عرض – محمد منصور 

الكاتب والفيلسوف والناقد الأدبي السلوفيني سلافوي تشيتشك، أصبح أول من يؤلف كتابًا يتناول جائحة كورونا، وذلك في كتابه المعنون (وباء كوفيد-19 يهز العالم؟). يعد سلافوي تشيتشك أحد أبرز الكتاب في عالم الفلسفة المعاصرة، ويتناول في كتابه هذا ملف تداعيات تفشي هذه الجائحة في دول العالم، لكن من وجهات نظر مغايرة لما هو متداول أو متعارف عليه.

يرى تشيتشك أن الأنظمة الرأسمالية في العالم ستحتاج بالضرورة إلى أن يتم استبدالها، بأنظمة أخرى تستلهم من الأنظمة الشيوعية بعض الملامح، مثل تحجيم آليات السوق الحرة، كذلك يطالب بدور موسع للمؤسسات الدولية مثل منظمة الصحة العالمية، ويناقش البنى التحتية للرأسمالية العالمية، والعلاقات الحالية بين الدول المختلفة على ضوء تفشي الفيروس، والجوانب النفسية (الفردية والجماعية) للمعيشة خلال هذه الأزمة.

يطرح تشيتشك أيضا من خلال كتابه، عدة تساؤلات غير مسبوقة حيال هذه الجائحة، منها لماذا يوافق الكثير من الناس على استغلال العمال في مثل هذه الظروف، في حين يجلس الأثرياء وأصحاب الشركات في منازلهم؟ وكيف أدى انعدام الثقة بين الدولة والشعب إلى تفاقم تفشي المرض في الصين؟ وهل تستخدم الحكومات الوباء كذريعة لإعلان حالات الطوارئ وإجراءات أخرى محددة للحرية؟

الفصل الأول: نحن جميعًا في نفس السفينة

الطبيب الصيني (لي وينليانج)، الذي كان أول من أشار إلى بدء ظهور جائحة كورونا لأول مرة في مدينة ووهان، والذي تم إجباره من جانب السلطات الصينية على الصمت، أصبح أحد أبطال هذا العصر، مثله مثل أبطال سابقين مثل الجندية الأمريكية السابقة تشيلسي مانينج، ورجل السي أي أيه السابق أدوارد سنودن، لذلك لا عجب في أن وفاته متأثرًا بإصابته بالفيروس، أثارت غضبًا واسعًا.

ردة الفعل الأولية من جانب الحكومة الصينية، على بدء هذا الفيروس في التفشي، كانت متأثرة بالذهنية الصينية المعادية لحرية التعبير. الصحفي المقيم في هونج كونج (فيرنا يو) تناول هذه النقطة قائلًا “أذا كانت الحكومة الصينية تُقدر حقًا حرية التعبير في أراضيها، لم تكن لتندلع أزمة من جراء تفشي هذا الفيروس، وإذا ظلت حقوق الإنسان غير مصانة في الصين، ستظل احتمالات اندلاع أزمات مماثلة قائمة. وكما رأينا فيما يتعلق بأزمة فيروس كورونا، لقد كان تضييق الصين على حريات مواطنيها، ومنعها تداول أية أخبار أو معلومات عن الفيروس وانتشاره، سببًا رئيسيًا في تفاقم هذه الكارثة، لذلك أعتقد أنه حان الوقت كي يتخذ المجتمع الدولي خطوة جادة حيال هذا الواقع”. حسب ما سبق، نستطيع أن نُقر أن منهج الحكومة الصينية بات يتعارض فعليًا مع أحد أهم شعارات الزعيم التاريخي ماوتسي تونج (ثق في الشعب)، وأصبح هذا المنهج يعتمد بدلًا من ذلك على مبدأ لا يوجد فيه أدنى ثقة في الأوساط الشعبية، نعم يتم في هذا المنهج تقديم الرعاية والاهتمام للشعب، لكن هذا يتم تحت مظلة من الشكوك وعدم الثقة.

هذه المنهجية ظهرت سابقًا في تعامل السلطات مع النشطاء في المجال البيئي أو النقابي، حيث لجأت الحكومة الصينية إلى أختطاف أصحاب الأصوات العالية، من الطلاب ذوي التوجه الماركسي، والدعاة الدينيين، والصحفيين العاملين في هونغ كونغ، والنشطاء البيئيين، بل وحتى بعض الممثلين، ومن ثم يتم تغييب هؤلاء لبضعة أسابيع، ثم يعودون للظهور مرة اخرى، بعد ان يتم إلصاق تهم معينة بهم، وبالتالي يتم اجبارهم على الصمت، تحت تهدد تهم معينة. ردود الفعل العنيفة هذه من جانب السلطة في الصين، تعزى أساسًا إلى خشيتها من أحتمالية حدوث تقارب بين نشطاء النقابات العمالية وبين الطلاب الماركسيين، يغذيه بعض قدامي الحزبيين، وحتى بعض منتسبي الجيش. هذا التقارب سيهدد في حالة حدوثه، أسس نظام الحكم الذي يتصدره الحزب الشيوعي، ولهذا قام الحزب بحظر عدد من المواقع (الماوية) المعارضة، ومنع تبادل المناقشات داخل الحرم الجامعي حول المبادئ الماركسية. الصين تدفع الآن ثمن هذا النهج وهذه المواقف.

