مع تداعيات فيروس كورونا على الاقتصاد الصيني ومن ثم العالمي، شهدت أسعار النفط علي مدار الأيام الماضية انهياراً غير مسبوق، حيث هبطت إلى مستويات قياسية بعد رفض روسيا مقترح السعودية ودول منظمة أوبك بخفض إضافي للإنتاج بـ1.5 مليون برميل حتى نهاية العام، مما دفع السعودية إلي اتخاذ قرار  بزيادة الإنتاج إلى 13 مليون برميل يوميا وخفض سعر البرميل بمبلغ يصل إلى 8 دولارات كخطوة أولى لتعويم السوق النفطية. 

ولا تأتي هذه التخمة بسبب تراجع الطلب الصيني والآسيوي وحسب، بل أيضا بسبب زيادة الصادرات النفطية للولايات المتحدة التي لا تلتزم بتخفيضات “أوبك+” وهي ترفض التنسيق معها. وهو الأمر الذي أدى إلى أنخفاض سعر البرميل نحو 30 دولارا بعدما كان بحدود 68 دولارا بداية العام الجاري 2020.  

وبعد ثلاثة أعوام من التنسيق بين روسيا و السعودية ومنظمة أوبك لرفع أسعار النفط، رفضت روسيا الاستمرار في رفع الأسعار، فكان رد ولي العهد السعودي “محمد بن سلمان” الفوري هو خفض الأسعار بصورة كبيرة، وهو الأمر الذي أدى إلى انهيار أسعار النفط وإلى أسوأ أداء لأسواق الأسهم منذ الأزمة الاقتصادية التي وقعت عام 2008.

المواجهة بين السعودية وروسيا في حرب النفط، ربما ستأخذ عدة شهور في معركة عض الأصابع بين الطرفين علي ما يبدو، ولكن السؤال الذي يشغل العالم من سيصمد أكثر؟ ومن سيخسر؟.

“أوبك +” وخفض الإنتاج

خلال الإدارات الأميركية المٌتعاقبة وتحديداً في وقت وجود الرئيس السابق بارك أوباما في البيت الأبيض سعت واشنطن لتشجيع السعودية على رفع كميات الإنتاج وإغراق سوق النفط في خطوة لتخفيض إيرادات روسيا، وتجفيف المنابع التي تعتمد عليها في دعم توسعها داخل أوكرانيا وسوريا، لكن لم تستطع السعودية التحمل طويلا، حيث نتج عن ذلك ما عرف فيما بعد بـ”أوبك +” ونسقت التفاهمات مع روسيا بتخفيض الإنتاج.

وخلال هذه التفاهمات التي جرت، حاولت واشنطن أن تبقى بعيدة عن المشهد بحيث استفادت الشركات المنتجة للنفط الأميركية من ارتفاع الأسعار وحاولت تلبية الطلب عندما كان يحصل ضعف في الإمدادات. ومنذ أكثر من عام شعر منتجو الطاقة الروس أن موسكو عليها الانسحاب من اتفاقها مع “أوبك +” ولكن مع تراجع الطلب العالمي بسبب فيروس كورونا المستجد، وجد الروس فرصتهم للانسحاب وعدم الالتزام بخفض الإنتاج أكثر.

ما سر فشل السعودية في إقناع روسيا بخفض إنتاج النفط؟

نجحت السعودية في إقناع دول أوبك بضرورة تعميق خفض الإنتاج الحالي. لكن ذلك لم يقنع روسيا أكبر المنتجين من خارج أوبك، ويمكن إرجاع الرفض الروسي إلي أن القرار الروسي يعتمد على شركات نفطية خاصة وليس قيادة بوتين السياسية وحسب. والبعض يعزي سبب تراجع أسعار النفط إلي انهيار الطلب الصيني بنحو 25 بالمئة، فالصين التي تستهلك 13 مليونا ونصف مليون برميل يوميا، تقلص استهلاكها حالياً إلى تسعة ملايين برميل يوميا، بسبب انتشار فيروس كورونا

جاء الرفض الروسي بحجة أن واشنطن كانت حتى الآن المستفيد الأكبر من تخفيضات “أوبك+” التي أدت إلى بقاء الأسعار أعلى من 60 دولارا للبرميل. وهو الأمر الذي سمح للولايات المتحدة بزيادة إنتاجها من النفط الصخري وضخ 15 مليون برميل يوميا لتسبق بذلك السعودية وروسيا. وهذا ما مكنها من زيادة صادراتها والحصول على حصة إضافية في السوق العالمية على حساب الدول التي خفضت إنتاجها طوعاً أو اضطرت إلى ذلك بسبب العقوبات الأمريكية مثل إيران وفنزويلا. ومما لاشك فيه أن لموسكو أهدافا سياسية من وراء الخطوة، لاسيما وأن واشنطن فرضت على شركات الطاقة الروسية عقوبات بسبب خط غاز  “نورد ستريم 2″ (السيل الشمالي 2”) الذي يصل إلى ألمانيا تحت مياه بحر البلطيق والذي تعارضه الولايات المتحدة بشدة.

