عادة ما تهتم الدراسات التاريخية بعلاقة تنظيم الإخوان مع بريطانيا، وكيف صنعت لندن هذا التنظيم في إطار لعبة تصنيع اسلام سياسي موالى لها منذ القرن الثامن عشر، أو لاحقًا علاقة الإسلام السياسي عمومًا وتنظيم الإخوان خصوصًا مع الولايات المتحدة الأمريكية عقب الحرب العالمية الثانية، ولكن لا تهتم الكثير من الدراسات المتعلقة بتاريخ الإسلام السياسي لحقيقة أن بعض الإسلاميين قد خانوا بريطانيا التي صنعتهم، وتواصلوا مع ألمانيا النازية خلال الحرب، وعلى رأس هؤلاء حسن البنا الذي لا يكتبه فلان إلا بمصطلح العميل البريطاني.

المؤرخ كلاوس جينسك في كتاب “النازيون ومفتي القدس أمين الحسيني”، نشر وثائق عن تواصل ألمانيا النازية مع تنظيم الإخوان المسلمين عبر مفتي القدس أمين الحسيني. وإذا كان التنظيم، وفقاً لما كتب جينسك، صناعة بريطانية خالصة، فإن المستشار الألماني أدولف هتلر رأى أن الإسلاميين مجرد مرتزقة ينحازون لمَن يدفع أكثر، وأن استخدام الإخوان في إثارة اضطرابات في مصر ضد البريطانيين، وليس ضد السلطة المصرية والملك فاروق، قد يؤدى إلى ثورة شعبية ضد الاحتلال البريطاني، ما يؤثر على استقرار بريطانيا في منطقة قناة السويس.

C:\Users\user\Desktop\ihab (1).png

وفي كتابه “من قتل حسن البنا؟”، نشر المؤرخ والكاتب الصحفي محسن محمد، رئيس مجلس إدارة دار التحرير ورئيس تحرير جريدة الجمهورية سابقًا، نص وثيقة من أرشيف وزارة الخارجية البريطانية، تحمل رقم 23342.O.F بتاريخ 22 أكتوبر 1939، وتنص على أن السلطات المصرية، بإيعاز من الاحتلال البريطاني، فتشت مكتب الملحق الصحفي الألماني ومدير مكتب الدعاية النازية بالقاهرة ويلهام ستلوبجن ووجدت فيه خطابًا يفيد بتسليم مبالغ مالية لحسن البنا، مرشد تنظيم الإخوان.

وكتب البنا في مجلة النذير، العدد رقم 30 بتاريخ 26 ديسمبر 1938، ما يمكن تفسيره بأنه يمارس دعاية دينية وسياسية لألمانيا وحلفائها، إذ قال: “ذكرت بعض الصحف أن إيطاليا وألمانيا تفكران في اعتناق الإسلام، وقررت إيطاليا تدريس اللغة العربية في مدارسها الثانوية بصفة رسمية وإجبارية، ومن قبل سمعنا تفكير اليابان في الإسلام”.

ويتحدث البنا عن ألمانيا وإيطاليا واليابان، أي دول المحور تحديدًا حيث كتب: “هذا استعداد طيب تعلنه هذه الدول، إذا أضفنا إليه موقف الدول المسيحية من الكنيسة، وخروجها على تعاليمها، وموقف اليابان من ديانتها الوثنية وتبرمها من طقوسها، وأضفنا إلى ذلك كله أن هذه الدول إنما تعجبها القوة والكرامة والفتوة والسيادة، وأن هذه هي شعائر الإسلام”.

C:\Users\user\Desktop\ihab (1).jpg

ويذكر الكاتب رفعت السعيد في كتابه “حسن البنا… الشيخ المسلح” أن مقالات البنا كانت سببًا في شائعة تحول هتلر للإسلام سرًا، ومقولة إن “الحاج محمد هتلر” قادم لتحرير العرب والمسلمين، وهي المقولة التي ترددت في المنطقة العربية بأسرها.

ووفقاً للمؤرخ ستيفان إيهريج في كتابه “أتاتورك في الخيال النازي”، افتُتح مكتب للإخوان المسلمين في برلين برئاسة الداعية الإخواني محمد صبري، وأصدر كتابًا بعنوان “الإسلام واليهودية والبلشفية”، واصفًا الأفكار الشيوعية بأنها “صنعت من قبل اليهود، وتقاد من قبل اليهود. وبذلك فإن البلشفية هي العدو الطبيعي للإسلام”، وذلك عشية الاجتياح الألماني للاتحاد السوفيتي. وقد أوصت وزارة الدعاية النازية بأن يقرأ الصحفيون الألمان هذا الكتاب.