المتخصص في علم الأوبئة غابرييل لونغ، يرى من جانبه “أن الشعب الصيني كان يرغب في التمتع بقدر من الثقة والشفافية والمصداقية، في حين يرتكز الحكم الشمولي في الصين على الشك وعدم الثقة حتى في الآراء العلمية والطبية، وفي ظل أختلاط الأخبار الصحيحة بالشائعات، لابد كي تتم محاربة مثل هذه النوعية من الأوبئة، أن يتم بث قدر إضافي من الشفافية والموثوقية والتضامن الداخلي والثقة داخل المجتمع الصيني”.

قبيل وفاة الطبيب وين ليانج، قال وهو على فراش الموت، أنه “يجب أن يكون هناك أكثر من رأي، وأكثر من وجهة نظر، داخل المجتمع الصيني، أن اُريد له أن يكون مجتمعًا صحيًا”. لكن هذه الحاجة الملحة لوجود آراء متعددة داخل المجتمع، لا تعني بالضرورة الحاجة إلى نظام ديمقراطي متعدد الأحزاب على النمط الغربي، المطلوب في الحد الأدنى أن يتم توفير هامش تستطيع من خلاله الأوساط الشعبية التعبير عن ردود فعلها وتبادل آرائها. الحكومة الصينية كانت دومًا على قناعة أن السيطرة المطلقة على أي رأي معارض، هو السبيل الوحيد لضمان عدم تداول الشائعات، وبالتالي النأي بالمجتمع عن أية قلاقل أو مصادر لإثارة الذعر، لكن الأكيد أن هذه القناعة أيضًا تؤدي إلى انعدام ثقة المواطن فيما يصدر عن حكومته، وتعطي المجال بشكل أكبر لتداول نظريات المؤامرة. فقط الثقة المتبادلة بين الجانبين، هي السبيل الوحيد لتجنيب المجتمع والبلاد أية تأثيرات سلبية في مثل الظروف الحالية.

من ناحية أخرى، بالتأكيد التعامل مع تداعيات تفشي فيروس مثل كورونا، تحتاج إلى دولة قوية ومتماسكة، تمتلك الإمكانيات المادية واللوجستية والبشرية، تمكنها من تنفيذ تدابير واسعة النطاق، مثل العزل الصحي والإغلاق الوقائي، وهي تدابير نجحت الحكومة الصينية في تنفيذها على عشرات الملايين من الصينيين، لكن فيما يتعلق بالولايات المتحدة الأمريكية، التي تواجه حاليًا موجة تفشي للفيروس مماثلة لنظيرتها في الصين، يبدو من غير المحتمل أن تتمكن من تطبيق نفس الإجراءات الواسعة النطاق التي تم تطبيقها في الصين.

مع تطور الوباء في جميع أنحاء العالم، نحن بحاجة كذلك إلى إدراك أن آليات السوق لن تكون كافية لمنع الفوضى والجوع في مثل هذه الظروف، وفي هذا الصدد يجب أن ننظر بعين أخرى إلى التدابير الإقتصادية التي يطلق عليها البعض (شيوعية)، لأن هذه التدابير كانت ناجعة في الحالة الصينية، لذلك في الظروف الحالية، لابد أن تتم عمليات أنتاج وتوزيع المواد الضرورية بمختلف أنواعها، بطرق بعيدة عن آليات السوق التقليدية.

من المفارقات التي نتجت عن تفشي هذا الوباء، عرض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، التعاون والمساعدات مع السلطة الفلسطينية لمكافحة انتشار هذه الجائحة، وهذا بالطبع ليس بسبب الأعتبارات الإنسانية، لكن لأنه عمليًا من المستحيل فصل اليهود عن الفلسطينيين بشكل كامل، وبالتالي أذا تفشي المرض في إحد الفريقين، فإنه سينتقل بالتبعية إلى الطرف الأخر، وبالتالي ووفقًا لهذا المنطق، فإنه بات من الضروري تنحية شعار (أمريكا أولًا)، وتطبيق مقولة مارتن لوثر كنج “كنا سابقًا على متن سفن مختلفة، لكننا الآن نقف على سفينة واحدة”.

الفصل الثاني: لماذا نشعر بالتعب طوال الوقت؟

من نتائج تفشي جائحة كورونا، بروز فئتين أساسيتين من البشر، الأولى هي فئة العاملين بالقطاع الطبي، الذين يبذلون جهودًا مرهقة بشكل يومي، والثانية هي فئة الناس الذين لم يعودوا يجدون ما يفعلونه، بعد أن دخلوا قصرًا أو طوعًا في الحجر أو العزل الصحي. وبما أنني أنتمي إلى الفئة الثانية، أشعر أنه لزامًا على أن أوضح الطرق المختلفة التي ينتج عنها شعورنا الدائم بالتعب، وهنا سأتجنب ذكر التناقض الذي يدفع البعض للشعور بالتعب فقط لأنهم لم يجدوا ما يفعلونه.

