اعترافات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالدعم المعلن والواضح لجماعة الإخوان المسلمين، والذي ظهر في العديد من المناسبات، وأصبح يقينًا بالتعاون القطري في لجوء العديد من القيادات الإخوانية الهاربة. وأصبحت تركيا الملاذ الآمن وبوتقة للإعلام الإخواني بين جنبات البلاد، وهو ما نشره مركز “كارنيجي لدراسات الشرق الأوسط”، الذي وصف تركيا بالملاذ ومعقل الإخوان، باعتبار أن اسطنبول تشكّل اليوم مقرًا للأفرع العربية المتعددة لجماعة الإخوان المسلمين، بهدف زعزعة استقرار تلك الدول، والذي بدوره سيؤثر على المنطقة بأكملها.

اسطنبول معقل الجماعة الإعلامي والقرارات السياسية

وصف الموقع اسطنبول على حد الخصوص بأنها معقل جماعة الإخوان المسلمين، والتي تستثمر فيها تركيا وتقدم لأعضائها الدعم الكامل، كما تقوم تركيا بتسهيل كافة الجهود للتنظيم، وذلك من خلال فتح المنابر الإعلامية والمحطات التليفزيونية لاحتضان الجماعة، ونقل أفكارها، هذا إلى جانب ما تشهده عشرات المحطات التلفزيونية، ومعظمها على صلة بفروع الإخوان المسلمين، من التشجيع التركي لهذه المجموعات. 

وتعد اسطنبول هي مقر القرارات المهمة لأفرع الجماعة، وهو ما تناوله “كارنيجي” نقلاً عن موقع الأمناء الالكتروني، قيام حزب الإصلاح، فرع الإخوان المسلمين في اليمن، بالتصويت للقيادي صالح باتيس أمينًا عامًا جديدًا للحزب في اسطنبول، وذلك خلال الاجتماع الذي انعقد في اسطنبول بحضور قيادات بارزة في التنظيم، والذي أقر وبطريقة غير معلنة تكليف الإخواني الذي وصفه الموقع بـ “المتشدد” صلاح باتيس الذي يقيم منذ فترة في تركيا بمهام الأمين العام خلفًا للآنسي، ويعد باتيس الموالي الأول لتركيا.

وهي الخطوة التي وصفها المحللون بأنها تقدم دليلًا واضحًا حول اتخاذ الحزب قراراته من اسطنبول، مما يعطي رسالة واضحة باختيار الحزب لشخصيات موالية لتركيا، والتي وصفها الموقع بأنها الدولة ذات الأطماع في الوطن العربي، وسط مسعاها الواضح لإفشال التحالف العربي في اليمن في حربه ضد ميلشيات الحوثي المدعومة من إيران، مما يصب في مصلحة التحالف “القطري – التركي”.

الإعلان عن تشكيل اتحاد الجاليات العربية في تركيا

 وقامت تركيا بمحاولات لاستجلاب الجاليات العربية، وسعت الحكومة التركية إلى التأثير في القرارات السياسية عبر الجاليات التي تستضيفها في بلادها، وهو ما نتج على إثره تدشين الجماعة لاتحاد الجاليات العربية الذي يدعم حزب العدالة والتنمية الحاكم في البلاد، ويرأسه مصطفى ترهوني الإسلامي الليبي، ويقوم الاتحاد بعدة نشاطات داخل تركيا لإعطاء صورة موالية للحكم التركي، فقام الاتحاد بتدشين مهرجان “شكرًا تركيا”، ووجه رئيس الهيئة التنفيذية للمهرجان، نبيل سعيد الغانم، الشكر للدولة التركية، واصفًا إياها بأنها قدمت خدمة للإسلام، وخاصة الخدمات الثقافية في المدارس الإسلامية التي أقامتها في الدول العربية”، ووصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بـ”قائد الأمة الإسلامية”، في محاولة لتجسيد الدور الناشئ الذي تسعى إليه تركيا في المنطقة، والذي ظهر في التدخلات العسكرية التركية في ليبيا وسوريا، من أجل تعزيز النفوذ التركي في المنطقة. 

ودليل على إيعاز الحكومة التركية لتلك الجاليات المنبثقة من أفرع الإخوان المختلفة، حضور أعمال المؤتمر شخصيات سياسية وأكاديمية، منهم ياسين أقطاي، مستشار الرئيس أردوغان، وحسن توران، نائب رئيس حزب “العدالة والتنمية” الحاكم/فرع إسطنبول. إضافة إلى المحلل السياسي، عمر فاروق قرقماز، والكاتب الصحفي، مصطفى أوزجان، والكاتب رسول توسون، الذي شبّه أردوغان خلال أعمال المهرجان بالسلطان عبد الحميد الثاني، استمرارًا لحلم الخلافة العثمانية. وأوضحت أن هدف ذلك الاتحاد هو توثيق وتنسيق العمل مع القيادات التركية لتسهيل معيشة أفرع الجماعة العربية في تركيا.

الأذرع الثقافية التركية والتداعيات السياسية

وأوضح “كارنيجي” أن تركيا تعمل على توسيع سياساتها الثقافية، وذلك بمحاولة ربط جزء كبير من الأقليات التركمانية في المنطقة بجذورها التركية، وتقوم تركيا بذلك بعدة أساليب تقع ضمن القوى الناعمة للدولة التركية، والتي تعمل على حث تلك الأقليات بالارتباط الوثيق بالدولة التركية، من أجل عودة حلم الخلافة العثمانية القديم. 