الجهاد في سبيل النازية

وهناك مؤشرات كثيرة تدل على إعجاب هتلر والنازيين بالإسلام في علاقته بأخلاق الجندي. وفي هذا الإطار، كتب ألبرت شبير Albert Speer، وزير التسليح والذخيرة النازي في كتابه “داخل الرايخ الثالث” أن هتلر قال في أحد الاجتماعات إن “المسيحية ليست ملائمة للمزاج الجرماني، على عكس الإسلام”.

وفي اجتماع آخر، نشر محضره في دراسة بعنوان “أحاديث طاولة هتلر” Hitler’s Table Talk لمجموعة من الباحثين قال هتلر: “إن العبادة التي تمجد البطولة ولا تفتح السماء السابعة إلا لجرأة المحارب وحده كانت لتحسم سباق الجرمانية لغزو العالم”.

C:\Users\user\Desktop\ihab (2).jpg

وفي مقال بعنوان “الإسلام والصليب المعقوف” Islam et croix gammées، ذكر البروفيسور والمؤرخ الفرنسي جيل أردينا Gilles Ardinat أن هنريش هيملر، وزير الداخلية وقائد الجيستابو والقوات النازية الخاصة، قال: “ليس لديّ ما أؤاخذه على الإسلام، بل بالعكس، هو دين مفيد وملائم للجندي”.

ويشير أردينا إلى أن بعض المنظرين النازيين قالوا إن المجتمعات المسلمة متفوّقة، من وجهة نظر عرقية، واخترعوا مفهوم الـMusul-germains، مفترضين وجود علاقة بينهم وبين ما روّجوه عن العرق الآري.

وأنتجت هذه الآراء رغبة نازية في تجنيد فريضة الجهاد لخدمة الأجندة الألمانية، وهو مخطط لم تستطع ألمانيا الاستفادة منه في الحرب العالمية الأولى التي انتهت باستسلام برلين، وتقسيم وانهيار الإمبراطورية الألمانية.

وكشف المؤرخ ستيفان إيهريج في كتابه “أتاتورك في الخيال النازي” أن هتلر تأثر في شبابه بحاكم مسلم هو مصطفى كمال أتاتورك، وقد حملت الدعاية النازية طوال العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي تبجيلًا لأتاتورك باعتباره بطلاً أيقظ القومية التركية بعد الهزيمة.

ويضيف إيهريج أن هتلر كان معجبًا بقدرة أتاتورك على القيام بمراجعات قومية وعرقية أدت إلى نهوض تركيا عقب هزيمة الإمبراطورية العثمانية واستعادة الأقاليم السورية الشمالية ومضيق الدردنيل التي تنازلت عنها الدولة العثمانية عقب الهزيمة في الحرب. وذلك في زمن كان هتلر يبحث عن مراجعة قومية وعرقية تبعث ألمانيا عقب هزيمة الإمبراطورية الألمانية في الحرب ذاتها، وخسارتها لمساحات شاسعة لمصلحة دول الجوار. ويشير إيهريج إلى أن مصطلح أتاتورك أو أبي الأتراك يلخص فكرة الطاعة التي طبقها هتلر لاحقاً في مصطلح الفوهرر.

ويضيف أن هتلر كان معجبًا بتعاطي تركيا مع الأقليات الأرمنية واليونانية التي “خانت” الإمبراطورية وفقاً لاعتقاد الأتراك، وتساءل في الثلاثينيات: “مَن يتذكر اليوم مذابح الأرمن؟”، علماً أن هتلر نظر إلى اليهود باعتبارهم أقلية خانت الإمبراطورية الألمانية. وقد أعفى هتلر الألمان من أصول تركية وإيرانية من قوانين نورنبرج الخاصة بنقاء العرق الألماني، ثم أضاف الألمان من أصول بلقانية على ضوء انضمام المسلمين من تلك الأصول إلى الجيش النازي.

C:\Users\user\Desktop\ihab (3).jpg

وفي أبريل 1942، أصبح هتلر أول زعيم غربي في التاريخ الحديث يصرح بأن الإسلام ليس دين الإرهاب، وفي سبتمبر 1943 فتح الحزب النازي أبوابه أمام انضمام المسلمين، بحسب كتاب إيهريج.