الفيلسوف الألماني ذو الأصول الكورية الجنوبية بيونج تشول هان، تناول في إحدى أطروحاته هذا الموضوع، وتحديدًا الازدواجية التي تبدو في بعض الأحيان، ضمن السلوك الإنساني، بفعل القيود الداخلية الذاتية، أو القيود الخارجية. من أمثلة هذه الازدواجية، تجريد الكاتبة الباكستانية كاملة شمسي من جائزة نيللي ساكس الأدبية، بعد أن دعمت حملات المقاطعة ضد الحكومة الإسرائيلية، في حين حصل الكاتب النمساوي بيتر هاندكه، عام 2019، على جائزة نوبل للأداب، على الرغم من دعمه العلني للجيش الصربي، خلال عملياته في البوسنة.

الشكل الثاني من أشكال الإزدواجية، تتعلق بالمرحلة الحالية للرأسمالية على المستوى الدولي، حيث ظلت هذه المرحلة تجسد نظامًا طبقيًا متعدد المستويات، فما زال يوجد في دول العالم الثالث ملايين العمالة اليدوية في مختلف المهن، ومازالت الفجوات الطبقية موجودة بينهم وبين الطبقات العليا من مديري الشركات والملاك. العاملين في الحقل الطبي، خاصة في الصين، هم من المنتمين إلى طبقة العمال، ويزداد العبء عليهم أكثر في مثل هذه الظروف، 

الشكل الثالث يختلط فيه الشكلين السابقين، وفي يتم استبدال العمالة اليدوية، بشكل آخر من أشكال الإنتاج، وهو ما يعرف بالعمل التعاوني، بهدف خلق هامش يسمح بالإبداع في الإنتاج، لكن ما يحدث فعليًا هو شكل من أشكال الاستعانة بمصادر خارجية، فمثلًا يتم العمل داخل المؤسسات الغربية مثل أبل ومايكروسوفت بشكل تعاوني، لكن المنتجات النهائية يتم تجميعها في خطوط إنتاج في الصين أو أندونيسيا، وهي خطوط تقليدية تتكدس فيها العمالة اليدوية، ويتفشى فيها الاستغلال.

لقد اكتسبت هذه الانقسامات الطبقية بعدًا جديدًا بعد تفشي جائحة كورونا، فهل كل الطبقات تستطيع الانعزال في منازلها في مثل هذه الظروف الطبقية والاقتصادية؟ ماذا عن العمال والفلاحين؟ ستتعطل حياتهم واعمالهم وأرزاقهم، في حين ستستمر أعمال المديرين واصحاب الشركات، حتى لو ظلوا داخل بيوتهم، حيث سيستخدمون التقنيات الحديثة من إنترنت وحواسب آلية في إدارة أعمالهم. بالفعل الآن هو الوقت المناسب لعزل أنفسنا لحمايتها من هذا الفيروس، لكن لابد من التفكير في العمال بشكل عام، والعاملين في الحقل الطبي بشكل خاص.

الفصل الثالث: نحو عاصفة مثالية في أوروبا

تحدث العاصفة المثالية عندما تتوفر ظروف استثنائية تجمع بين مجموعة من القوى، مما ينتج عنه طاقة أكبر بكثير. (الأفراد المساهمون)، تم تعميم هذا المصطلح لأول مرة من خلال كتاب نشره الكاتب سيباستيان جونجر، عام 1997، وفيه تم الحديث عن سفينة صيد تسمى (أندريا جيل)، كانت عالقة ما بين عاصفة هوجاء، تضرب الساحل الشرقي للولايات المتحدة، وبين عاصفة أخرى قادمة من منطقة البحر الكاريبي.

وباء كورونا له بالطبع صيغة عالمية، تجعل كافة الدول في سفينة واحدة تتخاطفها أمواج هذه الجائحة، إلا أن أوروبا في هذه المرحلة تبدو أقرب إلى أن تكون في سفينة بمفردها، في مواجهة ثلاثة عواصف، العاصفة الأولى هي الضربات المتتالية لجائحة كورونا، والعاصفة الثانية هي تبعات هذه الجائحة من وفيات ومصابين وعزل صحي، وآثار اقتصادية مدمرة، هبت على الدول الأوروبية التي تعاني أساسًا من ركود اقتصادي متفاوت الحدة، ومازالت تعتمد على دول خارجية في تأمين احتياجاتها سواء عبر التصدير أو الاستيراد، فمثلًا تمثل صناعة السيارات العمود الفقري للأقتصاد الألماني، والآن يواجه هذا القطاع مشاكل كبيرة خاصة بعد أيقاف عمليات التصدير إلى الصين.