الأولوية الأخري أيضاً بالنسبة لروسيا -ثاني أكبر منتج للنفط بعد الولايات المتحدة – تكمن في عدم تقديم تنازلات للخصم الأمريكي الذي يستخرج يوميا أكثر من 13 مليون برميل نفط ويصدر ما بين 3 و4 ملايين برميل يوميا. فروسيا التي دخلت في حرب الأسعار مع السعودية تستهدف المنتجين الأميركيين بالدرجة الأولى. وبالتالي يمكن القول إن الروس قرروا اعتماد سياسة الأرض المحروقة. مبررين أنه لا سبب لديهم لدعم المنتجين الأمريكيين.

ماذا تريد السعودية؟

يمكن القول إن القرار السعودي جاء كرد ثأري مفاجئ على رفض روسيا مطالب الرياض ومعها أوبك بخفض الإنتاج بنحو 1.5 مليون برميل يوميا لمواجهة تبعات وباء كورونا التي أدت إلى تراجع الطلب.

وإذا ما أنتجت السعودية 11 مليون برميل من النفط الخام يوميا بحلول نهاية عام 2020، فسوف يبلغ متوسط سعر خام برنت 39 دولارا للبرميل. وهذه وسيلة لانتزاع حصص من السوق، فالنفط يتدفق والأسعار تنخفض بشكل حاد.

وتقول السعودية إن طاقتها الإنتاجية القصوى تبلغ 12 مليون برميل يوميا. كما تحتفظ أيضا باحتياطات استراتيجية من عشرات ملايين البراميل من النفط الخام لاستخدامها وقت الحاجة ومن المتوقع استخدامها لتوفير الإنتاج الإضافي.

يمكن القول أيضاً أن هذه الحرب هي اختبار لقدرات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في التعامل مع ملف محفوف بالمخاطر، خاصة أنه يسعى بكل ثقله إلى الانتقال بالسعودية من دولة تعتمد على اقتصاد ريعي إلى دولة منتجة تعتمد على مصادر أخرى في الدخل وتنوع اقتصادها. ويسعى محمد بن سلمان إلى إظهار قدرته على قيادة مرحلة التغيير في السعودية.

من سيتحمل أكثر

تأتي الحرب النفطية المستعرة حاليا في وقت يبدو الأصعب في التاريخ النفطي بالنسبة للسعودية والدول العربية النفطية الأخرى. فبالنسبة للرياض يأتي ذلك في وقت تعاني فيه الموازنة من العجز، والاحتياطات المالية من التقلص وفاتورة الحرب في اليمن والتسلح من الارتفاع. ومع انتشار وباء كورونا سيؤدي إلى مزيد من التراجع في الطلب على النفط في السوق العالمية، ما يعني مزيد من الانهيار في الأسعار.

بينما روسيا لديها القدرة على التعامل مع تراجع الأسعار بشكل أكبر، خاصة وأن ميزانيتها مبنية على سعر أقل للنفط عما هو عليه في السعودية، ناهيك عن سعي كل منهما لرفع حصته خاصة لدى المشترين الأوروبيين. وبالتالي يبدو أن روسيا مستعدة أكثر للانخراط في حرب الأسعار والتي لن تشكل ضغطا على السعودية فقط، وإنما على قطاع الطاقة الأميركي، خاصة مع ما يفرضه التوتر في منطقة مضيق هرمز بسبب إيران، ويجعلها تقدم نفسها كمصدر أمن للطاقة.

مدي الازمة

إن الأزمة بين روسيا والسعودية قد تستمر “لفترة” حيث ستنتهي بمن يشعر بالتأثر أولا، ويتوقع أن تستغرق بين شهرين إلى ثلاثة شهور، ويمكن أن تمتد لأكثر من ذلك.

وفي حال استمرت أسعار النفط بالتراجع بهذا الشكل، فإن هذا الأمر يعني الضغط على الشركات الأميركية ومنتجي النفط خاصة الذين يعملون في مجال الصخر الزيتي، ناهيك عن الحد من الطموح الأميركي بأن تصبح المصدر الأكبر للطاقة في العالم.

Scroll Up