تدخل الازمة اليمنية مرحلة جديدة في اعقاب انتهاء الجدول الزمني الذي تم التوافق عليه بين الحكومة اليمينة والمجلس الانتقالي الجنوبي فيما عٌرف “آنذاك” باتفاق الرياض (نوفمبر2019) الذي افرز عدد من التفاهمات افضت إلى تسكين الصراع الذي احتدم في الجنوب بين الطرفين، ورغم انتهاء المدة المحددة -90 يومًا- المتعلقة بتطبيق مخرجات الاتفاق، إلا أنه لم يُحقق بعد النتائج المرجوة منه إلا في نطاق محدود للغاية، وقد تمثل ذلك في عودة الحكومة إلى عدن وصرف الرواتب والمستحقات المالية، في حين بقيت الترتيبات المتعلقة بتشكيل الحكومة والترتيبات الأمنية والعسكرية المتعلقة بتوحيد ودمج القوات ونزع الأسلحة وغيرها دون جدوى حقيقية ولم تُنفذ بعد.

اشتباكات ميدانية

في ظل تعثر التسوية السياسية وعدم قدرة اي طرف على تحقيق حسمًا عسكريًا كاملًا، تشهد الساحة اليمنية تحولات ميدانية جديدة بين الحوثيين وقوات الحكومة الشرعية خاصة في عدد من المناطق التي ابتعدت عن التصعيد لفترات طويلة، حيث تجددت الاشتباكات في عدد من الجبهات-  ضمن عملية أطلق عليه الحوثيون ” البنيان المرصوص”، حيث صعدت الجماعة هجومها في جبهة نهم شرق صنعاء، بالإضافة إلى جبال هيلان بمديرية صرواح غرب مأرب، ناهيك عن هجمات أخرى في محافظة مديرية الحزم والمتون بمحافظة الجوف.

    والقت هذه الاشتباكات بظلالها على الوضع الإنساني في هذه المناطق المُتصارع عليها، حيث ارتفع معدل النزوح لنحو 3800 أسرة خلال الفترة من (19 يناير وحتى 2 فبراير2020) وذلك بسبب تصاعد وتزايد الاعمال العدائية في كل من مأرب والجوف ونهم، الامر الذي من شأنه أن يُزيد من تأزم الأوضاع الإنسانية في اليمن.

   وقد سبق هذا التصعيد هجومًا استهدف مُعسكرًا للجيش اليمني في مأرب (18 يناير2019) بصاروخ باليستي وتٌعتبر هذه العملية من أكثر العمليات عنفًا ودموية منذ اشتعال الازمة اليمنية 2014 نظرًا لما خلفته من تداعيات بشرية أسفرت عن مقتل أكثر من 100 جندي وإصابة نحو 80 آخرون، ينتمون جميعًا لألوية الحماية الرئاسية التي كانت تخضع لتدريبات وفترة اعداد من أجل ارسالهم إلى عدن.

وقد تباينت الرؤي بشأن السيطرة الميدانية للطرفين، فعلى الرغم من اعلان الحوثين سيطرتهم الكاملة على “مفرق الجوف” واغلب المواقع في نهم، إلا أن الجيش اليمني أعلن عن انسحاب تكتيكي من بعض المواقع بهدف اخراج الحوثيين خارج حدودهم المُحصنة ومن ثم مباغتتهم والتحول نحو المواجهة المفتوحة معهم في عدد من المحاور، وقد اثار تقدم الحوثيين تساؤلات حول موقف التحالف العربي من الاشتباكات خاصة في ظل غياب الغطاء والدعم الجوي لعناصر الجيش اليمني في بداية التحرك الحوثي والذي ساهم في سيطرتهم على مساحات كبيرة في نهم، حيث ارجع البعض ذلك إلى تباين أولويات التحالف العربي وانشغاله  بالأوضاع في الجنوب ومحاولة الحفاظ على اتفاق الرياض. وبمرور الوقت تدخل التحالف عبر غارات جوية على مواقع تمدد وسيطرة الحوثيين حتى تمكن الجيش اليمني من استعادة عدد من المناطق التي خسرها في هذه الاشتباكات.

