أدى الانتشار الهائل لاستخدام مواقع التواصل الاجتماعي إلى إحداث تغييرات كبرى تركت حتى الآن تأثيراتها على كافة جوانب الحياة، وعلى رأسها “الأمن القومي” للدول والذي أصبح يواجه تحديات وتهديدات متجدده. وعليه؛ توسع مفهوم الأمن القومي ذاته ليتجاوز نطاق مواجهة التهديدات العسكرية وضمان حماية الوطن ووحدته وسلامة أراضيه وسيادته، إلى مجالات أخرى تشمل الاستقرار السياسي والاقتصادي والتماسك والانسجام الاجتماعي وسلامة البيئة من مخاطر التلوث والجفاف، ومنع إثارة النزاعات الداخلية بين فئاته ومكونّاته والحفاظ على هويته الثقافية وغيرها من المتغيرات المؤثرة.

كما أضحت مواقع التواصل الاجتماعي وسيلة ناجحة لخدمة الجماعات الإرهابية وكل أشكال الجرائم الجنائية والمالية والعنصرية الموجهة، ليس فقط على مستوى الأفراد والدول نفسها بل تعدتها إلى تشكيل جماعات عالمية عابرة للحدود وبالتالي أصبحت خطرًا مباشرًا تهدد مجتمعات بأكملها.

إحصائيات هامة

بحسب تقرير نشرته ال BBC، أشارت فيه الى أن عدد مستخدمي الإنترنت حول العالم بلغ أكثر من 4 مليارات شخص في عام 2018، بينما بلغ عدد مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي نحو 3.2 مليار في العام ذاته، أي أكثر 40 % من سكان العالم، أما فيسبوك تحديدا فقد بلغ عدد مستخدميه 2.3 مليار شخص.

وأضافت، إلى أن الوقت الذي يقضيه المستخدمون على منصات التواصل الاجتماعي على مستوى العالم، ارتفع بنحو 60 في المئة في المتوسط، على مدى السنوات السبع الأخيرة.

وحللت مؤسسة “غلوبال ويب إنديكس” البحثية في لندن بيانات من 45 دولة حول العالم من أكبر الدول في “أسواق الإنترنت”، ورأت أن الوقت الذي يكرسه كل شخص لمواقع التواصل الاجتماعي أو تطبيقاتها ارتفع، من 90 دقيقة يوميا عام 2012 إلى 143 دقيقة، في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2019.

وأشارت دراسة أخرى إلى أن هناك نحو نصف مليون تغريده وصورة تنشر على موقع سناب تشات للمحادثة كل دقيقة، على سبيل المثال.

مواقع التواصل الاجتماعي والأمن القومي

تتنوع تأثيرات مواقع التواصل الاجتماعي على الأمن القومي للدول، وتشمل جوانب عديدة تتعلق بالانسجام الاجتماعي والثقافي والقيّمي، وانتشار أشكال جديدة من الجرائم الجنائية، واستخدامها من جانب جماعات الإرهاب والجريمة المنظمة في التخطيط والتنفيذ والترويج لأعمالها الإجرامية، ونشر أفكار التطرف والعنف والترويج لها واستقطاب أعضاء جدد، وإمكانية نشر توترات بين مكوّنات المجتمع، إلى جانب إجبار الدول على اتخاذ إجراءات للضبط قد تؤثر في صورتها على المستوى الدولي. ويمكن إيجاز بعض هذه التأثيرات فيما يلي:

1- توجيه الرأي العام:

أتاحت مواقع التواصل الاجتماعي قنوات متعددة لتوجيه الرأي العام الداخلي تجاه القضايا المختلفة تبعًا لما يتوافق مع جماعات المصالح، بالإضافة الى انها وفرت نماذج متعددة من المداولة والنقاش حول قضايا الشأن العام، وسمحت للنخب السياسية والاجتماعية تجاوز فكرة تغيبها في المجال العمومي التقليدي الذي تسيطر عليه الدولة. وهذا ما حدث جليًا في أوساط جمهور الفيسبوك حول أزمة مغنيو المهرجانات في مصر مؤخرًا. 

أيضًا أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي أداه فاعلة لبروز قادة رأي عام لهم منابر إعلامية ووسائل خاصة لحشد الجماهير وتعبئة الافراد، وهذه من أهم المحددات الايديولوجية لتلك المواقع، وذلك يعود لتأثير قادة الرأي العام في مواقع التواصل على المجتمع، بل وأصبحوا فاعلون، بمقدورهم التغيير في الحياة الاجتماعية والسياسية، وفي الجانب الآخر برز فاعلون دوليون يتحكمون في شعوب الدول وخاصة دول العالم الثالث بما يتفق مع توجهاتهم واهدافهم وبما تقتضيه مصالح دولهم.  

