في كل مرة يبرز اسم جراح القلب “مجدي يعقوب” على السطح، لتتوالى أعقابه إشكالية وأسئلة تبحث مآل الطبيب المصري في الآخرة. وأدلى الشيخ “عبد الله رشدي” برأيه على مواقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك وتويتر) بأن عمل مجدي يعقوب لا يستحق عليه إلا الثناء والشكر فقط ولا يؤهله لدخول الجنة في الآخرة.

تلا ذلك قرار وزارة الأوقاف المصرية بوقف الشيخ “عبد الله رشدي” من صعود المنبر أو أداء الدروس الدينية بالمساجد أو إمامة الناس (24 فبراير 2020)، لحين الانتهاء من التحقيق معه فيما صدر عنه.

ما يدفع إلى البحث في مسألة تجديد الخطاب الديني في إطار ترميم المنظومة القيمية للمجتمع المصري.

كيف بدأت المشكلة؟

مر المجتمع المصري بعقود من الفراغ الثقافي والقيمي اتصف بالبعد الديني الذي يعد ركيزة أساسية في حياة المصريين، نتج عنه ظهور أجندات دينية من جماعات سياسية ودينية مثل الاخوان المسلمين، الذين وجهوا ثقافة المجتمع المصري في أبعادها الدينية إلى أفكار متطرفة ارتكزت على “الرؤية الأحادية للعالم”، وهي الأساس النظري لفهم هذه الجماعات المتطرفة للدين الإسلامي ورؤية “الآخر” من خلالها وبالتالي ينتج عن هذه الرؤية نبذ كل ما هو مخالف أو مرتبط بـ “الآخر”؛ ليخلق ثنائية وهي “الأنا” و”الآخر”.

وبهذا عكست تلك الميول والأجندات الدينية التي قدمتها التنظيمات والجماعات المتطرفة، ثلاثة عناصر أساسية، وهي:

أولا: المبالغة في التفسيرات الشكلية على حساب التفسيرات القيمية للدين.

ثانيا: محاولة احتكار القيم الثلاثة الأساسية التي تحكم التقييم على البشر وهي الحق والخير والشر، وبالتالي منحت دعاة هذه المدارس المتطرفة إلى تقييم البشر ومآلتاهم، والفصل فيما كانوا يدخلون الجنة أو النار.

ثالثا: تزاوج الدين مع الحياة السياسية، ويعني هنا محاولة الجماعات المتطرفة مثل الإخوان المسلمين احتكار الخطاب الديني للمجتمع المصري وتوجيهه في مسارات سياسية تخدم مصالحه الخاصة.

خارطة طريق: أوليات الدولة المصرية تجاه منظومة القيم

انفتح المجال العام في مصر حول مسألة “تجديد الخطاب الديني” والسعي لصياغة استراتيجية عامة تضبط أسباب ودوافع التحرك تجاه تجديد الخطاب الديني، والكيفية التي تتم من خلالها، وأولويات الإصلاح.

ولكن يبدو أن مسألة التجديد لم يُقدر حجمها الحقيقي بسبب تعقيداتها التي بدأت بالسؤال حول حاجة مصر الحقيقية، هل تحتاج مصر إلى تجديد “الفكر الديني” أم “الخطاب الديني”؟، إذ باتت المشكلة هي مسألة أولويات للنجاح في تحقيق إصلاح حقيقي للمشكلة. 

لذا ارتأت مصر أن تضع خارطة طريق تفرد لإصلاح منظومة القيم في مصر الأولوية الأولى، وتكون هذه المنظومة هي رأس الاستراتيجية اللاحقة لتجديد الخطاب الديني، هذه القيم هي: قيمة التعددية، وقيمة التسامح، وقيمة الإيثارية. 

 وانطلاقا من هذه القيم، جاءت الحاجة السياسية إلى تجديد الخطاب الديني؛ بسبب التطرف في اللغة والسلوك الذي عزز عدد من الظواهر، هي: أولا، الإقصاء في المجتمع المصري وقوض من قيمة التعددية واحترام الآخر. ثانيا: تديين المجال العام، أي فرض أحكام دينية قاطعة على موضوعات سياسية واجتماعية تتمتع بالاختلاف ووجهات النظر المغايرة، وبذلك تتراجع مساحة “المقبول والصحي” من الخلاف في دوائر نسبية لحساب مساحة الجزم والقطع.

بيان دار الإفتاء.. ملاحظات عامة

جاءت الاستجابة الفورية من دار الإفتاء المصرية حيال سلوك “عبد الله رشدي” الذي وصفته الوزارة في بيانها المنشور على صفحتها على موقع الفيسبوك بـ “المثير للشغب والفتنة”، لتضع فاصلا سياسيا على شكل الدور الذي تقدمه الدولة حيال السلوكيات المتطرفة. 

وفيما يتعلق ببيان دار الإفتاء، فيمكن أن نخرج بمجموعة من النقاط والملاحظات، وهي:

أولا: الإشارة إلى “مجدي يعقوب” في بداية البيان، والثناء على عمله؛ كون عمله يتقاطع مع قيم الإيثارية التي تشجعها الدولة المصرية.

ثانيا: ارتباط التصرف الإداري من وزارة الأوقاف تجاه قضية عبد الله رشدي بسياسات الدولة تجاه اللون الشعبي الجديد المسمى بـ “المهرجانات”، وتسبُب الاتجاهين (أي الأغاني الهابطة وسلوك عبد الله رشدي) بإفساد الذوق العام والأخلاق في مصر. 

ثالثا: مخاطبة الفطرية المصرية المحبة للقيم الإنسانية، التي تتقاطع أيضا مع قيمة التسامح مقابل التشدد والتطرف، والمصادرة الطائفية.

ختاما، يمكن القول إن مصر تتجه في الآونة الأخيرة إلى تحييد مسألة تجديد الخطاب الديني؛ لحين استيفاء معايير تقييم ما هو الأفضل بالنسبة للتحرك حيال التجديد والإصلاح، لصالح استراتيجية أشمل وهي ترميم منظومة القيم في المجتمع المصري التي يمكن أن ينضوي تحتها إصلاح أي بعد ثقافي سواء كان دينيا أو سياسيا أو مجتمعيا.

Scroll Up