العاصفة الثالثة تتمثل في تبعات النزاع العسكري المستمر منذ سنوات داخل سوريا، وبين الحكومة السورية والجمهورية التركية، وهو ما تسبب في تفاقم معاناة مئات آلاف اللاجئين. تركيا بدأت مؤخرًا في دفع اللاجئين إلى التحرك في اتجاه الحدود مع اليونان، بهدف الإنتقال بعد ذلك إلى الدول الأوروبية، وبالتالي تتزايد الأعباء الاقتصادية والاجتماعية على هذه الدول. الحجة التركية في تصرفها هذا تثير السخرية، فهي تقول أنها لا تستطيع تقديم الدعم لهذا العدد الهائل من اللاجئين المتواجدين على أراضيها، لكنها هنا تتناسى مسئوليتها عن معاناة هؤلاء، وذلك بأنخراطها في الحرب على الأراضي السورية، ودعمها المادي للفصائل المسلحة.

التوازن الحالي في سوريا ما بين تركيا وروسيا، يوفر لكلا البلدين فرصًا كبيرة لممارسة مزيد من الضغوط على الدول الأوروبية، عن طريق إمدادات النفط السورية والروسية، وملف اللاجئين، وهذا جزء من لعبة جيوسياسية باتت سوريا هي مسرحها الأساسي. اللافت للنظر هنا، التشابه الكبير بين بوتين وأردوغان، اللذان يمثلان أكثر من أي وقت مضى، نسختين متطابقتين من نفس النظام السياسي، ولهما تقريبًا نفس الأهداف الاستراتيجية، بما فيها تدمير أوروبا الموحدة، وهم مستمرون في السعي لتحقيق هذا الهدف حتى في ظل الظروف الحالية.

من المعضلات الأساسية فيما يتعلق بملف اللاجئين، أنه بات مختلطًا بمسألة تفشي فيروس كورونا، (بالطبع من المحتمل أن تكون هناك عدوى واسعة النطاق بين اللاجئين، نظرًا للظروف المعيشية في المخيمات التي يتواجدون بها)، وبسبب هذا الإختلاط، ستكون هناك مبررات وجيهة للتعاطي مع اللاجئين على أنهم مصادر للعدوى، وبالتالي سيتم النظر باستهجان لأية ردود فعل متعاطفة مع المهاجرين.

لمنع هذه الكارثة، لابد من تعزيز الوحدة والعمل المشترك بين الدول الأوروبية، وخاصة التنسيق بين فرنسا وألمانيا. عندئذ سيتم تتعامل مع أزمة اللاجئين بشكل واقعي وأنساني. النظرة الحالية للاجئين عكستها تصريحات جريجور جيسي، أحد قادة الحزب اليسارى الألماني، الذي يرى أنه لا ينبغي الشعور بأية مسؤولية عن الفقر في دول العالم الثالث، وأن أولوية الأنفاق يجب أن تكون موجهة فقط لضمان رفاهية مواطني الدول الأوروبية. هذا الرأي يتجاهل أن العنصرية والاستعمار هما من أهم أسباب المعاناة الحالية للدول الفقيرة، ولهذا فإن التعاضد الإنساني يبقى من أهم متطلبات هذه المرحلة التي يواجه فيها الجميع نفس المخاطر.

الفصل الرابع: أهلا بكم في الصحراء الفيروسية

الانتشار المستمر والمتصاعد لوباء كورونا، ترافق أيضًا مع انتشار مماثل للفيروسات (الإيديولوجية)، التي كانت خاملة خلال السنوات السابقة داخل شرايين المجتمعات، من هذه الفيروسات اختلاق ونشر الأخبار المميزة، جنون العظمة، تداول نظريات المؤامرة، تفاقم العنصرية، وغيرها. الجيد هنا أن الضرورات الطبية التي أوجبت العزل الصحي داخل المنازل، أظهرت بشكل أوضح المصابين بهذه الفيروسات الإجتماعية والأيدلوجية، حيث كانوا هم أول المبادرين بمهاجمة خطط العزل المنزلي. هناك فيروس آخر ولكنه في هذه الحالة مفيد وليس ضار، وهو فيروس التفكير في تشكيل مجتمعات بديلة، متعددة القوميات، يكون فيها الدور الأساسي هو للتضامن والتعاون الدولي فيما بينها.

البعض يرى أن تفشي فيروس كورونا في الصين وتبعاته، من الممكن أن يؤدى إلى سقوط حكم الحزب الشيوعي، بطريقة مماثلة لإنتهاء حقبة الاتحاد السوفيتي ورئيسه غورباتشوف، بعد أشهر من كارثة تشيرنوبل النووية، لكن المفارقة هنا، أن هذه الجائحة ربما تكون دافعًا لنا كي نعيد استلهام التجربة الشيوعية، خاصة في جانبها الذي يضع الثقة المطلقة في العلم والعلماء.

الحقيقة أن الوضع بالنسبة للحزب الشيوعي في بكين، يختلف كليًا عن الوضع بالنسبة للحزب الشيوعي الحاكم سابقًا في موسكو، فنظام بكين ديناميكي، يستطيع تحت العزل الطبي، أن يراقب ويحلل ويستخلص المعلومات ويصحح المسارات. لكن ما قد يساهم حقًا في انتهاء حقبة الحكم الشيوعي في الصين، هو حدوث تغييرات جذرية في البنية الاجتماعية للبلاد، تسمح للشعب بهامش حرية أكبر، وبقدرة متزايدة على النقد وإبداء الرأي.

