في فبراير 2020، وقبل إعلان “الهدنة الهشة” بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب أردوغان بشأن إدلب، كان وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف أطلق تصريحه الشهير أمام مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة بجنيف، الذي وصف من خلاله وقف الهجوم السوري في محافظة “إدلب” بشمال غرب سوريا، حفاظا على أرواح النازحين السوريين، قائلا إن أمرًا كهذا سوف يكون بمثابة استسلام للإرهابيين. مضيفا “أن وقف الهجوم، بهذه الطريقة، لن يكون مراعاة لحقوق الإنسان، بل إنه سوف يكون بمثابة استسلام للإرهابيين بل وحتى مكافأة لهم على أفعالهم”.

وعلى الرغم من أن هذا التصريح قد يؤخذ كدلالة على عدم اكتراث روسيا، لحقيقة ما يُعانيه اللاجئون السوريون من معاناة بسبب ما وقع عليهم من أضرار الحرب، إلا أنه له معاني أخرى لها دلالات تأخذنا إلى ضرورة الوقوف على فهم أبعاد الاستراتيجية الروسية لحل أزمة اللاجئين السوريون.

إذ أن موسكو في هذا السياق، شأنها شأن جميع الدول الأوروبية والولايات المتحدة كذلك، ترغب في عودة اللاجئين السوريين. ولكن الاختلاف الحقيقي يكمن في مفهوم كل طرف لطريقة عودة اللاجئين الى أراضيهم.

وبذكر الجهود التي تعبر عن الرؤية الروسية للتوصل الى حل لهذه الأزمة، يُذكر أن عام 2018، شَهِد جهودا روسية مكثفة في هذا السياق. كان من ضمنها أن ناقش الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في مايو، مسألة عودة اللاجئين الى سوريا، ثم طلب رفع القيود المفروضة على المساعدات الإنسانية إلى سوريا حتى يساهم هذا الأمر، في تدفق اللاجئين على طريق العودة من أوروبا الى وطنهم الأم.


وكان بوتين يعني بهذه القيود، ما فرضته الولايات المتحدة الأمريكية جنبا الى جنب مع الغرب من عقوبات تحظر تقديم المساعدات المالية والإنسانية –بما في ذلك الأدوية- الى المناطق التي يسيطر عليها النظام السوري.
تلى ذلك ما بذلته موسكو من جهود في هذا الإطار، بما في ذلك أن أنشأت وزارة الدفاع الروسية – في يوليو 2018- مركزا لاستقبال اللاجئين السوريين وتنظيم توزيعهم وإقامتهم في سوريا، ونتج عن هذه الجهود عودة 7 آلاف لاجئ إلى سوريا قادمون من لبنان.

وأطلقت موسكو بالتعاون مع الحكومة اللبنانية “المبادرة الروسية” لإعادة النازحين السوريين الى منازلهم، بحيث نصت المبادرة على تشكيل لجنة فنية عن ممثلين موسكو وبيروت بالإضافة الى ممثلي عن مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين والنظام السوري كذلك، وتكون هذه اللجنة مخول لها وضع آليات إعادة اللاجئين السوريين الى أراضيهم.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة لم تكن لا هي ولا الدول الأوروبية، أعضاء في المبادرة، إلا أن سعد الحريري قد أعلن ترحيبه بأي طرف دولي يرغب في الانضمام الى المبادرة، حتى لو كان هذا الطرف هو واشنطن أو أي دولة من الغرب.

ولكن بمجرد أن لاحت في الأفق بوادر نجاح المبادرة الروسية في عودة اللاجئين، أبدت الولايات المتحدة امتعاضها إزاء المبادرة، إذ أنها من ناحية كانت تصر على إبقاء النازحين السوريون في لبنان.
ومن ناحية أخرى ضغطت على الدول العربية والأوروبية للإصرار على رفض تمويل صندوق العودة بهدف “تجميد” المبادرة الروسية بشأن إعادة النازحين الى بلادهم مرة أخرى. وبمراجعة المشهد السالف ذكره، يأخذنا الموقف الحالي الى طرح عدة تساؤلات مهمة، حول الأسباب التي تدفع الولايات المتحدة للتصرف على هذا النحو، بالإضافة الى محاولة استكشاف أسباب عدم رغبتها -جنبًا الى جنب- مع الغرب في عودة اللاجئين ولكن على طريقة موسكو؟! أو بالأحرى لماذا لا تنال تحركات موسكو إزاء التوصل الى حلول لأزمة النازحين التي باتت تمثل خنجر في ظهر أوروبا، إعجاب واشنطن وأوروبا نفسها؟!

حق العودة في ظل الاعتراف بشرعية النظام السوري في مقابل العودة بعد اسقاط النظام


وللرد على هذه التساؤلات، يجب أن نعود بالذاكرة الى ما قبل اندلاع الأحداث عام 2011، عندما كانت سوريا دولة هادئة تماما، يعيش سكانها بشكل طبيعي ويتمتعون بنمط حياة مناسب ولائق، بالدرجة التي كانت تستحيل معها وجود أي شخص سوري يرغب في الحصول على حق اللجوء لدى دولة أجنبية بحثًا عن الأمن.

ولكن بعد اندلاع الأحداث التي وصلت الى الحرب على النظام السوري الحاكم –أملاً في تحقيق الديمقراطية- تحول الشعب السوري الذي كان بالأمس ينام هانئا في بيته ويعيش مبجلا على أرضه، فجأة وبين ليلة وضحاها إلى لاجئين غير مرحب بهم في أوروبا، يطوفون العالم بحثًا عن مخبأ ومأوى يحتمون به بسبب ما تشهده بلادهم من انفلات أمني ونزاعات مسلحة أدت الى نزوحهم عن منازلهم في نهاية المطاف.