ملامح الوضع الراهن

ثمة ملامح يمكن الوقوف عليها في المشهد اليمني بتفاعلاته الحالية، وهو ما يمكن تحديده فيما يلي:

  •  تراجع اتفاق الرياض، يشهد المسار السياسي في اليمن تعثرًا واضحًا، خاصة في ظل انتهاء المدة المُحددة سلفًا والتي وضُعت من اجل تطبيق  بنود اتفاق الرياض – الاقتصادية والعسكرية والسياسية- حيث اخفقت كافة الجهود في تحقيق اية تقدمًا ملحوظًا، وذلك بسبب عدة عوامل من بينها عدم واقعية الجدول الزمني الذي وضعته الأطراف محل النزاع، بالإضافة إلى غياب الثقة بين الطرفين وعدم القدرة على الوقوف على أرضية مشتركة في ظل تباين الأهداف، ففي الوقت الذي يُصر المجلس الانتقالي فيه على فك الارتباط والانفصال عن اليمن، تسعى الحكومة الشرعية بالحفاظ على وحدة التراب اليمني، وقد بدى تعثر التسوية ملموسًا في عدة تحركات من بينها الاتهامات المتبادلة بين الجانبين بمحاولة افشال الاتفاق، ناهيك عن انسحاب المجلس الانتقالي من اللجان المشتركة المعنية بالإشراف على تنفيذ الاتفاق، بجانب قيام عناصر المجلس الانتقالي بمنع الحكومة من الدخول لعدن وعدد من مناطق الجنوب، كما لا يمكن تجاهل الاشتباكات بين الطرفين في عدد من مناطق وعلى رأسها شبوة وابين.
  • محاولة حوثية لمزيد من التوسع، سعى اتفاق الرياض بشكل كبير للعمل على توحيد الجبهة الداخلية في اليمن بهدف القضاء على الحوثيين وانهاء التمرد الذي تشهده اليمن منذ سيطرة الحوثيين على صنعاء، إلا أن هذا الهدف بفعل التباينات في الأهداف ووجهات النظر بين المجلس الانتقالي والحكومة الشرعية لم يتحقق، وهو ما سعى الحوثيين للاستثمار فيه واستغلاله بشكل يمنحه الفرصة في توسيع نطاق سيطرتهم الجغرافيا، الامر الذي ترجمه الحوثي من خلال العمل على توسيع جبهات القتال في الآونة الأخيرة ضد الجيش اليمني في عدد من الجهات سواء في الشمال او الجنوب، وهو ما يُستدل عليه من خلال المحاولات الأخيرة للسيطرة على نهم ومفرق الجوف، نظرًا لأهميتهم الاستراتيجية،  كما يعمل الحوثي على تعزيز نفوذه في الجنوب اليمني واستثمار حالة الجمود بنشر منصات صواريخ في الجنوب اليمني والعمل على اختبار قوة الحوثي كما حدث في استهداف عرض عسكري في مدينة الضالع( ديسمبر2019)، وغيرها من الوقائع والمشاهد المتكررة.
  • محاولة احياء مسار التسوية، قبل اندلاع المواجهات الأخيرة في مأرب والجوف ونهم، شهدت الساحة اليمنية انخفاضًا ملحوظًا في الاعمال العدائية والقتال بين الجانبين، خاصة في اعقاب توقيع اتفاق الرياض، الامر الذي عبر عنه المبعوث الاممي في اليمن ” مارتن غريفث” والذي أكد على انخفاض العنف بنسبة 80% في المناطق المتصارع عليها، إلا أن هذا التراجع بدى وكأنه سكونًا مؤقتًا أو تراجعًا تكتيكيًا، خاصة من قبل الحوثيين الذين عملوا على التمدد فيما بعد، وعليه وفي ظل ما وصلت اليه الساحة اليمنية، بدأت بعض التحركات والتحليلات التي تُشير إلى احتمالات طرح مبادرة جديدة لتسوية الازمة اليمنية، وهو ما عبر عنه المبعوث الاممي في اليمن حول رغبته في ان يكون العام 2020 عامًا حاسمًا لتسوية الازمة، وقد قام بعدد من التحركات لعرض رؤيته التي تتمحور وفقًا لما هو مُعلن حول استئناف المشاورات بدون أي شروط مُسبقة، حيث التقى مع قيادات الحكومة الشرعية في الرياض، كما اجرى مشاورات ولقاءات مع قيادات من جماعة الحوثي، في الوقت ذاته هناك مساعي أوروبية من قبل سفراء الاتحاد الأوروبي وعدد من الدول- فرنسا، هولندا، السويد- لإحياء ملف التسوية مرة أخرى، ويأتي التحرك الأوروبي مدفوعًا بعدة أهداف من بينها تلاشي تأثيرات تصاعد الازمة سواء التداعيات المحتملة على حركة الملاحة البحرية أو تلك المرتبطة باحتمالية تصاعد عمليات اللجوء والهجرة إلى أوروبا.