منذ سنوات مضت، لفت الناقد الأدبي الأمريكي فريدريك جيمسون الانتباه، إلى تناول بعض أفلام الخيال العلمي، للشكل الذي تكون عليه الحياة على كوكب الأرض، عقب كوارث كبرى، مثل سقوط نيزك أو تفشي فيروس قاتل، في هذه الظروف يتولد التضامن بين الدول والناس، وتصبح الخلافات الكبرى صغيرة وتافهة أمام هول الكارثة التي يواجهها الجميع. في الحياة الواقعية، يبدو أننا بالفعل نحتاج إلى كارثة كبرى، لنكون قادرين على إعادة التفكير في نقائص المجتمعات التي نعيش فيها.

هذه الجائحة أبرزت أهمية بعض الروابط المتبقية للتنسيق والتعاون بين دول العالم، ومنها منظمة الصحة العالمية، التي أصدرت تحذيرات رصينة ومتزنة ودقيقة حول هذا الفيروس، وتعمل بهمة وبدون إستعراض، على مكافحة هذا الوباء في كل دول العالم، ومثل هذه المنظمات لابد من أن تتحصل على أكبر قدر ممكن من الدعم. خاصة إذا ما قارننا بينها وبين ردود فعل دول مثل الولايات المتحدة، التي سخر فيها المرشح الرئاسي بيرني ساندرز، من المنتقدين لدفاعه عن نظام الرعاية الصحية الشاملة في الولايات المتحدة.

إذن هناك حاجة ماسة، لتشكيل ما يشبه شبكة عالمية للرعاية الصحية، وذلك كي يتبادل الجميع المعلومات والخبرات والتجارب، بدلًا من أن يقع البعض في شباك الإستهانة بهذه الكارثة، مثل وزير الصحة الإيراني، الذي عقد مؤتمرًا صحفيًا قلل فيه من تأثيرات الفيروس على بلاده، وأعرب فيه عن عدم وجود ضرورة لفرض حجر صحي جماعي، ثم أدلى بعد ذلك بإيام بتصريح قصير، أفاد فيه أنه تعرض للإصابة بهذا الفيروس.

الفصل الخامس: المراحل الخمس للأوبئة

ربما مكنتنا الظروف الحالية، من التعرف على ردود فعلنا المحتملة على التعرض لمثل هذا الوباء، خاصة من كتب مثل كتاب (الموت والموت) للكاتبة إليزابيث روس، الذي وضعت فيه المراحل الخمس التي يمر بها المرء حال معرفة أنه تعرض للإصابة بفيروس من هذا النوع. المرحلة الأولي هي الإنكار، حيث يرفض المرء ببساطة قبول الحقيقة، قائلًا “هذا لا يمكن أن يكون قد حدث لي”.

المرحلة الثانية هي الغضب، الذي ينفجر عندما لا يعد لدى المرء، القدرة على الإستمرار في إنكار الحقيقة. المرحلة الثالثة هي المساومة، وهو الأمل الزائف الذي من خلاله نقلل من حدة ما نحن فيه، أو نطلب تأجيل ما هو محتم حدوثه لنا، وحينها يقال مثلا (يا إلهي أجعلني أعيش ولو حتى إلى اليوم الذي أرى فيه تخرج أولادي من الجامعة). 

المرحلة الرابعة هي الأكتئاب، وفيها لا يعد المرء مهتمًا بأي شيء، والمرحلة الخامسة والأخيرة هي القبول، وفيها يستعد المرء لملاقاة مصيره بشجاعة.  ولقد طبقت روس هذه المراحل على مستويات متعددة من المأسي الإنسانية، (البطالة، الوفاة، الطلاق، إدمان المخدرات)، وقد أكد هذا التطبيق، أن هذه المراحل الخمس لا تحدث دومًا بنفس ترتيبها السالف ذكره. هذه المراحل أيضًا تم تطبيقها على تعامل الشركات الكبيرة مع مخاطر تلوث البيئة، والاحتباس الحراري والتغير المناخي، وهي كلها نتائج أنشطة هذه الشركات ومصانعها. وكذلك تنطبق هذه المراحل على التهديدات المتزايدة التي يمثلها التغلغل الرقمي في حياتنا اليومية بكافة جوانبها.