إذا كان أحدهم يرغب في التوصل الى فهم لموقف الولايات المتحدة والغرب –المتضرر بالفعل – من قضية اللاجئين، والرافض في نفس الوقت للمبادرة الروسية. يمكن النظر الى رحلة طويلة مديدة قضتها الولايات المتحدة منذ بدء اندلاع الأحداث في سوريا جنبًا الى جنب مع الغرب، في دعم الديمقراطية، والتنديد بالنظام السوري تحت قيادة بشار الأسد والمطالبة برحيله، وعدم استعدادها للتنازل عن فكرة إسقاط النظام السوري بالكامل، بل أن الأمور تجاوزت –الدعم اللفظي- الى ما هو أبعد من ذلك وقامت الولايات المتحدة جنبًا الى جنب مع الغرب بتقديم الدعم للمعارضة المسلحة المناهضة للنظام السوري. في نفس الوقت الذي تمسكت فيه موسكو بدعمها لنظام بشار الأسد، باعتباره النظام الشرعي الحاكم للبلاد الذي يواجه حربًا من جماعات إرهابية مسلحًة مدسوسة ضده.

وبناءً عليه قوبلت المساعي الروسية لإعادة اللاجئين الى أراضيهم في ظل وجود حكومة بشار الأسد، بالرفض الأمريكي والأوروبي. والأسباب وراء ذلك واضحة ومفهومة، إذ أن عودتهم في ظل وجود النظام تعتبر بمثابة موافقة ضمنية على النظام نفسه، واعتراف حقيقي بشرعيته وأحقيته في مواصلة إدارة شئون البلاد بشكل طبيعي مرة أخرى.
والقضية هنا، بالنسبة للولايات المتحدة والغرب معا، هي ليست قضية تتعلق بالحفاظ على حياة اللاجئين، أو حتى منع تدفقهم إلى أوروبا. والدليل على ذلك أن الولايات المتحدة والغرب يصرون على عدم عودة اللاجئين السوريون الى أراضيهم إلا في حالة ضمان إنهاء الحرب بشكل كامل وضمان حالة الاستقرار الأمني، وهو شيء يقول النظام السوري أنه باستطاعته -وبمساعدة شركائه من الروس- توفيره للاجئين. ولكنهم يعاودون الإصرار على عدم رغبتهم بالاعتراف بالنظام السوري أولاً، وهنا يطرح سؤال نفسه، كيف تعرف أوروبا أو الولايات المتحدة أن النظام السوري -عندما تتحقق أمانيهم ويسقط- سوف يتوقف عندها تدفق اللاجئين خارج البلاد؟! في حين أن هؤلاء اللاجئون عاشوا لسنوات في ظل هذا النظام قبل اندلاع الحرب، ومن دون الحاجة الى اللجوء، الذي تتكبد الآن القارة الأوروبية مرارة تبعاته، بفعل دعمها لما يُسمى بالرغبة في تحول سوريا الى الديموقراطية في المقام الأول.

في الوقت ذاته، ترى روسيا أن الجماعات الإرهابية الدخيلة على الأراضي السورية، وحربهم على النظام هي السبب الرئيسي في الفوضى التي أدت إلى الخلل الأمني، الذي نتج عنه وجود أعداد هائلة من النازحين وما رافقها من أزمات إنسانية كبرى، كانت أوروبا بعد الشعب السوري نفسه هي المتضرر الأول منها.

وبعبارة أخرى، تَكمُن المعضلة، في أن النظام السوري جنبًا الى جنب مع روسيا يرغب في تمهيد الطريق أمام عودة اللاجئين من خلال فرض الاستقرار عن طريق القضاء على الميليشيات المسلحة والجماعات الإرهابية المعارضة له. فيما ترفض الولايات المتحدة مع الغرب التنازل عن فكرة –دمقرطة- سوريا، حتى لو كانت هذه الديموقراطية سوف تأتي مرورًا على أجساد اللاجئين، حتى لو كانت سوف تأتي عبر إحكام خناق اللاجئين على الدول الأوروبية.

وبهذه الطريقة، لا تزال المعضلة قائمة، وفي هذه الحالة انها ليست معضلة إنسانية، كما أنها لا تتعلق كذلك بضرورة توفير الأمن للاجئين السوريون، ولكنها فقط معضلة اعتراف بشرعية النظام السوري. إذ أن استراتيجية روسيا تقوم على عودة اللاجئين في إطار الاعتراف بشرعية النظام السوري، فيما تصر واشنطن جنبا الى جنب مع الغرب على عدم الموافقة على عودة اللاجئين إلا بعد خروج بشار الأسد من السلطة. وفي هذا السياق، هناك سؤال يطرح نفسه، كيف دفعت أوروبا ثمن محاولات “دمقرطة” سوريا حتى الآن؟! وإلى متى سوف تتابع الإصرار على عنادها، وعدم الاعتراف بأن “أزمة اللاجئين” التي أصبحت عقبة ملقاة على عاتق الحكومات الأوروبية، كانت نتيجة تقديمهم الدعم للمعارضة الإرهابية المسلحة بزعم “دمقرطة سوريا”.

وختاما، من يشعل النيران عليه أن يسارع في إخمادها بنفسه، قبل أن يتكبد مرارة المزيد من الخسارات المتتالية. كما ينبغي على من يُندد بالأزمات الإنسانية، ألا يجعلها رهينة للنظم السياسية.

Scroll Up