مع انتشار فيروس كورونا عالمياً، أخذ علماء النفس والاجتماع والاقتصاد في تحليل تداعيات الفيروس كل فيما يخصه، فتناولت صحيفة “بلومبيرج” تداعيات الوباء على الاقتصاد غير الرسمي، والعاملين بهذا القطاع.
كورونا والقطاع غير الرسمي في نصف الكرة الجنوبي:
ترى بلومبيرج أن عمليات الغلق التي نتجت من انتشار الفيروس، تواجه الحكومات في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل في جنوب الكرة الأرضية من العالم تحدي البطالة الضخمة الناتج مع عمليات الاقتصاد غير الرسمي، وأنه وفقا لمنظمة العمل الدولية فإن 85.8 ٪ من العمالة في أفريقيا غير رسمية، وتبلغ النسبة 68.2٪ في آسيا والمحيط الهادئ و 68.6٪ في العالم العربي و 40٪ في الأمريكتين و 25.1٪ في أوروبا وآسيا الوسطى، وبالتالي فإن إجمالاً 93٪ من الوظائف غير الرسمية في العالم موجودة في الدول الناشئة والنامية، كما يزيد الاقتصاد غير الرسمي من ضعف اقتصاد الدول النامية، حيث تتراوح السمة غير الرسمية بين 30 ٪ إلى 40 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي.
وأضافت الصحيفة أن الحكومات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا اكتشفت أن وجود الكثير من الأشخاص الذين يعملون في أنشطة غير رسمية – سواء كعمل غير نظامي أو يعملون لحسابهم الخاص أو في الشركات المنزلية التي تعتمد على المعاملات اليومية والعمالة اليومية، وتظهر الدراسات أن هذه الوظائف تتركز بين فقراء الحضر وخاصة بين الشباب، سيجعل من الصعب التنظيم والحفاظ على تنفيذ عمليات الإغلاق لفترات طويلة.
وأرجعت بلومبيرج ذلك إلى عدم وجود قنوات للتواصل والتنسيق مع قطاعات ضخمة من العمال النشطين، وبالتالي فإنها من غير المحتمل أن تكون مستدامة لفترة طويلة من الزمن، نظرًا لطبيعة هذه الأنشطة المباشرة، وبالتالي تواجه الحكومات صعوبة في إجبار الأسواق المؤقتة على إغلاق ووقف الباعة والمتجولين في الشوارع، كما من الصعب التعامل مع الأعمال الصغيرة والمتناهية الصغر التي تستخدم عمال غير رسميين.
وأضافت الصحيفة أن كبر حجم الاقتصاد غير الرسمي يؤثر على قدرة الدولة على الاستجابة بشكل كاف لحالة طوارئ الصحة العامة خاصة في حال الأزمات طويلة الأجل؛ إلا إن الطبيعة المطولة لهذه الأزمة ونطاقها يمكن أن يغير الهيكل التحفيزي نحو إضفاء الطابع الرسمي على العمل بدلاً من إضفاء الطابع الرسمي على الشركات والأصول، والتي كانت محور التركيز التقليدي للحكومات والجهات الراعية الدولية لها.
وترى الصحيفة أن انتشار فيروس كورونا والتحديات التي ستواجهها تلك الدول سيمثل منعطفا تاريخيا يتم فيه إعادة تشكيل العلاقات بين الدولة والاقتصاد، والتي بدورها ستسهم في إجبار تلك الدول على تحسين تنظيم الاقتصاد غير الرسمي، وإدماج الشرائح الاجتماعية المهمشة دفعة واحدة في الترتيبات المؤسسية الرسمية.
حتى الآن، يميل الإصلاح الاقتصادي إلى إعطاء الأولوية للأعمال التجارية على حساب العمالة، ويتعامل مع الطابع غير الرسمي للعمال كميزة للتبادل الحر للسوق، لكن المستويات غير الرسمية العالية ارتبطت بإدامة الهياكل الاقتصادية ذات المهارات المنخفضة، والقيمة المنخفضة ، والإنتاجية المنخفضة.

الإجراءات التي تتخذها الدول لحماية العمال غير الرسميين:
تشير الصحيفة إلى أنه في الوقت الحالي يمكن لبلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا استخدام أنظمة دعم الغذاء العالمية القائمة؛ لمساعدة فقراء المناطق الحضرية طوال فترة الإغلاق، وكذلك يمكن استخدام هذه الأنظمة للصدقات النقدية في حالة الإغلاق التام والمطول، والتي يمكن أن تؤدي هذه الترتيبات في نهاية المطاف إلى إدراج العمال غير الرسميين والعاملين لحسابهم الخاص في خطط الحماية الاجتماعية التي تتيح لهم الوصول إلى الرعاية الصحية والاستحقاقات في حالات الطوارئ المستقبلية.
وبدورها، اكتشفت الدول أهمية إنشاء قنوات اتصال وتنسيق مع القاعدة العريضة للشركات الخاصة الصغيرة والمتناهية الصغر. فعلى سبيل المثال قامت الحكومة المصرية بالتنسيق مع اتحاد الصناعات الذي يضم عشرات الآلاف من الشركات الخاصة والعديد منها في الفئات الصغيرة والمتوسطة نحو الاستجابة للوباء. وكانت مثل هذه الكيانات والقنوات ضعيفة وغير ممثلة إلى حد كبير للقطاع الخاص في الماضي، وعليه يمكن أن تؤدي الأزمة الحالية إلى إعادة اكتشافها من جديد للوصول لطرق تسيقية مثلي على مستوى الاقتصاد.
ادماج القطاع غير الرسمي في الاقتصاد الكلي للدولة:
من المتوقع أن تخلق هذه الأزمة الميزة والحافز للدول لجمع ومعالجة المعلومات حول الشركات الصغيرة والمتناهية الصغر والعمال غير الرسميين، كما سيخلق الحافز للعاملين في الاقتصاد غير الرسمي من أجل الخضوع للتنظيم والضغط من أجل وضع تدابير لإدماجهم في شبكات الأمان الرسمي ، خاصة إذا حدث ذلك في وقت واحد في عدة بلدان.
ومما لا شك فيه، أنه بتتبع الأنظمة الغربية التي مرت بتحديات عظمى مثل الأزمة المالية العالمية والحربين العالميين، فإنها مكنتها من التحول الإيجابي نحو اتباع العديد من الترتيبات المؤسسية والقدرات التنظيمية التي تستخدما اليوم، والتي ظهرت أوقات الطوارئ، والذي لايمكن أن يمر دون خلاف مع الدولة وأصحاب العمل، مما يعطي مؤشر إيجابي نحو تحول البلدان الأخرى عقب الأزمة إلى مثل تلك الأنظمة.

Scroll Up