المصابون بفيروس كورونا والغير مصابون على السواء، مروا أيضًا بهذه المراحل، في البداية كان هناك مرحلة الإنكار (لا شيء خطير يحدث، هذا هلع لا داعي له)، ثم مرحلة الغضب (سواء من الحكومات أو من العرقيات الأخرى كالصينين مثلًا)، تأتي بعد ذلك مرحلة المساومة (حسنًا، هناك بعض الضحايا، لكن مازال الوباء أقل خطورة من وباء سارس)، ثم مرحلة الاكتئاب (دعونا لا نخدع أنفسنا، فنحن سنموت جميعًا). مرحلة القبول لم يصل إليها الجميع حتى الأن، ولكن كيف ستكون؟

الفصل السادس: فيروس العقيدة

أحد الأسئلة المثيرة للاهتمام التي أثارها فيروس كورونا، حتى بالنسبة لغير الخبراء في الإحصاءات، هو أين تنتهي البيانات وتبدأ الأيديولوجية؟ من حيث المبدأ، كلما زاد الترابط بين الدول والحكومات، كلما زاد تحول الكوارث المحلية إلى كوارث دولية يهتم بها الجميع، والخوف هو من أهم كوارث العصر.

في ربيع عام 2010، أدت سحابة غبار ناتجة عن نشاط بركاني محدود في أيسلندا، إلى اضطراب واسع في العديد من اتجاهات الحياة، فتوقفت حركة الطيران التجارية، في تذكرة مؤلمة بمدى تأثير الطبيعة وتقلباتها على الحياة البشرية، كما أن الآثار الاجتماعية والاقتصادية الكارثية لمثل هذا النشاط البركاني الطفيف، ترجع في الأساس إلى الهشاشة الناتجة عن التطور التكنولوجي، فلو كان هذا النشاط البركاني منذ قرن مضى، في وقت لم يكن النقل الجوي موجودًا، لم يكن ليلاحظه أحد، لكن ونظرًا للتقدم الحالي في مجال النقل الجوي، باتت تأثيرات حادثة محدودة مثل هذه، أكبر بكثير مما يفترض أن ينتج عنها بالفعل، وأكثر وضوحًا. لقد نتج عن زيادة التطور التكنولوجي معادلة صعبة، فيها يكون البشر أكثر استقلالًا عن الطبيعة، لكنهم في نفس الوقت أكثر عرضة لتأثيرات تقلباتها.

الصين لم تكن استثناء عن هذه المعادلة، شيء واحد مؤكد، وهو أن العزل الصحي، وبناء مستشفيات الحجر، لن تكون كافية وحدها لمواجهة هذا الوباء، دون تنسيق وتضامن داخلي وخارجي. المطلوب في هذه المرحلة، تأسيس شكل جديد من أشكال الشيوعية، لتفادي أن يصبح مستقبل البشر، مشابه للوضع الحالي لهم في ظل تفشي الفيروس، (معزولين داخل المنازل والمستشفيات).

قد تكون ووهان اليوم نموذجًا لما يمكن أن يكون الحال عليه في المدن المستقبلية، يجب أن أعترف أنني خلال الأيام الأخيرة، وجدت نفسي أحلم بزيارتها، ورؤية الشوارع المهجورة في هذه المدينة الضخمة، والمراكز الحضرية الصاخبة التي تبدو مثل مدن الأشباح، والمتاجر بأبواب مفتوحة وبدون عملاء، وهذه كلها مشاهد لما قد يكون عليه العالم الغير استهلاكي.

العيش في مثل هذه الظروف، ربما يمثل فرصة لإطلاق سراح أفكارنا ومشاعرنا، وتنشيط تجاربنا الحياتية، لأنه على الأقل سوف يستخدم الناس الوقت الوفير الذي بات متاحًا لهم، من أجل ممارسة بعض الأنشطة المنزلية، والتفكير بشكل متمعن في حياتهم ومستقبلهم. على هذا الأساس، ربما تمنح هذه الظروف السالف ذكرها، بعض الإسرائيليين الشجاعة، كي يشعروا بالخجل والعار من ممارسات كل من ترامب ونتانياهو، ومن السياسة الإسرائيلية بشكل عام، وربما، سيستجمع بعض البريطانيين شتاتهم، ليدركوا فداحة الخطأ الذي وقعوا فيه عبر قانون بريكست. الصينيون فقط الذين يجب أن يشعروا بالخجل، من تقليلهم من خطورة فيروس كورونا، وهم بذلك أصبحوا مثل الموظفين السوفييت العاملين في مفاعل تشيرنوبل، الذين ادعوا عدم وجود مشكلة في المفاعل، ومثل المسئولين الكبار، الذين ينكرون على الدوام حقيقة حدوث الاحتباس الحراري، لكنهم في نفس الوقت يسعون لشراء منازل في مناطق بعيدة مثل نيوزلندا، ليكونوا بعيدًا عن الملوثات.

الفصل السابع: التأرجح بين الهدوء والذعر

يكرر الإعلام مرارًا وتكرارًا، “لا داعي للذعر!”، لكننا في كل مرة نجد أن البيانات المعلنة دومًا تكون باعثة على الذعر والخوف. المشكلة عن أن هذا الذعر يكون في بعض الأحيان هو السبب الأساسي للمشكلة، ففي المملكة المتحدة، نفذت كافة المناديل الصحية الخاصة بالمراحيض، فقط بسبب المخاوف من تفشي فيروس كورونا. نفس الشيء حدث سابقًا في يوغسلافيا أبان حقبة الحكم الاشتراكي، حيث انتشرت شائعة تفيد بعدم توفر ورق تواليت كافٍ، وحينها أصدرت السلطات على الفور تأكيدات بعدم صحة ذلك، لكن وبسبب حالة الذعر الناتجة عن هذه الشائعة، أفرط الناس في شراء هذه المناديل، مما أدى في النهاية إلى نقصها الحاد في الأسواق.

