لا يزداد المشهد السوري إلا تعقيدًا وغموضًا بعد كل تحرك من الفاعلين فيه، ولا يلبث إلا ويطرح المزيد من التساؤلات حول دلالات تطوراته ومعاني تغيراته، وفي مقدمتها طبيعة موقف إيران مما يجري، ودورها فيما هو قادم. خاصة بعد توصل الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان إلى اتفاق جديد لوقف إطلاق النار في إدلب خلال لقائهما في العاصمة الروسية موسكو يوم 5 مارس الجاري.

اتفاق في غياب طهران

اجتماع بوتين وأردوغان في العاصمة الروسية سبقته دعوة من الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى حل قضية إدلب عبر الحوار، داعيًا كلًا من روسيا وتركيا إلى عقد قمة في إيران للدول الضامنة لمسار أستانا، وذلك في اتصالين هاتفيين منفصلين مع نظيريه الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب أردوغان يوم 29 فبراير الماضي، مؤكدًا أن التعاون الثلاثي يحظى بأهمية خاصة.

الرد الروسي والتركي على الدعوة الإيرانية جاء باستضافة بوتين لنظيره التركي أردوغان في موسكو في مباحثات لم تخلُ من شد وجذب استمرت نحو ست ساعات، خرجت في نهايتها ببعض التوافقات ومن ضمنها التوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار في إدلب، مما يُعدُّ تجاهلًا تامًا لإيران، ودورها كطرف فاعل في الأزمة السورية وأحد الدول الضامنة لمسار أستانا.

C:\Users\m.abdelrazik.ecss\Desktop\اتفاق-مبهم-بين-روسيا-وتركيا-بعد-قمة-بوتين-وأردوغان..-والغموض-ما-زال-يلف-مصير-إدلب-780x470.jpg

وستكون طهران أكثر الأطراف حرصًا على استمرار مسار أستانا واجتماعاته في الفترة المقبلة، والأكثر خوفًا من انهياره، لا سيّما وأنه الإطار السياسي الوحيد الذي يعترف بدور إيران السياسي في سوريا، ويضمن لها دورًا سياسيًا في رسم وتشكيل المستقبل السوري. أما موسكو وأنقرة، فتفاهماتهما لا تقف عند حدود أستانا بحضور إيران، أو عند حدود سوتشي في غيابها.

تحذير وتلويح بالقوة

أدّى التصعيد الميداني الذي جرى في محافظة إدلب بين قوات الجيش السوري ومن ورائها روسيا من جهة، والقوات التركية من جهة أخرى، إلى مقتل العديد من العناصر الإيرانية في شمال غرب سوريا. 

ورغم أن القيادة الرسمية الإيرانية تلقّت الأمر بهدوء، ونسّقت اتصالًا هاتفيًا بين الرئيس الإيراني حسن روحاني ونظيره التركي رجب أردوغان، حثّ فيه روحاني كافة الأطراف على التوصل إلى حل لقضية إدلب من خلال الحوار. فإن تحذيرًا شديدًا لأنقرة جاء مما يُسمى “المركز الاستشاري الإيراني في سوريا” يوم 1 مارس الجاري، بأن الجنود الأتراك موجودون منذ شهر في مرمى القوات الإيرانية التي كانت تستطيع الانتقام منهم ولكنها لم تفعل، داعية القيادة التركية لتصويب قراراتها وحقن دماء جنودها.

نتيجة بحث الصور عن المركز الاستشاريالايراني سوريا

تحاول طهران من خلال هذه التحذيرات أن تثبت لأنقرة وكذلك موسكو أنها ما تزال رقمًا صعبًا في المعادلة السورية، وأن القوات التابعة لها ما تزال موجودة في سوريا بشكل عام، وفي الشمال الغربي السوري بشكل خاص، ويمكنها أن تقلب الأمور رأسًا على عقب، ولكن يبقى ذلك محض تهديد، فإيران التي تعاني بشكل كبير إثر العقوبات الأمريكية المفروضة عليها، والتحديات الداخلية التي لا تتوقف وآخرها فيروس كورونا، لا تريد أن تستعدي دولة بحجم تركيا ربّما تكون في حاجة إليها في وقت من الأوقات لمواجهة هذه التحديات المحدقة بها داخليًا وخارجيًا.