قامت تركيا بتقديم الآلاف من المنح الدراسية إلى طلاب تركمان من العالم العربي، وكذلك إلى طلاب عرب، لتشجيعهم على الدراسة في تركيا، وكانت لهذه الجهود تداعيات سياسية في المنطقة، وذلك من خلال قيام ظهير تركي في البلدان العربية للدفاع عن قضايا الدولة التركية والتحدث بشأنها بل بالدفاع عنها، مثل الحساسية القومية بين قيام الأقلية التركمانية في لبنان بإحياء الهوية التركمانية (والبعد القومي فيها)، مما يثير حساسية مع الجالية الأرمنية في البلاد، وعلى النقيض يبادر التركمان بالرد على الأرمن علنًا كلما عبّر الأرمن عن احتجاجهم على الدور التركي في الإبادة التي تعرضوا لها.

فقد أفادت تقارير إعلامية عن قيام عدد من الشبان في بلدتي الكواشرة وعيدمون في منطقة دريب عكار، ويشار إليهم بأنهم متحدرون من جذور تركية وغالبيتهم يتحدثون اللغة التركية، وكذلك جزء كبير من أهالي بلدة عيدمون اللبنانية، بالاعتصام الرمزي رافعين الأعلام التركية ويافطات كتبت عليها بخط اليد عبارات تعلن التأييد والتضامن مع الدولة التركية، ردًا على الإدانة الدولية لتركيا في ارتكابها مذابح ضد الأرمن. 

استطاعت تركيا كذلك من خلال الدراما التركية والتي نقلتها للدول العربية من خلال دبلجة المسلسلات التلفزيونية التركية إلى العربية، والتي كانت مصدر لجذب العرب إلى اسطنبول، وذلك من خلال خلق تلك الأعمال الدرامية لصورة بأن اسطنبول وقصورها هي مصدر لقصص الحب، وهو ما نتج عنه توافد أعداد كبيرة من العرب لزيارة المواقع التي تم تصوير هذه المسلسلات فيها، هذا إلى جانب الاستقبال الحافل الذي حظي به الممثل التركي بوراك أوزجفيت في زيارته إلى بيروت بدعوةٍ من أحد المتاجر في مركز تجاري لبناني، وقد دفع المتجر مبلغًا كبيرًا من المال لاستقدامه, والذي وصل لحد الصراخ والنحيب والإغماءات، ووصل الأمر إلى تحطيم الحشود لواجهة المتجر الأمامية، وتدخل الأمن من أجل مساعدة الممثل على الخروج من المكان. وذلك في محاولة تركية لاعطاء صورة علمانية ديمقراطية تختلف عن الفكر الذي تسعى إلى نشره جماعة الإخوان المسلمين، في محاولة لجذب ثقافي وولاءات جديدة للدولة التركية. 

قانون الجنسية والتسهيلات العقارية

منحت تركيا المواطنين الأجانب الحق في العيش في تركيا من خلال شراء عقار واحد على الأقل. يحق لهم تمديدها حتى تصبح إقامة دائمة. هذا مناسب لكل من يبحث عن الإقامات الطويلة الأمد، بعيدًا عن المساكن السياحية قصيرة المدى، مما يساهم في تعزيز الوجود العربي شبه الدائم في تركيا.

كما يسمح القانون التركي للمستثمر الأجنبي بالحصول على قرض عقاري لامتلاك منزل في تركيا. يزيد هذا القانون من عدد المشترين ويسهل عملية الشراء، خاصة إذا كان لديهم ما يكفي من المال لشراء عقار في تركيا. حيث تسمح شركات البناء ببيع العقارات قيد الإنشاء على أقساط للأجانب، كما تسمح القوانين التركية لمن يشترون العقارات من الأجانب والمغتربين الأتراك بدفع سعر العقار من خارج تركيا عبر البنوك التركية، وبالتالي الاستفادة من إلغاء ضريبة القيمة المضافة (1-18٪). 

مما لاقى رواجًا في سوق العقارات التركية، وخاصة بعد تدهور الليرة التركية، وقامت على إثرها بفرض عملية الشراء بالليرة حتى يضطر المشتري الأجنبي إلى تحويل العملة الأجنبية إلى الليرة التركية ثم شراء العقار، وفي عام 2012، أصدرت الجمهورية التركية قانونًا يسمح للأجانب بتملك العقارات في تركيا.

وبالتالي فإن سياسة تركيا لم تكن في جذب جماعة الإخوان المسلمين لدعم الأيديولوجية الإخوانية فقط، بل عمدت إلى جذب العرب من أجل انقاذ الليرة التركية عن طريق تملك الأجانب للعقارات التي يسيطر عليها الأسرة الحاكمة، كما جاء في تقارير إعلامية أخرى، هذا إلى جانب القوى الناعمة التي تمارسها تركيا في مسلسلاتها والأعمال الدرامية الموجهة للوطن العربي؛ لخلق صورة مواتية للحرية والديمقراطية التركية والرومانسية التي تسترعى اهتمام الجمهور العربي، لخلق أذرع ومؤيدين خارجين لها من خارج الجماعة؛ لإعادة السيطرة في المنطقة والتي انتهجتها بالتدخلات العسكرية كذلك في ليبيا وسوريا. 

Scroll Up