المعادل الموضوعي لتفشي الذعر، هو انعدامه، والذي يكون في بعض الأحيان مدمرًا، ففي الأعوام الماضية، وبعد وبائي إيبولا وسارس، قال العلماء أن ظهور وباء جديد أقوى بكثير، أصبح مسألة وقت فقط، لكن لم يقتنع أحد بهذا الكلام حينها، والآن تأكد الجميع من صحة كل ما تنبأ به العلماء.

أن نظريتي حول أن وباء كورونا قد أعطى دفعة جديدة للنظام الشيوعي في بكين، سخر منها البعض، لكن الحقيقة هي أن مقاربة الدولة الصينية في التعامل مع هذه الأزمة كانت ناجحة، أو على الأقل أفضل بكثير من معظم الدول الأوروبية وعلى رأسها إيطاليا. المنطق السلطوي القديم للشيوعيين في بكين، كان هو السبب الأساسي في التدهور الأولي الذي أصاب المدن الصينية، وذلك بسبب عدم رغبة السلطات في نشر الأنباء السيئة حول الفيروس، لكل من الشعب والقيادات العليا في الدولة، لكن بعد أن اتضحت الصورة للجميع، بدأت بكين في تدارك الأمر. تفشي الوباء حول العالم أظهر مساوي الأنظمة الشمولية والرأسمالية على السواء، كما أوضح بجلاء أن تقوقع كل دولة لن يكون الا مسمار أخير في نعش البشرية، وأن الحل يمكن في تعاون الجميع معًا لعبور هذه المرحلة.

الفصل الثامن: المراقبة والعقاب … نعم من فضلك

لاحظ العديد من المحللين الليبراليين واليساريين، كيف يتم إتخاذ وباء كورونا، كوسيلة لتبرير وإضفاء الشرعية على تدابير المراقبة والرقابة على الشعوب، هذه التدابير التي كانت حتى وقت قريب غير موجودة في المجتمعات الديمقراطية الغربية، أصبحت الآن أمر واقع. من المؤكد أن وضع كافة الأراضي الإيطالية تحت العزل التام، هو شكل من أشكال الشمولية، لكن إذا نظرنا للصين، سنجد أن تطبيقاتها للتحكم الرقمي، كانت مجهزة جيدًا، مكنها من تحقيق أداء أفضل بمراحل من الأداء الإيطالي.

المفكر الإيطالي جورجيو أغامبين، تناول هذا الوباء بطريقة مختلفة، فقد رأى أنه لم يكن هناك مبرر، لفرض حالة الطوارئ، لمواجهة فيروس هو مجرد نسخة أخرى من نسخ فيروس الإنفلونزا، متسائلًا “لماذا تبذل وسائل الإعلام والسلطات قصارى جهدها، لخلق مناخ من الهلع الذعر، وبالتالي تفرض قيودًا على الحركة، وتعلق أنشطة الحياة اليومية والعمل بشكل كامل في كافة مناطق البلاد؟ يرى أغامبين أن السبب الرئيسي لهذا، قد يتعلق برغبة سلطوية لتمكين سلطتها والإستفادة من الظروف الحالي، لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية، او قد يكون عاكسًا لمدى ارتباك وذعر السلطة نفسها من تداعيات هذه الكارثة.

رأي أغامبين يمثل قراءة التيار المتطرف لهذا الذعر (المبالغ فيه)، ومع ذلك، مثل هذا التفسير الاجتماعي لا ينفي حقيقة التهديد الذي يمثله الفيروس، فهل هذا الواقع يجبرنا على القبول بإجراءات تحد من حرياتنا؟. التحدي الأساسي الذي يواجه أوروبا هو إثبات أن ما فعلته الصين من إجراءات متشددة، يمكن أن يتم بطريقة أكثر شفافية وديمقراطية.

الفصل التاسع: هل مصيرنا هو البربرية مع مسحة إنسانية؟

العمل على تجنب الوصول إلى مرحلة، يتم فيها اللجوء إلى إجراءات بربرية، ذات صبغة إنسانية، للحفاظ على بقاء البشرية، أو حتى تطورات بربرية محضة، ينهش فيها الناس بعضهم البعض، بسبب نقص السلع والخدمات. في نهاية المطاف قد يصيب الفيروس ما بين 60 إلى 70 بالمائة من سكان العالم، وسينتج عنه ملايين القتلى. حينها قد تجد الحكومات نفسها مضطرة إلى اتخاذ إجراءات بربرية، إيطاليا مثلًا حدثت عن أنه إذا ساءت الأمور، سيتم ترك المصابين بالفيروس لمصيرهم، وتوفير الإمكانيات المتاحة من أجل حماية الأصحاء، أو بمعنى أخر (البقاء للأصلح).