وإن كان لا يمكن لإيران بأي حال من الأحوال حتى الآن أن تخرج بشكل صارخ عن محددات الموقف الروسي هناك، فإنها مازالت تحاول أن تشق لها طريقًا غير الطريق الذي تسلكه موسكو. وليس أدل على ذلك من تصريح وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف بأن بلاده على استعداد للوساطة بين الجانبين التركي والسوري، قائلًا لوكالة تسنيم الإيرانية في 19 فبراير الماضي “مستعدون للحديث مع أشقائنا السوريين والأتراك على مختلف المستويات بشأن إدلب، إذا كان هناك حاجة ليستفيدوا من مساعينا الحميدة ليتم حل هذه المشكلة بأضرار أقل”.

هل تبتعد طهران؟

تتفق مواقف كل القوى الدولية والإقليمية على رفض الوجود الإيراني في سوريا وضرورة إنهائه، ويأتي ذلك في ظل سياسة الضغط الأقصى التي تمارسها واشنطن على طهران من خلال العقوبات، إضافة إلى استمرار الضربات الإسرائيلية على المواقع الإيرانية في سوريا، وتحديدًا في محيط العاصمة دمشق. ويتزامن ذلك مع عدد من التحركات العربية لإعادة العلاقات بشكل طبيعي مع النظام السوري، ولعل آخرها قيام الحكومة الليبية المؤقتة بافتتاح سفارتها في دمشق من جديد، ولقاء الرئيس السوري بشار الأسد وفدًا من الحكومة الليبية.

ولكن المعطيات الميدانية تشير إلى أنه ليس من اليسير أن تستغني سوريا عن الدعم العسكري الإيراني، خاصة مع الدعم الكبير الذي قدمته طهران والفصائل التابعة لها للجيش السوري في معركته الجارية لتحرير إدلب من الفصائل الإرهابية. ومع بروز العديد من التساؤلات حول الدور العسكري الإيراني في سوريا بعد مقتل قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني، وهو الرجل الذي كان يدير هذا الدور، جاءت زيارة خليفته في قيادة فيلق القدس إسماعيل قاآني إلى سوريا لتؤكد أنه مستمر على نفس النهج الذي رسمه سليماني، وأن هناك تصميمًا إيرانيًا على البقاء في سوريا.

وإن كانت طهران قد لعبت دورًا في معارك إدلب، فإنها ما كان بإمكانها القيام بهذا الدور دون الغطاء الجوي الروسي، ولا شك أن إشراك الفصائل الموالية لإيران في المعارك الأخيرة تم باتفاق مع روسيا، وبالتالي تبقى كل خيوط اللعبة في سوريا بيد موسكو، هي التي تدير المشهد، ولا يمكن لإيران وإن امتعضت من غيابها عن التوافقات الأخيرة بين بوتين وأردوغان، أن تخرج عن القرار الروسي في اللحظة الراهنة.

أما على المدى البعيد، فقد تخرج طهران عن الخط الذي رسمته لها موسكو، خاصة وأن الهيمنة الروسية على سوريا بعد انقضاء الحرب لن ترضي غرور طهران. وإذا كان بقاء نظام الرئيس السوري بشار الأسد هو الهدف الذي اجتمعت عليه كل من موسكو وطهران، فبعدما يتحقق هذا الهدف سيظهر الخلاف للعلن، وقد تجد طهران في أنقرة حليفًا بديلًا، فالهيمنة الروسية على سوريا لن تكون في صالح تركيا أيضًا. ورغم تعارض المشروعين الفارسي والعثماني فإن مصالحهما قد تلتقي في نقطة ما، ويحدث التوافق بينهما مرحليًا، مثلما توافق القيصر الروسي مع الساعي لاستعادة أمجاد أجداده العثمانيين، مرحليًا.

Scroll Up