراض، يوضح الشكل التالي مُعدلات الدين العام:

2- ارتفاع عجز الحساب الجاري:

يتخذ عجز الحساب الجاري اتجاه تصاعدي مُنذ العام 2015، حيث كان قد بلغ 8.5 مليار دولار، لكنه بلغ في العام 2018 ما إجماليه 13.3 مليار دولار، وهو ما يعني أن تدفقات العملة الأجنبية للخارج أعلى منها للداخل بمقدار العجز، ويُشكل مبلغ 13 مليار دولار عبئًا على الاقتصاد اللبناني، وهو ما يُضيف إلى مُعانته الحالية، ويوضح الشكل التالي تطورات عجز الحساب الجاري في الفترة ما بين 2012-2018:

3- انخفاض سعر صرف الليرة:

يتبع البنك المركزي اللبناني سياسة سعر الصرف المُدار، بمعني أنه لا يسمح بتحركات كبيرة على سعر صرف الليرة اللبنانية في مُقابل الدولار حيث يُبقي ثمن الليرة عند مستوى قريب من 1500 للدولار الواحد، ونتيجة للضغوط الاقتصادية فقد انخفض سعر صرف الليرة بشكل كبير وصل إلى 40%، ليخلق سوق سوداء حيث يجري صرفها عند مستوى 2100 للدولار الواحد، وهو ما سبب تسرب الدولار من البنوك اللبنانية إلى هذه السوق، الأمر الذي أدى بحاكم البنك المركزي إلى إصدار تعليمات تُحد من وصول المواطنين إلى حساباتهم الدولارية بهدف خفض هذا النزيف.

4- انخفاض الاحتياطي النقدي:

اسفرت التطورات السابقة عن ضغوط على الاحتياطي النقدي لدى البنك المركزي سواء من العُملات الأجنبية، لتنخفض من مستوى 45 مليار في نهاية مايو 2018 إلى 37 مليار بنهاية 12/2019، وهو انخفاض كبير للغاية خاصة إذا ما قورن بمواعيد استحقاق الدين التي نتطرق إليها في النقطة التالية، ويوضح الشكل التالي انخفاض الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية لدى البنك المركزي اللبناني دون الذهب:

5- مواعيد استحقاق الديون الأجنبية:

في ظل انخفاض الاحتياطي النقدي السابق الإشارة إليه، سدد لبنان في تاريخ 28/11/2019 مبلغ 1.5 مليار دولار، مُقابل سندات فئة 8 سنوات، وفي 09/03/2020 يحل أجل أول دفعة تالية لها وهي الدفعة التي صوتت الحكومة على رفض سدادها بقيمة 1.2 مليار دولار فئة عشرة سنوات، وفي العموم يلتزم لبنان بدفع 4.6 مليار دولار حتى 04/2021، مُقسمة على النحو الوارد بالجدول التالي:

هددت العوامل السابقة مُجتمعة الاحتياطي النقدي اللبناني حيث قد تعجز الدولة عن توفير الاحتياجات الأساسية للبنانين خاصة في ضوء اتجاه عجز الحساب الجاري إلى الارتفاع مُنذ 2015 وهو اتجاه استمر حسب التوقعات في 2019 ويتوقع أن يستمر في عام 2020، مما دفع الحكومة إلى اتخذ القرار لكبح جماح الانخفاض السريع والمُقلق للاحتياط.

ثانيًا – أثر القرار على الاقتصاد اللبناني

1- انخفاض التصنيف الائتماني:

يخفض عدم القدرة على السداد من التصنيف الائتماني للدولة والمؤسسات المالية التابعة لها، إذ يعني التصنيف الإئتماني في الأساس مدى مقدرة المؤسسة على الدفع، ومدى ما يتحمله المُقرض من مُخاطرة في حالة إقراض أمواله لمُقرض مُعين، وكانت ستاندر أند بورز قد خفضت بالفعل التصنيف الائتماني درجة لثلاثة بنوك في فبراير إلى CCC من العام الجاري وهي Bank Audi, Blom Bank and BankMed ، بالإضافة إلى تخفيضها التصنيف الائتماني للحكومة اللبنانية ذاتها في نوفمبر 2019، درجة واحد إلى CCC، وهو ما يعني بالتبعية ارتفاع تكلفة الاقتراض سواء على الحكومة او القطاع البنكي.

2- احتمالية اللجوء للقضاء والحجز على أصول لبنانية:

قد يلجأ المُقرضون إلى القضاء في حالة فشل الدول اللبنانية في التوصل إلى اتفاق لإعادة الجدولة، وهو ما سيُصدر ضدها أحكام بالحجز على الأصول اللبنانية في الخارج والتي تتضمن الطائرات والسُفن والعقارات وغيرها، بالإضافة إلى تجميد الحسابات البنكية للحكومة في البنوك التجارية والبنوك المركزية الأجنبية، ويعني ذلك أن شللًا قد يُصيب الحياة اللبنانية في الخارج وبخاصة حركة السياحة والسفر، المُتضررة بالفعل بسبب كورونا.

Scroll Up