في الأيام الأخيرة، نسمع مرارا وتكرارا، أن كل واحد منا مسؤول عن حماية نفسه وأفراد عائلته، وعليه أن يتبع القواعد الوقائية والطبية الجديدة. وسائل الإعلام مليئة بقصص عن الأشخاص الذين أساءوا التصرف، ووضعوا بذلك أنفسهم والأخرين في بؤرة الخطر. التأكيد المفرط على مسؤولية الناس الشخصية عن المشكلة، قد يتسبب في تشويش أكبر على تساؤلات الشعوب، حول كيفية تغيير الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية.

البربرية ربما يكون لها أشكال أخرى، فقد ذكرت وسائل الإعلام أن الرئيس الأمريكي ترامب، عرض مليار دولار على شركة CureVac، لتأمين أدوية ولقاحات مضادة للفيروس، مخصصة للولايات المتحدة فقط. وهو فعل أثار أستهجان الألمان وغيرهم، وقد لجأ ترامب إلى قانون (الإنتاج الدفاعي)، من أجل تأمين احتياجات البلاد من الأقنعة الواقية وأجهزة التنفس، وهو قانون يضع يد الدولة على القطاع الخاص، وبالتالي يحمل عمليًا صبغة (شيوعية)، وهذه ليست سوى البداية، فستكون هناك حاجة أيضًا إلى العديد من الإجراءات من هذا النوع، كي تستمر الخدمات العامة الأساسية في العمل، مثل الكهرباء والمياه والغذاء والدواء، وهذه ليست رؤية شيوعية خيالية، إنها الشيوعية التي تفرضها ضرورات البقاء على قيد الحياة, إنها للأسف نسخة من شيوعية الحرب في الفترة ما بين عامي 1918 و1945.

الأعانات المالية التي بدأت شيكاتها في الوصول إلى الأمريكيين، هي أيضًا من ملامح الأنظمة الإشتراكية، ومن خلالها سيتم أنفاق تريليونات الدولارات، على إجراءات تنتهك جميع قواعد السوق التقليدية. لكن لا يزال من غير الواضح كيف وأين سيحدث ذلك، والأهم لمن؟ هل ستكون هذه الاشتراكية المفروضة هي اشتراكية الأغنياء، كما كان الحال مع خطة إنقاذ البنوك عام 2008، والتي نتج عنها فقدان الملايين من الناس مدخراتهم؟ 

الفصل العاشر: شيوعية أو بربرية.. بهذه البساطة

باتت هواتفنا وحساباتنا على الإنترنت، هي روابطنا الرئيسية مع الآخرين في مثل هذه الظروف، وكلاهما تسيطر عليه الدولة التي يمكنها قطعهما وقتما شاءت، إذن ماذا سيحدث؟، ما بدا سابقًا مستحيلًا بات يحدث بالفعل، على سبيل المثال، الشهر الماضي أعلن رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، التأميم المؤقت للسكك الحديدية، وهذا شئ غير مسبوق، وبالتالي صار كل شيء ممكنًا الآن.

على المستوى السياسي، تواجه كافة الدول خيارات مفصلية، فمن الممكن، في أجزاء عديدة من العالم، أن تتعرض بنية الدول إلى التفكك، وظهور أمراء الحرب المحليين، الذين سيتصارعون فيما بينهم على النفوذ والأراضي، في تجسيد لفيلم (ماد ماكس)، وستصبح المعارك هي حروب من أجل البقاء، خاصة إذا كانت التهديدات تتعلق بأمور وجودية مثل الغذاء والماء، وحينها ربما تسود بعض الأفكار النازية، مثل “لندع الضعفاء وكبار السن يموتون، كي نوفر الموارد للأقوياء والأصحاء.

تاريخيًا، تم أتباع نهج مماثل في رومانيا، خلال السنوات الأخيرة من حكم تشاوشيسكو، وحينها لم تكن المستشفيات تقبل باستقبال كبار السن، مهما كانت حالتهم، نظرًا لعدم حاجة المجتمع لهم، وعدم تشكيلهم أية قيمة مضافة له في أوضاعهم الحالية.

هنا يأتي ذكر مفهوم (الشيوعية)، وهو ليس مطروحًا كحل، لكنه توصيف لما يتم تنفيذه حاليًا من إجراءات في الولايات المتحدة وأوروبا. لا ينبغي فقط تضطلع الدولة بدور أكثر نشاطًا وتنظيمًا، في إنتاج المستلزمات الطبية الأساسية في ظرف مثل هذا، مثل أجهزة التنفس والأقنعة الواقية،بل يجب كذلك ضمان الحد الأدنى من التدابير لمنع تحول الجميع إلى عاطلين عن العمل، وذلك بالتخلي عن آليات السوق، وهنا يجب التفكير في مصير من يعملون في قطاع السياحة، الذين سوف يفقدون وظائفهم بشكل مؤقت أو دائم في مثل هذه الظروف، فلا يمكن أن يتم ترك آليات السوق تحدد مصيرهم.

Scroll Up