بهدف كسب مشاعر وتأييد الشعوب العربية والإسلامية المحتلة من قبل بريطانيا وفرنسا، أعداء برلين، لجأت المانيا النازية إلى إطلاق وعود الاستقلال والحرية لشعوب الشرق الأوسط، وأغدق الفوهرر بالرسائل ذاتها على شعوب الاتحاد السوفياتي ويوغوسلافيا، خاصة الشعوب المسلمة في القرم والقوقاز السوفياتي، وأقاليم السنجق والبوسنة بيوغوسلافيا، وفقاً للمؤرخ كلاوس جينسك في كتاب “النازيون ومفتي القدس أمين الحسيني”.

قصة الفرقة الاخوانية في الجيش النازي

ولم يكتف الفوهرر بوعوده، بل شكّل فرقة عسكرية من مسلمي القوقاز والبلقان الذين استمعوا إلى نداء أوفى أصدقاء هتلر من الساسة المسلمين، مفتي القدس أمين الحسيني، بالانخراط في الجهاد بالجيش الألماني. وسُمّيت هذه الفرقة التي انخرطت تحت قوات النخبة النازية بوحدة هاندشر وضمت 20 ألف مقاتل مسموح لهم بقضاء الشعائر الدينية وتم توفير وجبات اللحم الحلال بالإضافة الى إمامٍ يعظ في عناصرها.

شكل أمين الحسيني هذا الجيش حينما زار إيطاليا ثم ألمانيا عام 1941، وقابل هتلر للمرة الأولى بعد ثماني سنوات من المراسلات الدبلوماسية. ووفقاً لجينسك، استخدم الحسيني أدبيات وأفكار حسن البنا الإخوانية في وعظ وتشكيل هذا “الحرس الثوري الإسلامي النازي”، حتى أن بعض أبناء تنظيم الإخوان وقتذاك أطلق عليه اسم كتائب الإخوان بالجيش الألماني النازي.

في نوفمبر 1944، قام هيملر وأمين الحسيني بإنشاء مدرسة للأئمة العسكريين في درسدن. ولاحقاً، بحسب محسن محمد، اتخذت بريطانيا والحكومة المصرية الموالية لها قرارًا بتأديب البنا، وأصدرت الحكومة المصرية أمرًا قضائيًا بتوقيفه، إلا أن لندن رأت عقب هزيمة ألمانيا النازية وانتهاء الحرب العالمية الثانية أن تنظيم الإخوان يُعدُّ درعًا مهمًا لصد المد الشيوعي عن المنطقة العربية في إطار الدفاع عن مصالح بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية خلال فعاليات الحرب الباردة، لذا تم هيكلة التنظيم وإعادة استخدامه مرة اخري بعد التخلص من العناصر التي تعاونت مع برلين.

ألمانيا والإسلام السياسي.. تاريخ قديم

في نهايات القرن التاسع عشر، كانت فكرة “الجهاد الإسلامي” مطمَعاً حقيقياً للدول الغربية التي حاولت أن تستخدم لمصلحتها فكرة الحرب المقدسة، أي عندما يعلن الحاكم أو القائد أن معركة معيّنة تخدم نصرة الدين، فيتدفق آلاف الناس للقتال حتى الموت، دون اعتراض يذكر… على أن تكون النتيجة لمصلحة إحدى الدول الكبرى.

وبحسب المؤرخ شون ماكميكن في كتابه “قطار برلين-بغداد: الإمبراطورية العثمانية والصعود الألماني الدولي”، شهدت نهاية القرن التاسع عشر تنافسًا بين ألمانيا وبريطانيا على توظيف الإسلام السياسي لمصلحتهما.

فكانت الإمبراطورية الألمانية تسعى إلى تأسيس حركة جهادية تعلن الحرب على الاستعمار الغربي للولايات العربية العثمانية، على أن يبارك السلطان العثماني هذا الجهاد، بينما كانت بريطانيا تسعى إلى تكوين حركة جهادية عربية ضد سلطة العثمانيين على هذه الولايات.

وكانت الغلبة لبريطانيا على وقع الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، فتعاونت مع الهاشميين وبعض من شعوب المنطقة لإعلان قيام الثورة العربية الكبرى في 10 يونيو 1916 ضد السلطنة العثمانية. وهكذا كسب البريطانيون الإسلام السياسي والجهاد الإسلامي في صفوفهم خلال الحرب العالمية الأولى.

Scroll Up