2- استغلالها من قبل الجماعات الإرهابية

Image result for استخدام الجماعات الارهابية لمواقع التواصل الاجتماعي

اُستخدمت مواقع التواصل الاجتماعي لتحقيق استراتيجيات الجماعات الإرهابية، وتوفير التسهيلات الخاصة بالتواصل بين أفرادها. واعتمد الجيل الجديد من الجماعات الإرهابية على وسائل التواصل الاجتماعي في التجنيد وفي التواصل بين قيادات هذه التنظيمات، خاصًة في ظل الانتشار الجغرافي الواسع لهذه التنظيمات، وتوزع الأفراد المستهدفين بالتجنيد في جميع أنحاء العالم.

وتم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كقناة لتبادل الخطط والمعلومات حول تصنيع القنابل والمتفجرات ومهاجمة المواقع المستهدفة. وباتت المراحل الأولية للتجنيد تتم من خلال “التغريدات” و” البوستات” ليتبين لها الأشخاص الأكثر ميلاً للمشاركة في “الجهاد”.

3- الأمن الاجتماعي:

تؤثر وسائل التواصل الاجتماعي سلبياً على أمن المجتمعات بوضوح إلى حدود انتشار العنف الداخلي، وتهديد الانسجام الاجتماعي والثقافي وذلك عبر نشر كل انواع الاثارة والاستفزاز والتحفيز على العنف، خصوصاً عند فئات الشباب والنشء الذين لا يملكون حصانة كافية، ما قد ينتج عنه اغترابهم عن المجتمع وتباعد المسافات بينهم وبينه إلى درجة العداء، بالإضافة الى ضعف الهوية وزيادة معدلات الاغتراب الثقافي وتعزيز نظرية العولمة الاجتماعية والثقافية والتي أصبحت مرتبطة ارتباطا وثيقا بمنصات وشبكات التواصل الاجتماعي.

4- انتشار أشكال جديدة من الجرائم الجنائية:

برزت أشكال جديدة من الجرائم المرتبطة بوسائل التواصل الاجتماعي، منها: الابتزاز الإلكتروني والتهديد والتشهير بالآخرين والقرصنة المالية. 

وبرزت في الآونة الأخيرة أنواع من الألعاب الخطرة، على الصغار والكبار، والتي قد يتسبب بعضها في دفع اللاعب لارتكاب الجرائم او الادمان او الجنس وقد وصفها البعض بالمصيدة حيث يبدأ الأمر بلعب ومتعة وينتهى بالقتل أو الانتحار أو الإصابة بحالة نفسية سيئة، وخير مثال على ذلك  لعبة «الحوت الأزرق» التي هددت حياة الكثير من الأطفال عقب انتشارها وتداولها على مستوى دول العالم، بما دفع عدة دول لنشر تحذيرات رسمية من هذه اللعبة، حيث إنها أدت إلى انتحار معظم من كانوا يستخدمونها، والذين كان أغلبهم من الأطفال، الذين لا يمتلكون الوعى والإدراك بما يحدث داخل هذه اللعبة.

5- التفكك الأسري:

أثّرت مواقع التواصل الاجتماعي سلباً على العلاقات الأسرية، وساعدَت على اتساع الفجوة بين أفراد الأسرة واستبدل الأبناء الانترنت بآبائهم، كمصدر للمعلومات وفقدوا الترابط الأسرى لدرجة الشعور بالغربة على مستوى الاسرة الواحدة وهذا ما يجعل النشء فرصه سهلة للجماعات الإرهابية وأصحاب التطرف الفكري وتحويله الى سلاح لهدم مجتمعه. علاوة على كونها أقصر الطرق إلى الطلاق والانفصال بين الزوجين، وهذا ما خلص إليه عدد من الدراسات الحديثة، أبرزها دراسة أجرتها الأكاديمية الأمريكية لمحامي الطلاق، نشرتها صحيفة الاندبندنت نقلًا عن جمعية المحامين الإيطالية بما يؤثر على جودة الحياة في المجتمع.

ختامًا،

 لا يخفى على أحد الجوانب الإيجابية لمواقع التواصل الاجتماعي أبرزها اسهامها في تطور قطاع ريادة الأعمال ونمو الاقتصاد من خلال تواصل العنصر البشري واتصال الثقافات والأفكار والانتقال حول العالم من خلال التقنيات والتكنولوجيا. ولذلك يتوجب العمل على مواجهة سلبيات مواقع التواصل الاجتماعي، ولن يكون ذلك بغير الوعي والتعمق في المعالجات بما يناسب ويخدم مصالح الشعوب عامًة.