“الخامس من إبريل عام 2019″، شكل هذا التاريخ مرحلة فارقة على صعيد التطورات الميدانية في الشرق الأوسط، وكذلك في مسارات التسوية السياسية ومصفوفة التحالفات. ففي هذا اليوم، أعلنت القيادة العامة للجيش العربي السوري، والجيش الوطني الليبي بدء معارك تحرير إدلب وطرابلس. كان لافتاً التزامن بين العمليتين العسكريتين، وكون المستهدف واحد.. وهو تركيا ووكلائها الميليشياويين في أهم ساحات الحرب بالمنطقة، سوريا وليبيا”

منذ بدء دوران طواحين الحرب في سوريا منذ مارس 2011، كان التعاطي العربي مع ما يدور في هذه البلاد يحمل قدرًا كبيرًا من التباين والاختلاف يعكس ضبابية المشهد، ويؤشر على سيولة في تشكيل التحالفات والمحاور ذات الطابع الطائفي والمذهبي، مما ساهم في تعقيد الصورة أكثر، وإطالة أمد الانخراط العسكري المباشر للفواعل الإقليمية وتعثر بزوغ أي من مشاريع التسوية السياسية.

وعلى إثر اشتعال الموقف في سوريا، وتحول المظاهرات التي انطلقت من درعا في الجنوب وتلبيسة في حمص بالوسط، وحلب بالشمال؛ إلى ساحات للاقتتال المسلح داخل المدن المكتظة بالسكان، وظهور خطوط إمداد سخية للنشاط المسلح بطول الحدود السورية وخاصة الشمالية والجنوبية، شاهد العالم فصلًا جديدًا من فصول حروب العصابات والتدمير الممنهج للبنى التحتية، وإلحاق خسائر جسيمة في صفوف المدنيين، نتيجة لتبوء حرب المدن أولوية قصوى على بنك أهداف الفواعل المتصارعة في سوريا، ما أربك حسابات الموقف العربي مبكرًا، حيث علّق مجلس الجامعة العربية في نوفمبر 2011، عضوية سوريا، وشهدت دمشق بعدها عزلة عربية شبه تامة، بجانب عزلتها الدولية، ما دفع بتعزيز الاتجاهات الأمنية والتحولات السياسية التي أذكت تشكيل المحاور والتحالفات ذات الطابع الطائفي والمذهبي، ما عرّض الأمن القومي العربي لاختراق جسيم، ولاسيما بعد مغادرة العراق لمعادلة القوة العربية .. فكيف حدث ذلك؟

سوريا.. نقطة التقاء مشاريع التوسع الإقليمية العقائدية

على قدر الصدمة التي رافقت المحيط العربي والدولي إثر التطورات الميدانية للحرب السورية، وما شهدته من أهوال، وقتال عنيف ومتلاحم بين الجيش السوري وحلفائه ضد أكثر من ألف جماعة وتنظيم مسلح مرتبط بشبكة معقدة من العلاقات والأهداف لأكثر من 80 جهاز استخبارات في العالم، كان الانخراط العسكري والسياسي التركي والإيراني في الأزمة السورية محط اهتمام شديد، لخصوصية العلاقة بين البلدين “تركيا – إيران”، وتبنيهما مشروعين متناقضين مذهبيا للهيمنة الإقليمية، لكنهما يقومان على أيديولوجيا “الأممية الإسلامية”، ضد الوطنية.

وجاءت سمات انخراط القوتين متقاربة لحد كبير، فكلاهما هدد، بل اجتاح الجناح الشمال الشرقي للمنطقة العربية، من خلال وكلائهما الميليشياويين، لإحداث عمليات تغيير ديموغرافي عنيفة، بطول مناطق انخراطهما لتطويع الجغرافيا السياسية ضمن أهدافهما التوسعية والاستراتيجية، التي يمكن عدّ أبرزها، إنشاء رأس جسر – توسيع الاطلالة الساحلية في شرق المتوسط.

حيث قامت طهران بتأمين طريق بري لها من طهران لبيروت واللاذقية ليطل علي البحر المتوسط، ويمر ببغداد ودمشق. فيما قضمت تركيا مساحات واسعة من الشمال السوري، وإن كانت بعض “الكنتونات” الكردية تفصل حتى كتابة هذه السطور بين تلك المساحات والقطاعات، ما لا يوفر لتركيا سيادة مطلقة على هذه المناطق، أو جعل تكلفة البقاء فيها رخيصة بعض الشيء.