احتمالات قائمة

عدد من الاحتمالات يمكن ان تشهده الساحة اليمنية في المرحلة القادمة سواء ما يتعلق بمزيد من التصعيد او الذهاب نحو التهدئة ومن ثم المضي في تسوية اشمل من شأنها حلحلة الازمة اليمنية وهو ما يمكن الوقوف عليه فيما يلي:

  • الاحتمال الأول، مزيد من التصعيد: يفترض هذا الاحتمال ارتفاع حدة العنف وتصاعد الاشتباكات في اليمن في عدد من المحاور، خاصة وأن كل طرف يرى أن مزيد من الحسم الميداني والعسكري يمكن ان يحقق له نفوذًا أعلى في التسويات المحتملة مستقبلًا، الامر الذي لوحظ من خلال مساعي الحوثيين لتمدد في الأسابيع الماضية في عدد من المناطق التي كانت قد شهدت تراجعًا للعنف لسنوات، كما أن الحكومة الشرعية ستعمل على الحفاظ على ما حققتها من مكاسب ميدانية، الامر الذي قد يجعل من التصعيد احتمالًا واردًا، في الوقت ذاته قد يتصاعد العنف جنوبًا خاصة في ظل تراجع وفشل اتفاق الرياض في تنفيذ اغلب بنوده ، خاصة ما يتعلق بالترتيبات العسكرية والأمنية، وفي ظل الاتهامات المتبادلة بين الطرفين بعرقلة مسار التسوية، وغياب الثقة، ومنع المجلس الانتقالي لعناصر الحكومة للدخول لعدن فان العودة لمسار ما قبل اتفاق الرياض وحالة العنف الشديد والتناحر بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي قد تتزايد في ظل تصريحات عناصر المجلس الانتقالي بان فك الارتباط والانفصال أمر لا مفر فيه. وعليه قد يشهد الشمال والجنوب اليمني تصاعد للعنف في ظل أهداف ومصالح متباينة من كافة الأطراف الفاعلة.
  • الاحتمال الثاني، التهدئة المشروطة: قد يتسبب الصراع الجاري والمُحتمل، في قيام المجتمع الدولي بالضغط على الأطراف الفاعلة من أجل تهدئة الصراع، ووضع شروط لهدنة عسكرية برعاية دولية لمنع تفاقم الازمة الإنسانية، وذلك من خلال الضغط على الحوثيين لوقف التصعيد والتمدد في عدد من الجبهات، مقابل اقناع الحكومة والجيش اليمني بتهدئة مماثلة، إلا ان هذا الوضع وان كان يضمن التهدئة المؤقتة فهو لا ينهي الازمة، وقد لا يلتزم به الأطراف خاصة وان الحوثيين يسعون إلى مزيد من التمدد بما يضمن لهم التأثير المستقبلي.
  • الاحتمال الثالث، نجاح جهود التسوية، قد يتمكن المبعوث الاممي عبر تحركاته الأخيرة، والمساعي الأوروبية، وجهود الوساطة التي تقوم بها عدد من الدول وفي مقدمتهم عمان، في اقناع كافة الأطراف بأهمية احياء مسار التسوية، ووضع شروط ومحددات لتسوية اشمل واعم يشترك فيها اطراف الصراع، إلا أن هذه الجهود ايضًا قد تقابلها بعض العراقيل، من بينها فشل كافة الجهود السابقة وفي مقدمتها اتفاق ستوكهولم في تحقيق أهدافه، كما أن غياب الضامن وتباين الرؤى بين الأطراف الرئيسية في الصراع قد تتسبب في تعثر المفاوضات حال انعقادها، خاصة وأن الحكومة الشرعية ترفض بشكل قاطع الدخول في اية مشاورات طالما لم يلتزم الحوثيين بالتسويات السابقة.

وعليه فقد تشهد الساحة اليمنية مزيد من التصعيد في الفترات القادمة، إذ قد تصل الأطراف المتصارعة – الجيش اليمني، الحوثيين، المجلس الانتقالي الجنوبي- لنتيجة فحواها أن الحسم العسكري والميداني من شأنه أن يُعزز من فرص كل منهم في المستقبل، وعليه قد يكون رهان كافة الأطراف على المدى القريب على الخيار العسكري.

Scroll Up