إلا أن الانخراط التركي كان أخطر لدى الكثير من الأطراف الإقليمية من الدور الإيراني الذي نجحت الإدارة الأمريكية في تقويض قدراته التكتيكية بمسرح عملياتي يشمل كل من العراق واليمن وسوريا. فلماذا يجيء الانخراط التركي في الأزمة السورية أخطر بعض الشيء؟

  • لجوء تركيا لشن عمليات عسكرية نظامية، لفرض وقائع ميدانية لصالح دورها الإقليمي. وصلت حتى الآن لأربع عمليات (درع الفرات – غصن الزيتون – نبع السلام – درع الربيع)، كان مسرحها جميعًا الشمال السوري.
  • مقايضة القوى الدولية الكبرى، بتحمل بعض من أعبائها الأمنية في المنطقة نظير الاعتراف بدورها الإقليمي أو شرعنته.
  • تنفيذ أكبر عملية إعادة تموضع وانتشار للتنظيمات المسلحة والفصائل الإرهابية من سوريا لشمال أفريقيا “ليبيا”. 
  • محاولة استنساخ ليس النموذج السوري فحسب في ليبيا، وإنما نموذج “جمهورية قبرص الشمالية”، في كل من شمال غرب سوريا، وليبيا.
  • ربط التطورات الميدانية في إدلب السورية بطرابلس الليبية، ما فاقم من التحديات الأمنية أمام مشاريع التسوية السياسية، وكذا جهود مكافحة الإرهاب وخاصة في شمال إفريقيا.
  • محاولة التموضع الأحادي في شرق المتوسط، وفرض وقائع ميدانية لمساومة الفواعل الإقليمية بالوجود ضمن خريطة الطاقة الناشئة فيه، مقابل خفض احتمالات المواجهة العسكرية.
  • لجوء تركيا للخاصرة الجنوبية لإقليم شمال إفريقيا “دول الساحل والصحراء”، ودعم نشاط التنظيمات والفصائل الإرهابية ولاسيما في مالي وتشاد.

فتحولت الجغرافيا السورية، من موقع مهم في منظومة الأمن القومي العربي، إلى نقطة انطلاق لمشاريع ضرب هذه المنظومة. من جهة غرب المنطقة العربية وجنوبها، وهو الأمر الذي دفع العديد من الأطراف العربية إلى مراجعة تقييم علاقاتها مع دمشق مرة أخري. لتحقيق:

  • تقويض الدور التركي في واحدة من أهم نقاطه “سوريا”
  • فصل الترابط الذي يقيمه النظام التركي بين شمال غرب سوريا وشرق المتوسط.
  • تحشيد موقف عربي كبير ضد التحركات التركية التوسعية ليُشكِل تحديًا لهامش مناورة تركيا.

وعليه، فإن هناك العديد من المؤشرات التي طفت على السطح قبل عامين وعبّرت عن مزاج عربي أقل حدة لتقبل خطوات إعادة الجمهورية السورية للجامعة العربية بعد تنامي الإدراك لدي الحكومات بضرورة احتواء سوريا، ولاسيما بعد خوض الأخيرة حربًا ضروسًا ضد تركيا في الشمال، ومن هذه المؤشرات الأولية:

  • إعادة فتح دولة الإمارات لسفارتها في دمشق، ديسمبر2018.
  • عقد اجتماع الأردن “السداسي” الذي ضم مصر والسعودية والإمارات والكويت والبحرين في يناير 2019 وتصدُر قضية عودة سوريا للجامعة العربية جدول أعماله، حيث وصفها العديد من المسؤولين والدبلوماسيين بأنها كانت النقطة الأبرز.
  • مشاركة البرلمان السوري في مؤتمر البرلمانات العربية الذي انعقد في عمّان، مارس 2019.
  • استقبال البرلمان المصري للسفير السوري، أكتوبر 2019.
  • إدانة الرباعي العربي للاجتياح التركي في شمال شرقي سوريا، أكتوبر 2019، ودعمه لموقف الجمهورية العربية السورية في حق الدفاع عن نفسها ضد ما وُصِف في بيانات الرباعي بـ “الاحتلال التركي”.
  • فتح الحكومة الليبية المؤقتة، لسفارة ليبيا في دمشق، الثالث من مارس الجاري، ولقاء الرئيس السوري بشار الأسد، وفد الحكومة الليبية المؤقتة، الذي ضمَ وزير الخارجية ونائب رئيس مجلس الوزراء.

تجدر الإشارة إلى أن نائب وزير الخارجية السوري، فيصل المقداد، قد أعلن لدى استقباله الوفد الليبي أن “هذا اعتراف بأن المعركة التي نقودها نحن في سوريا وفي ليبيا هي معركة واحدة موجهة ضد الإرهاب وضد من يدعم الإرهاب”، في إشارة إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان”. 

ويأتي ذلك في ظل تواتر الأنباء عن زيارة سرية قام بها القائد العام للجيش الوطني الليبي، خليفة حفتر، للعاصمة السورية دمشق. وفيما نفت مصادر عسكرية بالجيش الليبي هذه الأنباء؛ إلا أنها تأتي في ظل أجواء من التنسيق المكثف – استخباراتيًا وعسكريًا – بين دمشق وبنغازي، وقد رصد المرصد المصري قبل خمسة أشهر عودة رحلات طيران شركة “أجنحة الشام”، بين بنغازي ودمشق، في تطور لافت وقتها ينبئ بقدوم مرحلة يسودها التنسيق المباشر بين الجيش الوطني الليبي والحكومة السورية، ولاسيما بعد لجوء تركيا لنقل المرتزقة السوريين من شمال غرب سوريا لبؤرتي مصراته وطرابلس.

كل ذلك، يكتسب أهمية حاليًا مع اقتراب موعد انعقاد القمة العربية المقبلة في الجزائر التي لطالما احتفظت بعلاقات جيدة مع دمشق. فحسب المعلومات المتوافرة، فإن القيادة الجزائرية أرجأت موعد الانعقاد من الشهر الحالي لشهر يونيو، لتوفير الإمكانات اللوجستية اللازمة لذلك، وأيضًا لبحث تحقيق اختراق لإعادة دمشق للجامعة العربية. بعد حصول مشاورات عربية – عربية، وعربية – سورية، بخصوص هذا الأمر حسبما أعلن الأمين العامة للجامعة أحمد أبو الغيط.

تحديات مازالت قائمة

هنالك ثمة تحديات تواجه تحقيق عودة سوريا للجامعة العربية. يمكن عدّ أبرزها في:

  • تخوف بعض الدول العربية من النفوذ الإيراني في سوريا. بيد أن هنالك بعض الدول الأخرى التي مازالت تدرك مدي ارتباط العلاقات بين دمشق وطهران، ولا تضع تحجيمها كشرط أوليّ لعودة العلاقات. 
  • الموقف الأمريكي من العودة السورية، حيث يظل هو أكبر محددات العمليات الإجرائية لعودة دمشق للمحيط العربي. كما أن القمة العربية ستعقد في يونيو القادم بالتوازي مع بدء تنفيذ “قانون قيصر” الذي يقيد مساهمات القطاعين الحكومي أو الخاص بإعمار سوريا، ويفرض حزمة من العقوبات، إضافة إلى ارتباطه بمستقبل شرق الفرات والوجود الأمريكي ومسارات الحوار بين دمشق و”الإدارة الذاتية” الكردية، الحليفة لواشنطن، والمساعي العربية لعقد مؤتمر للمعارضة السورية في القاهرة لإدخال الأكراد بالعملية السياسية، المجمدة حاليًا. وخاصة بعد نجاح القاهرة في تفعيل دورها كوسيط بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية منذ أكتوبر الفائت، وتوصلها لتفاهم مشترك أتاح للقوات السورية التموضع في شمال شرقي سوريا ضمن نقاط وجيوب عسكرية ضيقة لوضع نقاط تماس مع القوات التركية.

بيد أن عودة سوريا للجامعة العربية لن تُقدم حلًا لمواجهة وتقويض الدور التركي، بقدر ما ستضع أمام صانع القرار في أنقرة تحديات إضافية أمام تحركاته في عدة دوائر وهي شمال سوريا وشرق المتوسط وغرب ليبيا. كما أن الظروف أُتيحت طبقًا للمؤشرات الأولية السالف ذكرها، بصورة قد تجعل من تفويت الفرصة لعودة دمشق للجامعة العربية خطأ استراتيجيًا كبيرًا في مرحلة يشتبك فيها المشروع التوسعي التركي اشتباكًا عنيفًا مع الجغرافيا السياسية للمنطقة. ما ينبئ أن ثمة عودة لدمشق ضمن محيطها العربي قد تظهر بالأفق القريب خلال أشهر قادمة.

Scroll Up